/
/

أين هي جذور مشاكل الاقتصاد الإيراني؟

لماذا لم تتمكن إيران، رغم مصادرها وقدراتها المتنوعة ، بما في ذلك النفط وإمكانية جذب السياح ، من تحقيق المزيد من النمو الاقتصادي، على غرار ما جرى في بعض البلدان المجاورة الأخرى؟ لماذا لم تكن الحكومات المتناوبة على سدة الحكم، رغم تفاوت برامجها وستراتيحيتها، قادرة على القضاء أو على الأقل الحد من هذه المشاكل؟

 مما لا شك فيه أن السؤال الكبير المطروح حول الاقتصاد الإيراني هو أين تكمن مشكلة البلاد التي مضى عليها 40 عامًا، فقد تولت العديد من الحكومات المسؤولية مع العديد من الخبراء ولكنها فشلت في حلها؟

وحسب وكالة فيرارو، ففي خلال أربعين  عاماً كانت المسألة الأولى المطروحة على الشارع الايراني تتعلق بالاقتصاد ومعيشة الشعب. ولكن حتى الآن لم يجر فقط ايجاد الحلول لهذه المشاكل فحسب، بل تفاقمت المشاكل وعلى نحو غريب وخاصة في الآونة الأخيرة بحيث جرى تجاهل مصالح كل فرد في المجتمع.. ويعلن المسؤولون في كل مرة أنهم على علم بجذور المشاكل، ولكن بقيت هذه المشاكل وازدادت حدة.

لعنة على الاقتصاد الإيراني

في هذا الصدد يشير الاقتصادي جعفر خيرخواهان لوكالة فرارو:" إننا بلد يملك الكثير من الموارد النفطية، وكان من المقرر أن يؤدي ذلك إلى جلب المنفعة للشعب، ولكننا عملنا بشكل لا يؤدي إلا ّإلى أن تعود علينا هذه الثروة بالضرر والخسارة. لأن هذا الريع النفطي بلغ حداً بحيث خيّم على جميع القضايا وألحق أضراراً باقتصاد البلاد؛ أي أن النفط أصبح لعنة تضيق بخناقها علينا حتى الآن. والسبب يعود إلى أن البلد وعلى حين غرة قد حصل على حجم كبير من الواردات التي لم يتم بذل جهد خاص بالحصول عليها، وهذا ما أدى إلى أن تصاب الحكومات الايرانية بالوهم كونها تستطيع أن أن تحقق كل شيء  بهذه الأموال".

ويستطرد الاقتصادي الايراني القول:" ولذا فعندما نتخذ القرارات نصبح سذجاً ونعتبر أن كل شيء في البلاد قابلاً للحل في ظل توفر هذا المبالغ النقدية. ومن ناحية أخرى، وضعت هذه الأموال على مستوى المجتمع بأيدي بعض الأفراد الذي ينتابهم الوهم والكسل. فهم عندما يرون أنه من الممكن الحصول على المبالغ الكبيرة بدون أية مشاكل ولا أبداع ولا انتاج وجهد يذكر، فهم يصابون بالاعتياد على هذا السلوك والكسل وينشرون ذلك على كل مستويات المجتمع. وعلاوة على ذلك، وكون هذه المبالغ لا تحصل عليها إلاّ فئة من المجتمع، فهو يؤدي إلى إثارة الغضب والاستياء  بين فئات اجتماعية أخرى لا تستفيد من هذه المبالغ، وتعتبر أن جميع الحكومات وكل النظام  مسؤولاً عن هذه الحالة وتتهمهم بالسرقة".

ويضيف :"ومن ناحية أخرى تسبب النفط في تجاهل البلاد والحكومات جباية الضرائب التي يمكن أن تقدم المساعدة في إزدياد مداخيل الدولة. ولهذا السبب نرى الآن أنه على الرغم من مرور أربعين عاما على الثورة الإسلامية، ما زال لدينا مواطن ضعف خطيرة في نظامنا الضريبي وهروب العديد من تسديد الضرائب. لقد شهدنا نموذجًا جديدًا في قضية الأطباء، الذين يحاول بعضهم ، على الرغم من مداخيلهم العالية للغاية ، تجنب دفع ضرائبهم وبطرق وبوسائل مختلفة. إن الأطباء هم مجرد مثال، ولدينا العديد من أمثالهم ممن يسلكون طريق الهروب الضريبي في البلاد ، وهذا هو بسبب التركيز المفرط على الثرة النفطية".

ويستطرد الخبير الاقتصادي المذكور:"هذه الأمثلة هي ليست سوى جزء من آثار التركيز المفرط وغير المنطقي على النفط. لهذا السبب نقول إن النفط بالنسبة لإيران أصبح كوحش عملاق يلتهم إيران الآن وعلينا أن ننقذها. ربما تكون النرويج إحدى الدول التي يمكن اعتبارها نموذجًا جيدًا بالنسبة لإيران. فعندما اكتشف النرويجيون أن لديهم آبارا نفطية ، لم يذهبوا إليها بسرعة ولم يفتحوها. وسعى النرويجيون خلال فترة طويلة إلى أجراء البحوث وإيجاد طرق حول استخدام النفط كعامل مساعد فقط. كانت أول خطوة لهم هو عدم ادخال الوارد المالي للنفط في الميزانية على الإطلاق، وتم إنشاء صندوق يُجمع  فيه المال ليخزن للأجيال قادمة. لأنهم كانوا على علم بأن هذا النفط هو ليس ثروة دائمة، والآن تجاوزت الأصول المالية للصندوق النرويجي مبلغ تريليون دولار ".

وقال الكاتب: "لكن إيران لم تفعل ذلك ، وكان كل تركيز الحكومات على عائدات النفط ، ولم نحاول أبداً الحد من هذا الاعتماد على الريع النفطي أو القضاء عليه". وبطبيعة الحال، وقد قيل الكثير عن ذلك مرارا وتكرارا أنه ينبغي تخفيف هذا الاعتماد ، ولكن الواقع يشير إلى عدم بذل أي جهد في هذا الإطار؛ ولذلك أعتقد إنه كلما كان الاعتماد على النفط قائماً فإن جميع قطاعات الاقتصاد ستتأثر ، وسنواجه على الدوام مشاكل اقتصادية".

وفي الختام، يؤكد خيرخواهان على :"إن النفط هو مصدر المشاكل الأساسية في البلاد، وإذا ما أرادت الحكومة حل مشاكل البلاد، فما عليها إلاّ أن تعمل على تقليص كبير في تبعية الاقتصاد الايراني للنفط من ناحية، ومن ناحية أخرى تحسين نظام جباية الضرائب وتقويته. وبهذه الطريقة ستزاداد وارادات خزينة الدولة وحل المشاكل الأساسية التي تواجه البلاد، لأننا سنختزن الوارادات الأساسية ونتجه صوب الانتاج والصادرات وغيره، وستتحسن ظروف التشغيل. وإذا ما اعترفنا بأن أحد المشاكل الاساسية التي تواجه البلاد هي مشكلة البطالة وتراجع الانتاج، وهما الذين يؤديان إلى سلسلة من المشاكل الأخرى، ولذا ينبغي التوجه صوب حل المشاكل الآنفة الذكر مما سيؤدي إلى تقليص المشاكل التي تواجهنا".

الإدارة التقليدية لا تستطيع حل المشاكل، وإننا لم نلجأ على الاطلاق إلى حل مشاكلنا بالاستناد إلى الطرق العلمية والمهنية

في حديث لوكالة فرارو مع المحلل الاقتصادي مهدي بازوكي أشار إلى:"أنني على اعتقاد راسخ بإننا إذا ما تناولنا المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية بأسلوب علمي ومهني، فمن المحتم سيحالفنا النجاح والتغلب على المشاكل. وهناك تجربة عالمية في هذا الصدد، أي تلك الدول التي عانت من المشاكل الاقتصادية واستطاعت الغلبة عليها عن طريق اجراء البحوث العلمية والتنفيذ العلمي، وحالفها التوفيق لحد الآن مما يستدعي أن نعتمد عليها كتجربة بالنسبة لنا. ففي البداية يحب الاعتراف بوجود هذه المشاكل، ونبصر الشعب بأن المسؤولين على دراية بها وينظرون بمنظار واقعي تحاهها".

ويتابع هذا المحلل الاقتصادي حديثه قائلاً:"لدينا نظام مهني وظيفته التعرف على المشاكل وتقديم الحلول للتغلب عليها بالاعتماد على الوقائع والتجربة العالمية. وعلاوة على ذلك، لدينا نظام لاتخاذ القرارات يكتب له النجاح في حالة الاستناد إلى علم اتخاذ القرارات. إن المشكلة التي نعاني منها في ايران هي أن المسؤولين في كلا النظامين يسعون إلى حل هذه المشاكل واتخاذ القرارات بشأنها، ولكنهم لا يريدون أن يتحملوا كلفة هذه القرارات ونتائجها. في الوقت الذي يشير المثل الغربي أنك أذا ما أردت الحصول على طبق "الأوملت"، فما عليك إلا أن تكسر عدة بيضات؛ أي أن تتحمل مسؤولية اتخاذ القرارات وأن تدفع تكاليف ذلك".

ويشير هذا المحلل إلى :" أن أمراً عجيباً يحدث في بلادنا وهو أن سياستنا الخارجية لا تصب في خدمة التنمية الاقتصادية والمصالح الاقتصادية للبلاد، والدليل على ذلك أن بعض دول المنطقة تتلاعب هذه الأيام بالورقة الايرانية. إني لا أعني هنا بأننا لا نعاني من مشاكل في الإدارة الداخلية. بالمناسبة إنني على اعتقاد راسخ بأن 80% من مشاكل ايران تتعلق بمشاكل داخلية، و 20% تتعلق بتأثير العامل الخارجي، ولكن هذه 20% لها تأثير كبير على استفحال مشاكلنا. فسواء اعجبنا أم لا، فإن 62% من التبادل التجاري العالمي يتم بدولار الولايات المتحدة. وعلاوة على ذلك يجب علينا أن نعترق بأن أمريكا تستحوذ على 25% من الناتج الأجمالي العالمي، وتحتل المركز الاقتصادي الأول في العالم".

ويعبر المحلل الاقتصادي عن وجهة نظره التالية:" يطرح السؤال التالي، لماذا شركاؤنا التجاريون كالصين وروسية وتركية يحتفظون بعلاقاتهم مع أمريكا رغم الاختلافات الكبيرة والصغيرة معها؟ الجواب واضح وهو أن مصالحهم تقتضي الحفاظ على هذه العلاقة. وهذه القضية هي التي نتجاهلها. الحديث لا يدور حول أن نصبح خدماً لأمريكا، إنني أعني بأننا يجب أن نحتفظ بعلاقات مع الدول الأخرى مادامت مصالحنا تقتضي ذلك. فالعالم أخذ وعطاء كما يقول المثل. فعلى سبيل المثال جارنا العراق وصديقنا الذي أعلن بأنه لا يتعامل مع إيران بالدولار الأمريكي، لأن مصالحهم تقتضي الأخذ بنظر الاعتبار مصالح أمريكا. وهذا ما حصل أيضاً بالنسبة إلى الصين. فقد أعلن رئيس الغرفة التجارية الايرانية – الصينية:"في ظل العقوبات الاقتصادية، فالصينيون غير مستعدين لتصدير بضائعها إلى إيران مقايضة بالنفط".

ويختتم بازوكي حديثه:" لذا علينا أن نتعلم بأن السياسة الخارجية يجب أن تصب في صالح التنمية الاقتصادية، وأننا نتعامل مع المشاكل بأسلوب علمي ومهني. لماذا نحن متخلفون عن سنغابور وآذربايجان والأمارات وغيرها من الدول ونعاني من مشاكل اقتصادية أكثر؟ ماذا حصل؟ لماذا نعاني على الدوام من المشاكل الجديدة والجديدة؟ الجواب هو أننا لم نتعامل مع هذه المشاكل بأسلوب علمي ومهني، وغلبت العواطف على قراراتنا. يجب علينا أن نتوصل إلى الاستنتاج التالي وهو إننا لا نستطيع العيش في عالم اليوم بإدارة تقليدية من أجل تنمية البلاد.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل