/
/
/

كم كتبنا وتصدينا وحللنا وتفكّرنا بغموض ما يحدث وساهمنا بكتابة مقالات ومقالات لا تعد ولا تحصى، تتناول ما يدور في العراق من طلاسم سياسية، بعضها لا يمكن تفكيكها الا بشق الأنفس، والبعض الآخر تصفعك حالاتها وتعجز عن فهم مآربها وأهدافها ومراميها، ويستعصي عليك فهمها، الأمر الذي يجعلنا في دهشة من امرنا، قد يشاطرنا القارئ وقد يخالفنا هذا الرأي، اما السياسي فهو العارف بدهاليز الأهداف الغامضة في مجمل أوضاعها، وببواطن غموض الملفات، ولكنه لا يصرح ولا يفصح عما يخطط له ويدور في خلده، ولعله غير قادر على وضع اصبعه على الخلل لقصور وعيه، وهذا ما يميز غالبية سياسيي العراق، وهنا يكمن الإلتباس الذي بات أمرا لصيقا بما يدور وراء الكواليس، ليبقى المواطن المغلوب على أمره ونحن منهم، ممن ابتلانا الله بهموم الكتابة ورفض الرضوخ للأمر الواقع وشق حالة  الصمت الغالبة والسعي لندلو بدلونا حتى وان كان من باب التنفيس عما يدور بدواخلنا من غضب وضيم وأسى يكون دائما حاضر امامنا العراق الذبيح الذي بات مضغة سائغة لكل من هب ودب من جُهال السياسة وافواج المنتفعين من أنصاف المتعلمين الغارقين بالمنافع والامتيازات دون أن تكون لهم القدرة بتمييز كنه ذواتهم المريضة، بعد أن اعمتهم المصالح الشخصية ونسوا انهم ينتمون لوطن جريح وشعب مظلوم يتضور جوعا وفقرا واهمالا متعمدا، فيا لها من مصيبة... ويا للهول يا عراق وانت تتلقى الطعنات من لدن من يدّعون رياء أنهم ابناؤك. لتتواصل الخيبات والمحن وانت تتلقفها بصبر وضيم وما لك من خروج من فواجعك غير الانتظار لما تؤول اليه الأحداث، وصانعو القرار السياسي يحيكون الدسائس لتبقى انت مكبلا بإراداتهم وافعالهم المريبة، وهم لا يفقهون من السياسة غير النهب والحصول على الامتيازات الأكثر وتوزيع الكعكة لمن يطبل لهم من المنتفعين وانصاف البشر، وإشاعة الفساد لمديات فاقت التصور، وترك الحبل على الغارب.

لم يترك سياسيو الصدفة شاردة وواردة الا ودسّوا انوفهم فيها وتحركوا كما الخفافيش في كل مفاصل ما يدور، وكأن العراق بات ارثا لهم وحدهم يمارسون شتى أنواع الشطط والتعسف والتلاعب بمقدرات البلد دون أن يرف لهم جفن ولا من ضمير يحتكم على ذرة من الإحساس بالانتماء لهذا التراب الذي هم يدعون بالانتماء اليه نفاقا.

مرت على عراق ما بعد التغيير اكثر من خمسة عشر عاما، وبقيت  الأحوال الكارثية التي ورثناها خلال عقود المحن والظلم والطغيان البعثي، على ما هي عليه، بل وتزداد الكوارث وتعقيدات الحياة واكراهاتها ومراراتها، دون أن يلمس العراقي المغلوب على أمره، أن ثمة أمل يقترب قليلا من حالات العوز والفاقة وما يعانيه من فقدان لأبسط الخدمات وشروط الحياة الكريمة، وها هي محنة أهالي البصرة التي اخذت تكتسي انهيارات غير محسوبة لامست حياة المواطنين وصحتهم لتنذر بكوارث عظيمة خير دليل على خراب البصرة الحقيقي.

 إن الخطأ القاتل الذي يدفع ضريبته العراقيون منذ عقد ونصف، تورط غالبية المسحوقين بمؤازرة التغيير ودعمه ليقفوا الى جانب الوافدين الجدد ومنحهم أصواتهم ليمكنوهم من تسيد سلطة القرار، مراهنين على أن القادم من الأيام يحمل بشارات الخير والتحول للخلاص من كوابيس الشطط البعثي المميت، وبالتالي تلمس التغييرات التي ينشدها كافة العراقيين، ولكن البوصلة تحركت باتجاه مغاير تماما ولم ينل المراهنون على التغيير غير الوعود والزيف، باستثناء الفاسدين وعديمي الضمائر والذمم، فكانت الكارثة، وتفاجأ الجميع وفي مقدمتهم أولئك المراهنون على التغيير، ان كل آمالهم ذهبت ادراج الرياح، بعد أن اكتشفوا أن الجميع ممن منحوهم ثقتهم، كانوا مجرد نصّابين ومحتالين ومنافقين، بدلوا جلابيبهم التي كانت تدّعي الطهر والنزاهة والوطنية، بشعارات وطقوس وشعائر مذهبية زائفة، ليكتشف المخدوعون انها كانت مجرد خدعة خبيثة للضحك على ذقونهم وحقنهم بأمصال تخدير، وكانوا من الشيطنة أنهم يعرفون بقوة فاعليتها وصولا لما كانوا يخططون له، فنالوا ما كانوا يرمون اليه، وما زالوا على ذات المنوال، بعد أن ضمنوا وبرياء ووقاحة شديدتين، ضم أفواج لا حصر لها من الطبّالين والمصفقين والمرائين، بعد أن منحوهم كل الامتيازات ومكنوهم من أموال العراق المنكوب، فكانوا خير مدافعين عن اللصوص والفاسدين اسيادهم، واعتبروا أن ما يدور في العراق من فواجع بسببهم باتت أمرا واقعا، دون أن يعتبروا لمتغيرات الزمن والتاريخ وما يخبئ لهم الطوفان القادم، وما هو ببعيد، وهذا ما يدلل وبشكل قاطع، انهم مجرد مخلوقات بهيمية لا تفكر ابعد من انوفها، والأيام القادمة حبلى بالتغييرات التي ستعصف بهم واذنابهم، حين لن ينفعهم لا مال ولا سلطة ولا جاه ولا كراسي مهترئة، والعبرة لمن يعتبر.

لم يعد من سبيل للتغيير ووضع العجلة في اتجاهها الصحيح، غير الاستمرار بهذا الحراك الجماهيري السلمي المبارك، ومواصلة كافة أنواع احتجاجات الرفض والادانة لما يجري من مواصلة التعنت السياسي من لدن أحزاب السلطة ومن يدور في فلكها، حتى وان اضطر المناهضون لهكذا سياسات خرقاء وخبيثة، أن يلجئوا للعصيان المدني على امتداد التراب العراقي، بعد أن تيقن الجميع، أن ساسة العراق لا يقيمون اعتبارا لما يجري من خراب وكوارث وصلت حد انعدام تام لشروط الحياة الأساسية لمواصلة العيش الآدمي من ماء وكهرباء وبنى تحتية متهرئة وبطالة ضربت بأطنابها مفاصل المجتمع العراقي برمته، فماذا يخسر المواطن المحروم من كل شيء حتى من الوطن الذي هو الملاذ الأخير، سوى الاستعداد بكل ما يملك حتى آخر رمق له، ليسترجع كرامته المهدورة والا فدونه والفناء.

لتفهم أحزاب السلطة وابواقها واصواتها النشاز، إعلامية كانت ام أقلاما مأجورة، ان كل ما غنموه فسادا ونهبا ورياء، مجرد امتيازات زائلة، إن ما زال بعظهم يحتكمون على عقول فيها القليل من النباهة، لان الهبّة الجماهيرية الغاضبة آتية لا محالة، وسوف لن يرد عزمها على كنس رثاثاتهم كل ما يجاهدون من وضع موانع لإيقاف المد الجارف لكل شيء. فكم من دروس وعبر وحالات مرت وقد عايشوها او سمعوا بها، تشي بأن الطوفان الجماهيري الغاضب لا يوقفه أي ساتر أو صد، حتى وان جندوا افواجا من فلول مرتزقتهم واتباعهم المأجورين، وهل نسوا ما حدث من هبة جماهيرية غاضبة  وعظيمة كادت ان تقض مضاجعهم في الخضراء لولا تدارك اخطارها ونتائجها المدمرة في اللحظات الأخيرة؟

لا تعطّلوا مجساتكم واحاسيسكم الآدمية، إن كنتم لا زلتم تحتكمون عليها، وتديروا ظهوركم للمخاطر المحدقة بكم، وأنتم تتكالبون على نيل المكاسب والغنائم السياسية من خلال مراهنات بتقاربات ستكون امتدادا لذات الأوضاع الكارثية من محاصصة وتوزيع المنافع والغنائم على حساب ترك البلاد في مستنقع الإهمال والخراب كنتم أنتم سببا مفصليا فيه من خلال ممارساتكم الدنيئة في تكريس افسد واوسخ نظام سياسي كوني وضعتموه، نظام محاصصة، قسّمتم فيه على اتباعكم والمقربين لكم خيرات العراق بكاملها، ورهنتم مستقبل العراق لعقود قادمة للبنوك الدولية والقروض الهائلة التي كبّلتم فيها الأجيال القادمة، بحيث بات كل طفل عراقي، يولد مستقبلا وفي عنقه دين لأطراف خارجية، وما نتائج المغامرات الصدامية الصبيانية ببعيدة عنكم، حيث ما زال العراق مرتهن بديون هائلة لدول عديدة وبقرارات دولية، تلك وحدها هي الخيانة العظيمة التي ستنالون بسببها العقاب القانوني، بعد أن تكونوا أو ما انتم عليه فعلا من تفسخ أخلاقي وقيمي وديني ومجتمعي، وستلاحقكم اللعنات في حياتكم وبعد مماتكم، وهذا ليس بالزمن البعيد.

لا خير في سياسي، يحتكم على قليل من الحس الوطني، أن يرهن بلاده للأجنبي وأن يغلّب مصلحة الوطن على مصالح دول خارجية لا يهمها غير افساد الوضع وخلق الفوضى والاستحواذ على مقدراته ونهب خيراته، ولا تظنوا ولو للحظة واحدة أن هذه الدول ستقف الى جانبكم أذا ما وجدتكم محاصرين وملفوظين ومنبوذين من لدن أبناء جلدتكم، وقتها ستحل عليكم لعنة التاريخ والبشر وكل مسحوقي الوطن المنكوب.

 لا نريد ان نذهب ابعد من ذلك ونحن نتحرق شوقا لنقف على يوم عقابكم ومحاسبتكم كما سبقكم كطاغية العراق وازلامه، لتنالوا جزاءكم المحتوم، وليس ذلك ببعيد، بعد أن تكاثرت مثالبكم ومساوئكم واخطاؤكم، وأنتم غير مبالين بالمرة لما يجري من غليان آخذ بالتصاعد، لتكونوا أول المحظوظين بتحسس هسيسه الحارق.

واللعنة على من لا يتعظ

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل