/
/
/

المآسي والويلات التي عاشها ويعيشها شعبنا العراقي منذ ان تسلطت دكتاتورية البعث على مقدراته التي استلمها بعدئذ وكلاء الإحتلال الأمريكي لوطننا من احزاب الإسلام السياسي وداعمي لصوصيتهم واستهتارهم بحقوق الناس ، بلورت افكاراً ظلت تتناغم مع العهد الملكي الذي ساد العراق لما يقارب من اربعين عاماً ، لم ير فيها الشعب العراقي ، حتى بملايينه الخمسة آنذاك ، كل ما كان يأمله هذا الشعب من بلد تضاعفت امكانياته المادية بعد ان تطور استغلال موارده الطبيعية وخاصة النفط بالدرجة الأولى. العهد الملكي الذي وصفه الرصافي الكبير خير وصف لائق به حينما قال :

أنا بالحكومة والسياسة أعرَفُ ...... أأُلام في تفنيدها وأُعَنَفُ

حتى يصل إلى وصف هذا العهد بكل سيئاته قائلاً :

عَلَمٌ ودستورٌ ومجلسُ أمةٍ ........ كُلٌ عن المعنى الصحيح مُحَرَفُ

أسماء ليس لنا سوى ألفاظها ......... أما معانيها فليست تُعرَفُ

مَن يقرأ الدستور يعلم أنه ......... وِفقاً لصك الإنتداب مُصَنَّفُ

مَن ينظر العلَمَ المُرَفرِفَ يَلْقَهُ.......... في عزّ غير بني البلاد يُرفرِفُ

مَن يأتِ مجلسنا يُصدّق أنه ............ لمُراد غير الناخبين مؤَلَفُ

مَن يأتِ مُطّرَدَ الوزارة يُلْقِها ............ بقيود أهل ألإستشارة ترسُفُ

ثم يختم هذا الشاعر العراقي الكبير قصيدته الرائعة هذه مُتنبأً بما سيحدث لهذا النظام قائلاً :

لابد من يوم يطول عليكُمُ .......... فيه الحساب كما يطول الموقفُ

الشعب في جزَعٍ فلا تستبعدوا...........  يوماً تثور به الجيوشُ وتزحَفُ

وهذا ما فعلته ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958 حينما اطاحت بذلك النظام العميل .

ومنذ فترة ليست بالقصيرة  يجري التطرق في كثير من وساءل الإعلام  إلى العهد الملكي ورجالاته سواءً من العائلة المالكة او ممن حكموا العراق من سياسيي هذا العهد وكأن هذه المجموعة كانت قد بذلت الغالي والنفيس وضحَّت بكل ما لديها من أجل بناء الدولة العراقية الديمقراطية المستقلة المتحررة من اية سلطة أجنبية . وليس هذا فحسب ، بل ان هذه الجهات الإعلامية التي سخرت المسرحيات والمقالات لهذا الغرض دأبت على إبراز هذه المجموعة التي تسلطت على حكم البلاد والعباد لما يقارب الأربعين عاماً من الزمن وكأنها كانت تعيش حياة الكفاف ، لا بل أنها لا تتقاضى على ممارستها الحكم والسلطة إلا بما تسد به رمقها . او ان هذه المجموعة كانت تتبنى الديمقراطية في حكمها العراق . وهذا كله ما يجافي الحقيقة والواقع طبعاً ، إذ ان نظرة بسيطة إلى التاريخ سترينا في أية قصور فارهة كان يعيش الرهط الحاكم وأية سيارات فخمة نسبة لذلك الوقت كانت تحت تصرفهم وإية إمتيازات حكومية كانوا يتمتعون بها . كل ذلك مقابل الفقر المدقع الذي كانت تعيشه الجماهير الواسعة من الشعب العراقي آنذاك .وبما ان كثيراً من هذه الحقائق خافية على الكثيرين من الأجيال العراقية التي لم تعش هذا العهد ولم تتعامل مباشرة مع وجوده ، يصبح من الواجب على من تبقى من جيلنا الذي اكتوى بنيران التسلط الإنكليزي المباشر وغير المباشر على وطننا طيلة اربعين عاماً من تاريخه ، ان يبين الحقائق ، او بعض الحقائق ، لأن التاريخ الأسود للنظام الملكي لا تسعه مجلدات ، وذلك كي تصبح الأجيال الحالية والقادمة على علم بحقيقة هذا النظام وعدم الوقوع في فخ الأكاذيب التي تحاول تجميل الوجه القبيح له .

يحاول جراحو وجه العهد الملكي المقبور أن يجعلوا من رجاله الذين إقترفوا ابشع الجرائم بحق الشعب العراقي ، رجالاً أوفياء لهذا الشعب ، تعاملوا معه بكل أخلاق وأدب وسلوك حضاري . وإن أول الشخصيات التي يتطرقون إليها في هذا المجال هي شخصيات العائلة المالكة التي يحاولون بها إبراز هذه العائلة وكأنها عائلة ملائكة الرحمن التي أنزلها الله رحمة على هذا البلد الذي كان سينهار لولا وجود هذه العائلة . وهذا ما يجافي الحقيقة والواقع الذي عاشته هذه العائلة حينما أوتي بها من بادية الجزيرة العربية إلى العراق من قبل الدولة البريطانية .

بالنظر لقلة أفراد هذه العائلة الذين حكموا العراق للفترة بين 1921 وحتى 1958 والتي إقتصرت على أربعة رجال فقط مارسوا الحكم في فترات مختلفة ، فلا يمكننا والحالة هذه التطرق إلى كل هؤلاء بنفس المستوى من التقييم . فالرجل الأول في هذه العائلة الملك فيصل الأول قد جاء به الإنكليز إلى العراق بعد أن طرده السوريون من بلادهم حينما أراد الفرنسيون فرضه كملك عليهم . إنه ليس عراقياً ، إلا ان الإنكليز فرضوه على العراقيين إذ أنهم كانوا يعتبرونه ورقتهم الرابحة في العراق ، باعتباره عميلهم المخلص الذي وقف معهم ضد الدولة العثمانية . وحال إستلامه مقاليد منصبه في العراق من قبل الحكومة البريطانية سعى إلى ان يتقرب الى الشعب العراقي إلى جانب وفاءه لمن نصبوه وذلك بمحاولته تبني ما كان قادة ثورة العشرين قد خططوا له باستقلال العراق من الهيمنة البريطانية . إلا أن تبنيه لهذه الفكرة التي قد يكون مخلصاً له ، لم يستطع السير به نحو خطوات جريئة لتحقيقه وذلك بسبب إرتباط دولة العراق ، التي لا زالت دولة فتية ، بمجمل السياسة البريطانية التي أوجدتها لتدور في فلكها ولم يكن بإمكان هذا الملك أن يفلت من هذا الفلك . لقد جيئ بفيصل الأول ليس لأنه رجل سياسة او ثقافة حضارية ، بل لأنه خادم مطيع لأسياده .

أما الفترة التي حكم فيها الملك غازي العراق ، فبالرغم من قصرها (1933ـ 1936) فإنها كانت مشوبة بكثير من الأسرار والمؤامرات التي تركزت بشكل أساسي على ممارسة السلطة وديمومتها لبعض القوى السياسية التي جعلت من ضعف هذا الملك الشاب وسيلة لها لتنفيذ مآربها التي لا ناقة للشعب العراقي بها ولا جمل . كما أنها تميزت بحملات قمعية ضد بعض الفئات العراقية التي طالبت بحقوقها القومية آنذاك. وللمزيد من المعلومات الدقيقة عن هذه المرحلة بالذات من تاريخ العراق السياسي والإجتماعي ننصح بمراجعة الكتاب القيم الذي ألفه الباحث القاضي زهير كاظم عبود والمعنون ب " من أوراق الملك غازي " من إصدار " مؤسسة شرق غرب ـ ديوان المسار للنشر " .

أما مرحلة العهد الملكي التي تلت مرحلة الملك غازي فيمكن إعتبارها نموذجاً لممارسات العهد الملكي برمته وذلك لعدة أسباب :

أولاً: في هذه المرحلة تم بناء الدولة العراقية المؤسساتية التي أرادت لها السياسة البريطانية ، من خلال مستشاريها الذين اداروا هذه المؤسسات ، ان تظهر الدولة العراقية وكأنها دولة حديثة متحضرة . إلا ان ذلك لم يتم فعلاً ، بالرغم من وجود الوزارات التي تبنتها هذه المؤسسات ، وذلك بسبب عدم استقلالية الوزراء الذين كانوا يُعينون من قبل الإنكليز مباشرة ، حتى اصبح هؤلاء الوزراء مجرد إمعات يديرها المستشار الإنكليزي للوزارة المعنية كما يريد . وهذا الوضع بالذات هو الذي وصفه الشاعر محمد رضا الشبيبي حينما خاطب هؤلاء الوزراء الإمعات قائلاً :

             المستشار هو الذي شرِب الطِلا ........ فعلامَ يا هذا الوزير تعربدُ

ثانياً: تبلورت في هذه المرحلة طبيعة العمل السياسي العراقي بحيث أصبح الصراع على السلطة واضحاً بين القوى السياسية الرئيسة في ذلك الوقت ومن ثم بينها وبين القوى الوطنية التي بدأت عملها السياسي الوطني الذي إنصب على رفض ربط السياسة العراقية بالسياسة البريطانية من خلال المعاهدات بين البلدين وأهمها معاهدة 1930 .

ثالثاً: طول المدة الزمنية التي إستغرقتها هذه الفترة والتي قاربت الإثنين وعشرين سنة، مقارنة بفترتي فيصل الأول التي رافقت نشوء الدولة العراقية وإستمرت إثنتا عشرة سنة تقريباً . وفترة غازي الأول التي إستمرت ثلاث سنوات فقط .

وحينما نتطرق إلى الشخصية السياسية الملكية الرئيسية التي طبعت هذه الفترة بطابعها فمَيَّزتها عن الفترات التي سبقتها ، فإننا والحالة هذه لا نجد سوى شخصية الأمير عبد الإله الذي إستمر تأثيره على الساحة السياسية العراقية حتى بعد أن تنحى عن منصب الوصاية على العرش. لقد قام  عبد الإله بتنفيذ السياسة الإنكليزية في العراق بحذافيرها ، إذ ان الإستعمار البريطاني كان يعتبره ، مع الآخرين من رجالات الإنكليز بالعراق ، رجُله الأول داخل العائلة المالكة بعد ان تعرف ساسة الحكومة البريطانية على افكار الملك غازي التي كانت تسير بغير ما يخططون له ، لذلك عمدوا على التخلص منه بمساعدة كل من عبد الإله ونوري السعيد . وللمزيد من المعلومات عن مؤامرة إغتيال الملك غازي من قبل الإنكليز وبالتعاون مع عبد الإله ونوري السعيد وحتى بالتآمر مع زوجته عالية ، لا بأس من مراجعة المؤلَف القيم الذي أشرنا إليه أعلاه من تأليف الباحث القاضي الأستاذ زهير كاظم عبود وخاصة على الصفحات 164 ـ 167 وعلى الصفحة 179 من نفس هذا المؤلَف

إن شخصاً كهذا يتآمر على ولي نعمته وزوج أخته تنفيذاً لرغبات الأجنبي المستعمر لا يمكنه ان يكون وفياً للشعب العراقي الذي لا ينتمي إليه أصلاً . وهذا ما تشير له كافة الإجراءات القمعية التي إتخذتها الحكومات العراقية التي كانت تسير في فلكه وفلك الإنكليز، كتسخير الجيش العراقي لقمع التحركات العشائرية المناوئة للحكومة أو قمع الإنتفاضات الشعبية التي إنطلقت على شوارع العراق في أربعينات وخمسينات القرن الماضي ، والإعدامات التي نفذها النظام بحق ضباط الجيش المعارضين للنظام ، وقادة الحركة الوطنية العراقية ، هذه الجرائم التي إرتبطت بسياسة الحكومة العراقية آنذاك والتي كانت تُدار من قبل عبد الإله حتى بعد تخليه الرسمي عن الوصاية على عرش العراق .

هذه ألأسباب واسباب أخرى كثيرة غيرها تتعلق  بسلوك وتصرفات هذا الأمير الحجازي تدعونا لأن ندقق النظر فيما ذهب إليه البعض من تزكية شخص عبد الإله وإبعاد تاثيره على مجمل سيئات النظام الملكي إثناء فترة وصايته على عرش العراق وحتى بعد إنتهاء هذه الوصاية وحتى سقوط هذا النظام بثورة الرابع عشر من تموز عام 1958 .

وإذا ما تجاوزنا افراد العائلة المالكة ونظرنا إلى رجال حاشية هذا العهد الملكي الذين خططوا لسياسته ونفذوها فإننا سوف لن نجد إلا الندرة من هؤلاء السياسيين الذين تبنوا مصالح الوطن وأهله فعلاً قبل تبنيهم الدفاع بكل الطرق عن مصالح السياسة البريطانية في العراق . ومن الشخصيات التي لا تنتمي إلى هذه الندرة والتي كانت سائدة ، لا بل مسيطرة على الساحة السياسية العراقية آنذاك هو السياسي العراقي المعروف نوري السعيد الذي يدبج الكثيرون  في الوقت الحاضر المقالات ويخرجون المسرحيات عن ذلك السياسي الذي نعتوه بكل اوصاف الطيبة والوطنية والتسامح والعدالة وغيرها من الأوصاف التي لم يكن يحملها اصلاً . ومن الجدير وصفه بصفاته الحقيقية التي مارسها على الساحة السياسية العراقية طيلة فترة تسلطه على هذه الساحة وأشهر صفاته هذه الحيلة والمراوغة والتآمر واللف والدوران وكأن تاريخ معاوية بن أبي سفيان يعيد نفسه بهذا الرجل على أرض العراق .لا نريد الحديث كثيراً هنا عن هذا الرجل ونكتفي بذكر المصدر القيم للأستاذ الباحث العراقي حامد الحمداني وكتابه المعنون : نوري السعيد رجل المهمات البريطانية الكبرى ، لمراجعته ومعرفة المزيد حول هذا الموضوع .

قد يكون الكثير ممن يكيلون المديح إلى رجالات العهد الملكي ، خاصة إلى أولئك المقربين من البلاط الملكي ، لم يعيشوا هذه الفترة أصلاً أو لم يعيشوها بوعي . لم يعيشوا هذه الفترة معايشة واقعية واعية بحيث انهم  شعروا فعلاً وعايشوا مباشرة سياط جلادي العهد الملكي التي رافقت المعارضين لسياسة النظام آنذاك ، وذلك من خلال عمليات التعذيب في سجون ذلك العهد وأقبيته. أو من خلال عمليات النفي والمطاردة ومعسكرات الإبعاد التي تأسست اصلاً لكل مواطن رفع صوته ضد السياسة الموالية للإستعمار البريطاني في العراق . أو من خلال الإعدامات التي نالت قادة  الجيش والقوى الوطنية سواءً في صفوف العسكريين أو المدنيين وفي مقدمتهم قادة الحزب الشيوعي العراقي الذين ظلت جثثهم معلقة في شوارع بغداد لعدة أيام . او الإعدامات التي جرت بعد انتفاضة 1956 ، خاصة في مدينة الحي ، أو من خلال المجازر الرهيبة التي نفذها النظام الملكي ضد السجناء السياسيين والتي أسفرت عن قتل السجناء في هذه السجون ، ومجزرة سجن الكوت مثل واحد على مثل هذه المجازر . او من خلال الفصل من الوظائف وما كان يسمى بسحب اليد وبذلك قطع مصدر المعيشة لعوائل الوطنيين العراقيين النشطين في الأحزاب المعادية للسياسة الإستعمارية في العراق والتي كان العهد الملكي وحاشيته من الساسة العراقيين أدوات تنفيذها المباشرة . أو من خلال رمي المتظاهرين بالعتاد الحي ووقوع القتلى والجرحى بين مَن تظاهروا لإعلان هذا الموقف الوطني أو ذاك ضد السياسة الإستعمارية البريطانية وأذنابها في الوطن ، ومجزرة جسر الشهداء واحدة منها  . أوتسخير الجيش العراقي لضرب العشائر وضرب المتظاهرين أيضاً في الإنتفاضات الوطنية في ثلاثينيات وأربعينيات وخمسينيات القرن الماضي . أو من خلال شن الحرب الشعواء على القوى العراقية غير العربية التي طالبت بأبسط حقوقها القومية ، كما جرى للكورد مثلاً .أو من خلال الدعم اللامشروع للإقطاعيين الكبار باستعبادهم الفلاحين وذلك من خلال قوانين سنَّها النظام خصيصاً لفرض السيطرة الإقطاعية في الريف العراقي لكي يضمن بذلك ولاء الإقطاع له وفي مقدمتها قانون دعاوى العشائر . أو من خلال التضييق الذي قد يصل إلى القمع بكل وسائل العنف او بالسجن او بالفصل ضد منتسبي النقابات العمالية التي بدأت بالمطالبة بحقوقها النقابية ، كما جرى في مجزرة كاورباغي مثلاً . " وفخر " هذا النظام أنه جعل من مخازن أسلحة الجيش البريطاني في صحراء نكرة السلمان سجناً رهيباً لمعارضيه من منتسبي الأحزاب الوطنية . أو من خلال سياسة التعريب التي أستخدمها النظام الملكي تجاه المناطق الكوردية وفي مقدمتها مدينة كركوك . أو من خلال الثقافة الإستعمارية الطائفية العنصرية التي أشاعها النظام في مفاصل الدولة العراقية كتبني الجنسية العثمانية مثلاً . ولم يقتصر هذا القمع الذي مارسته الأجهزة القمعية الملكية المدنية منها والعسكرية على منطقة واحدة من العراق ، بل شملت الجبال والوديان في كوردستان العراق كما شملت البطاح والصحاري في وسطه وجنوبه . إذ لا يهم مَن يكون على قمة السلطة سواءً نوري السعيد الذي كان أكثرهم نصيباً في الحصول على منصب رئيس الوزراء أو صالح جبر أو توفيق السويدي أو آخرون فإن أجهزة أمن بهجت العطية وسعيد قزاز وخليل كنة وغيرهم من قادة الجهاز القمعي آنذاك ، وما تمخض عن هذه المؤسسات القمعية من جهاز سموه الشعبة الخاصة، التي تخصصت بالشيوعيين ، كانت السباقة دوماً إلى تنفيذ عمليات الملاحقة والسجن والتعذيب حتى الموت أحياناً دون ان يشعر أي من سياسيي العهد الملكي هؤلاء بأي رادع وطني أو أخلاقي من تلك التي يتحدث عنها البعض اليوم باعتبارها من الظواهر التي كانت ترافق رجالات العهد الملكي المقبور . وربما نستطيع القول حتى أولئك الذين قرأوا عن مظالم ذلك العهد لم يستطيعوا تكوين فكرة مباشرة واضحة عنه وذلك لسببين :

أولهما : أن القراءة وحدها لا يمكنها أن تصنع نفس الصورة وتخلق نفس المشاعر التي تبلورت لدى أولئك الذين عاشوا الحدث مباشرة واكتووا بناره أيضاً ، إذ ان المعايشة وحدها من بعيد ودون ألإحتكاك المباشر بالحدث لا تكفي .

وثانيهما : إن هؤلاء قد عاشوا بعدئذ وربما بوعي أساليب البعثفاشية التي بدت في أعينهم ، وهم على حق في ذلك ، غير قابلة للمقارنة مع أي تسلط قمعي ، لذلك فإن القمع الذي مارسه العهد الملكي كان " زلاطة " بالنسبة لهم ، كما يقول المثل العراقي . قد يكون هذا التحليل صحيحاً . إلا ان لكل حقبة زمنية خصوصيتها وآلياتها . وإن آلية القمع التي وظفها العهد الملكي ضد معارضيه كانت قد بلغت قمة التطور في الأساليب القمعية آنذاك، وعلى هذا الأساس فقط يمكن أن تجري المقارنة لنخرج بنتيجة نسبية معقولة حول هذا الامر.

إن كل ما نستخلصه من الطرح أعلاه هو أن العهد الملكي كان يشكل وحدة كاملة من البلاط وحاشيته على مختلف مناصب أفرادها سعت لتمثيل مصالح السياسة البريطانية ليس في العراق فقط ، بل وفي المنطقة برمتها . لذلك فإنه ليس من الغرابة بمكان أن يكون العراق هو العضو الفعال ، من بين كل دول المنطقة العربية ، في حلف عسكري إستراتيجي حمل إسم العاصمة العراقية كمؤشر على إضطلاع بلد هذه العاصمة في إشرافه ليس على تمثيل السياسة الإستعمارية في المنطقة وحسب ، بل والدفاع عنها عسكرياً أيضاً مع حلفائه الآخرين في هذا الحلف  الذي لا مصلحة وطنية فيه للشعب العراقي .

من الطبيعي أن يضطلع هذا العهد ببعض الإنجازات التي يمكن إعتبارها ضمن ما كان ينتظره الشعب العراقي من حكومة كانت تتغنى بالوطنية . إلا ان عمق هذه الوطنية العراقية سيبدو لنا واضحاً إذا ما نظرنا إلى ما حققته السياسة الإستعمارية البريطانية بالدرجة الأولى وكل المرتبطين بهذه السياسة تجاه بعض ما تحقق للشعب العراقي اصلاً . أما إذا أخذنا الأمر من واجهة أخرى فإن الصورة ستبدو واضحة اكثر إذا ما أجرينا المقارنة بين المواقف التي وقفتها سياسة العهد الملكي إلى جانب الشعب العراقي وتلك التي إتخذتها ضده إبتداءً بقمع الإنتفاضات والحركات والأحزاب الوطنية وما تمخض عنها من معارك طاحنة بين الشعب والحكومة وانتهاءً بالنفوذ الأجنبي على العراق وكافة مرافقه السياسية والإقتصادية. وما السياسة النفطية التي سلكها العهد الملكي والإمتيازات التي حققتها شركات النفط الأجنبية فيه إلا مثلاً واحداً على ذلك . لقد ظل الفقر سائداً في العراق طيلة العهد الملكي بالرغم من قلة نفوس العراق آنذاك وتزايد امكانياته المالية التي كان من الممكن تسخيرها ، في ظل حكومة وطنية ، لتحسين حياة المواطنين بدلاً من ضخها في خزائن الشركات الأجنبية والحكومة البريطانية .

لذلك فإنه ليس من المستغرب أن تكون أولى الخطوات الجريئة التي إتخذتها ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958 هي التخلص من كبرى سيئات العهد الملكي هذا والتي شملت الحد من التسلط الإقطاعي والقضاء على إمتيازات الشركات النفطية وتحرير الإقتصاد العراقي من الهيمنة ألأجنبية . وكذلك ليس من المستغرب ان نرى ردة الفعل من ألإقطاع والرجعية وأيتام العهد الملكي وبعض من تبوأوا مركز القيادة الدينية الذين رفضوا هذا التوجه الوطني الحق لثورة تموز وسعوا إلى مقاومته بكل ما تسنى لهم من الدعم الداخلي والخارجي ، حتى تحقق لهم ذلك في ألإنقلاب الدموي الأمريكي البعثفاشي الإقطاعي الإسلاموي الإجرامي في الثامن من شباط من عام 1963 .

كلمة اخيرة ننصح بها المطبلين " لإنسانية " العهد الملكي هي ان لا يتجنوا على التاريخ وبالتالي على الأجيال التي قد تنخدع ، لبعض الوقت ، في مزاعمهم هذه .

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل