/
/

تتصاعد الأحداث بشكل فجائعي في العراق، وتختلط الأوراق، ويظل المراقب للأحداث يضرب أخماسا بأسداس لمسك رأس الخيط دون أن يفلح، ويوما إثر آخر تتعاظم الأزمات وتزداد الاختناقات التي باتت قدرا لعينا على المواطن المبتلي بحفنة من السياسيين الطارئين ومجموعة من المنتفعين واللصوص الذين ما تركوا مترا واحدا في العراق إلا واشاعوا فيه الفساد والنهب والاستحواذ على خيرات البلاد، وتفقير العباد، ليخلقوا جيوشا من الوصوليين الذين عادوا هم الحكام الفعليين في بلدنا الذبيح، بتشكيل مليشيات واتباع وابواق وحرامية لا نعرف من أي جحور خرجوا؟ وكيف انتزعوا من دواخلهم وشيجة الانتماء للعراق وترابه المقدس الذي دنسوه بشتى صيغ الخراب؟ ولعل ما ذهبت اليه من توصيف لا يعتبر ذا أهمية بما فعلوه في شعب مظلوم بالسطو على كل شيء، محتمين بفلول من المسلحين والقتلة الذين باتوا امتدادا للقمع البعثين بل وتفوقوا في احايين كثيرة على جرائم البعث، لسبب بسيط هو أن حكم الطاغية كان محددا بشخص الطاغية واتباعه، أما في راهن ما يحدث، فتناسل الطغاة وتكاثرت اعداد الانتهازيين والتابعين لكل فرد من هؤلاء السياسيين عديمي الذمم والضمائر، اليس هذا ما يحدث في العراق؟ وهل هذا كلام مبالغ فيه؟ وهل ما يجري في العراق أمرا طبيعيا، أم حالة طلاسمية يصعب فك اشتباكها؟

هنا تكمن المعضلة الحقيقية والبلاء الذي يخيّم على العراق ويقضّ مضاجع المسحوقين الذين لم تعد لديهم من أسلحة الرفض غير الاحتجاجات السلمية، وارتفاع أصوات اللاعنين لما يحدث، وحتى هذا الأسلوب السلمي باتوا ملاحقين بسببه ومقدمين قرابين من الدماء الزكية لشباب في ريعان العمر، ذنبهم الوحيد هو مطالبتهم بأبسط الحقوق المعروفة للقاصي والداني، ولكن خوف الفاسدين من المد الجماهيري المتعاظم دفعهم لتوظيف كل أساليب البطش والقمع استحضارا لما كان يحدث أيام حكم البعث الفاشي.

ان الامتيازات والسلطة والمنافع الهائلة وغير المشروعة التي تنعّم بها الفاسدون من سياسيين لا نعرف لهم لا فصل ولا أصل، ولهم سلطة القرار وكل من يدور في فلكهم من عناصر رثة وقميئة، على حساب افقار الناس وتوقيف عجلة التنمية لبلد خارج من محارق هائلة بسبب طيش حاكم العراق المقبور وزبانيته من المأجورين، كانت دافعا قويا اعمى بصائرهم وغيّب ضمائرهم ليتحولوا الى أدوات هدم حقيقي، بعد أن كان يعول عليهم في إعادة بناء الانسان المحطم والبلد المصخم، ليكملوا مسلسل الخراب والدمار والافقار وافلاس الخزينة، بسبب نظام محاصصة مخيف، وزعوا من خلاله كل اتباعهم وبأعدادهم الهائلة على كافة مفاصل الدولة، ليعيثوا فسادا وخرابا وتدميرا وسرقات وتبييض أموال، حتى أننا نفاجأ بين الحين والآخر بلقاء بعض الفقراء والملاحقين سابقا من قبل النظام الساقط، وهم يتحدثون بنيتهم في الاستثمارات وتوظيف ملايين الدولارات في بلد اقامتنا، وحين نستفسر عن ماضيهم وانتماءاتهم نجدهم من مستجدي الصدقات من دول الجوار، والان هم ينتمون لأحزاب السلطة الفاسدة، فمن اين اتاهم كل هذا الثراء المفاجئ؟

أن ما يحدث في عراق اليوم مدعاة للحيرة والالتباس والدهشة، وها هي الكتل والأحزاب وذوي الامتيازات والحظوة يتكالبون على توزيع المناصب والحصول على المنافع السياسية وبالتالي المادية من خلال السعي لتكريس نظام المحاصصة الذي دمر كل شيء طيلة السنوات الخمسة عشر من تسلطهم وعبثهم بكل مفاصل البلد، حتى القيم العراقية الأصيلة التي تربينا وترعرعنا في كنفها غابت تماما عن المشهد العراقي الراهن، هذا من جهة ومن جهة أخرى فها هم الفقراء والمسحوقين يفترشون الأرصفة والطرقات معبرين عن احتجاجهم ورفضهم وصب لعناتهم على كل اطراف العملية السياسية وبطرق سلمية، ليسلبهم الفاسدون من خلال ميلشياتهم وابواقهم المنتفعة والرثة، حقهم في التعبير المشروع والمطالبة الإنسانية للتمتع بخيرات بلدهم التي حرمهم منها المخربون ومافيات الفساد، وهنا بات من العسير فك الاشتباك بين المطالب الجماهيرية المشروعة وبين نوازع الفاسدين العدوانية للحفاظ على ما ينالونه من متع واموال واستحواذ على خيرات البلد. لهذا نخاطب من غابت عنه الحكمة واعمته الامتيازات، ان الطوفان قادم، وغضب الفقراء لا حدود فليتعظوا ويعودوا لرشدهم قبل فوات الوقت.

شتان بين الحالتين:

ومن باب الاعتراف بالضمائر الوطنية الحية والنزيهة نستحضر وبكل اعتزاز ما قام ويقوم به مجموعة من العراقيين الأحرار من خدمات لبغداد الحبيبة ووضع لمسات وفاء ومحبة لمدينتهم التي جنى عليها كثيرا طارئو السياسة الجدد، إنها بغداد، حاضرة الدنيا، بعد أن حولها الفاسدون الى مكب نفايات، ليمنح الطيبون في نفوس العراقيين الفرحة وبأن هناك ثمة أمل في إزاحة الغمة وكنس المخربين ليستشرف العراق على المستقبل من جديد، بعد زوال الوجوه الكالحة، لإحلال الأمل الحقيقي أو المنابت الأولى للخير الجديد، ذلك ما يقوم به الفنان نصير شمة ومجموعة من المثقفين والأدباء والفنانين الشرفاء وبدعم من مؤسسات بنكية لإضفاء رونق جديد على عاصمة العراق الغالية، حتى وإن كان غيض من فيض المشاكل التي يعانيها الوطن، لتمنحنا هكذا جهود خيرة اشراقات جديدة وسط الظلام الدامس في عراق المجد والحضارة بعد أن حوله انصاف السياسيين الى منتجع للخراب والإهمال وتردي كل شيء، متفرغين لأساليب النهب واللصوصية وتبديد أموال البلد الجريح.

شتان ما بين هذه وتلك، بين من يخرب ومن يبني، من يكرس حالات فساد ومحاصصة وطائفية، ومن يبذل بتفاني خال من أغراض دونية لنشر الفرح في نفوس عراقية مكلومة.

ان الجهد الوطني النبيل الذي قام وبقوم به فنان الشعب نصير شمة بمعية انقياء العراق من ذوي الأيادي البيضاء والنزيهة بإعادة بناء وهيكلة ساحات بغداد واضفاء حالات من الجمال والبهجة في نفوس العراقيين المعتلة، لهو أثمن وأغلى رسالة تعد صفعة على وجوه ناهبي قوت الفقراء.

فهل من ذرة حياء تشعرون بها وأنتم تقفون على جهود هذه الثلة الوطنية الشريفة لتزيح ولو قليلا بعض ما سببتموه من خراب لعراقنا الحبيب.

ولكن يبدو ان من مات ضميره وغلّب المصالح الشخصية على مصلحة البلاد واالعباد ميؤوس منه حتى ولو تحققت معجزة يحيي العظام وهي رميم.

ننحني اجلال وتكريما لجهود الفنان شمة ورفاقه الاخيار لما منحونا من لحظات فرح حقيقي ونحن نعاين بغداد الأمل تعود لبعض امجادها، متمنين أن تعم التجربة على العراق برمته،

كثّر الله من امثالكم ايها الشرفاء

وتبا للفاسدين واللصوص

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل