/
/
/

سمير أمين في الخرطوم، الخبر في حد ذاته حدث كبير، فالرجل مفكر يكاد يكون موسوعياً وليس فقط مختصاً في الاقتصاد وهو أيضاً المفكر الماركسي.وهو ماركسي على طريقته، ماركسي نقدي . "الصحافة" حالفها الحظ في أن تجري مع سمير أمين هذا الحوار:

هل مازلت ماركسياً؟

قطعاً، قطعاً، أنا ماركسي وبالتالي اشتراكي يعني شيوعي وبالتالي أممي، وأنا كتبت مقالاً مطولاً حول هذا الموضوع سوف ابعثه إليك، ولكن ما معنى كوني ماركسيا؟ أنا انطلق من التمييز بين ماركس وبين الماركسيات التاريخية، والماركسيات التاريخية هي محاولات متتالية لفهم فكرة ماركس، هي ذات الطابع التاريخي يعني محاولات من فئات معينة من قوى سياسية معينة في ظروف موضوعية معينة، مرحلية في مرحلة معينة، وفي مناطق من المعمورة معينة أنا أرى أن كون الفرد ماركسياً معناه بالنسبة لي الانطلاق من ماركس وليس التوقف عند ماركس، يعني أنا لا اعتبر أن ماركس كتب مؤلفات تُمثل نهاية الحقيقة المطلقة أو عقيدة دينية جديدة، ماركس بدأ بالنقد، فكر ماركس هو فكر ناقد بالأساس ناقد لكل شيء، ناقد للحقيقة، للواقع الحقيقي وناقد للتصورات المختلفة عن هذا الواقع الحقيقي، يعني ماركس ناقد للماركسية لان الحقيقة الواقعية هي النظام الرأسمالي، وناقد للأيدلوجيات يعني تصورات عما هي الرأسمالية، عما هو الواقع، فكر ناقد، وهذا أساس جوهري، وربما تعريف الماركسية هو تعريفها على أنها فكر ناقد، فكر نقد، أولاً نقد الواقع، والواقع هو كون أن المجتمع قائم على أساس نمط الإنتاج الرأسمالي وأنا هنا في هذا المجال لا أميز بين ماركس عالم الاقتصاد وماركس الفيلسوف وماركس الرجل السياسي... الخ كما يفعل الكثيرون الآن للأسف.

مَن يطالبون باستعادة ماركس الفيلسوف من ماركس الأيديولوجي؟

 نعم، أنا اعتقد أن ماركس شخص واحد هو ناقد واقع النظام الرأسمالي وناقد التصورات السياسية والأيديولوجية والفلسفية لهذا الواقع، وفيما يتعلق بنقد الواقع أي نقد الرأسمالية هنالك كتاب "رأس المال" ولابد من الأخذ في الاعتبار العنوان التحتي لـ "رأس المال"» وهو «نقد الاقتصاد السياسي ما معنى ذلك؟ نجد ان الكثير من الماركسيين للأسف الشديد فهموا هذا العنوان التحتي ان ماركس وضع علم الاقتصاد الصحيح في مواجهة علم الاقتصاد السابق له والذي هو جزئياً صحيح وجزئياً خطأ وهذا لم يكن غرض كارل ماركس على الاطلاق عندما كتب "رأس المال"، هو كتب "رأس المال" من أجل كشف التصور الخاطئ عن الواقع الحقيقي وهو الرأسمالية عند الاقتصاديين معتبراً بذلك الاقتصاد السياسي هو الأيديولوجية للرأسمالية، تصور للرأسمالية عن ما هية الرأسمالية وهو تطور خاطئ، تصور غلط، تصور عن الواقع لاعطاء شرعية لهذا الواقع يعني موقف ماركس من الرأسمالية هو موقف ناقد وليس مجرد كشف، كثير من الكتيبات الماركسية خاصة السوفيتية وخاصة تلك الكتيبات لترويج الماركسية اختصرت تحليل الرأسمالية لدى ماركس الى تحليل كشف عمليات الانتاج، نمط الانتاج الرأسمالي، وكشف سر فائض القيمة، واستغلال العمل من قبل رأس المال وبيان عملية استغلال العمل وفقط!، أبداً، ان الغرض من ماركس هو اكثر من ذلك بكثير ولا يكتفي بكشف عمليات حقيقية للتراكم الرأسمالي ومنطق التراكم الرأسمالي، والعملية التي تنتج فائض القيمة والاستغلال من خلال بيع قوة العمل.. الخ وسيطرة وتحكم رأس المال على المنظومة الانتاجية، لا، ماركس لاً يختزل في ذلك بل يسعى في الوقت نفسه الى اثبات ان هذه العملية تختفي وراء خطاب أيديولوجي هدفه اضفاء الشرعية لهذا النظام، بمعنى الاستلاب.... .

لكن رغم ذلك هناك من يحكم على سمير أمين بأنه خارج الدائرة الماركسية.  ربما استناداً على ما اعلنته أنت من نهاية النمط اللينيني الذي يقوم على الثورة باسم الاشتراكية التي تحل جميع المشاكل، ودكتاتورية البروليتاريا، وسيطرة الدولة على كل وسائل الانتاج؟

شوف، لينين حصر ما وصفته في ندوة أمس "اتحاد المصارف" بالموجة الأولى، الأزمة الهيكلية الطويلة الأولى للرأسمالية الناضجة، أنا قلت ان هذه الأزمة الطويلة بدأت في عام 1873م ، يعني في أيام لينين الذي كان ما زال شاباً صغيراً في تلك الفترة ورأس المال واجه هذه الأزمة الأولى بمزيد من التركيز والموجة الأولى للاحتكارات التي وصفها هوبسن ولينين و هيلفردينغ كيف واجه رأس المال هذه الأزمة الأولى وربط هذا التحول في هيكل تنظيم الرأسمالية إلى وجود الاستعمار وهو وجود موزع على دول وعلى مراكز استعمارية ليست فقط في منافسة اقتصادية، بل ايضاً سياسية وعسكرية مما أدى إلى الحرب العالمية الأولى، اعتقد ان تقدير لينين كان صحيحاً وسليماً في كون ان هذه الازمة لابد أن تؤدي الى حروب وثورات وهي بالفعل أدت الى حروب مثل الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية وأدت بالفعل الى ثورات، الثورة الروسية، الثورة الصينية وأدت الى شبه ثورات أو نصف ثورات وهي حركات التحرر الوطني في القارة الآسيوية والافريقية فمن هذا الجانب لينين كان على صواب في رأيي لكنه كان متفائلا لانه تصور ان هذه الموجة أو هذه الأزمة الأولى ستكون نهائية أو الأزمة النهائية للرأسمالية وان الثورة التي بدأت في الحلقة الضيقة "روسيا" ستنتشر فوراً دون ان يحدد تاريخ معين ولكنها بحسب لينين ستنتشر خلال سنوات أو عقود بالكثير وتفتح المجال لمرحلة ارقى في تطور الانسانية وهي الاشتراكية.  هنا التطور اثبت ان لينين كان متفائلاً وان ما حدث هو ان الرأسمالية استطاعت ان تخرج من هذه الازمة منتصرة، ولكن هل معنى ذلك ان التصور الاشتراكي كان مجرد يوتوبيا يعني تصور خيالي مستحيل التنفيذ؟ لا أبداً، التفاؤل كان في ان هذه الموجة لم تكن إلا الموجة الأولى الآن نستطيع ان ندرك أسباب هذا الخطأ عند لينين وهي متمثلة في ان الثورة بدأت في الحلقة الضيقة وهي روسيا التي كانت نصف تخوم لم تكن تخوما بالمعنى الواضح للكلمة كانت نصف تخوم ثم انتشرت الى مناطق تخومية أخرى وأكثر تخومية مثل الصين ثم انتشرت بشكل نصف ثوري الى تخوم أخرى، آسيا وافريقيا ولم تنتشر هذه الثورات باسم الاشتراكية في المراكز نفسها وهنا يبرز سؤال ما هو السبب في ذلك؟ هو الاستقطاب المترتب على عملية التراكم الرأسمالي وحتى ماركس الى حد كبير لم يدرك هذا التتابع الاستقطابي لعملية التراكم بدليل انه اعتبر ان التراكم البدائي للمرحلة الاولى وان الرأسمالية بعد ذلك تجاوزت هذه المرحلة وبالتالي ان نمط الانتاج الرأسمالي سينتشر على صعيد عالمي . وفي كتابات ماركس عن ذلك هذه المسألة واضحة تمام الوضوح عندما يقول ماركس ان الهند بعد عقود ستكون القوة الرأسمالية الكبرى وستصبح بريطانيا العظمى صغيرة امام الهند الكبيرة الرأسمالية، يعني تصور انتشار الرأسمالية فورا بسرعة ونوع من تجنيس الظروف الموضوعية يعني ماركس هو نفسه لم يدرك تماما الطابع الاستقطابي لعملية التراكم الرأسمالي وايضا لينين الذي تصور ان الثورة يمكن ان تبدأ من الحلقة الضعيفة "روسيا" ولكن سوف تنتشر فورا وكان ينتظر ثورة في المانيا وفي المراكز الاوروبية وهذا لم يحدث ونحن الآن امام نفس التحدي يعني الموجة الثانية القادمة نحن في نفس الموقع يعني هذا النظام الرأسمالي القائم على الاستقطاب غير مقبول في الاطراف، في التخوم لانه عاجز عن ان يقدم حلولا انسانية مقبولة سواء أكانت بالنسبة للبلاد البازغة كما يقال حاليا الصين والهند والبرازيل وجنوب افريقيا او البلاد المهمشة كما يقال ايضا مثل بلداننا، الرأسمالية التي اسميها الرأسمالية القائمة بالفعل وليست الرأسمالية كنمط انتاج على اعلى مستوى من التجريد بل الرأسمالية الملموسة التي هي استقطابية بطبيعة عملية التراكم هذه لن تحل هذه المشاكل وبالتالي هنالك مجال لموجة ثانية من الثورات انطلاقا من الاطراف، من التخوم يعني انطلاقا مرة اخرى من آسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية ولكن عندما ننظر الى مجموع سكان آسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية نصل الى 80 في المائة من البشرية بالتالي نحن لسنا اقلية وهذا هو التحدي الحقيقي.

إذن لم تلقِ برايتك الماركسية في الوحل كما ذهب الى ذلك احد منتقديك ولكنك وكما اعلنت انت ماركسي مختلف لا تقف عند ماركس، بل تنطلق منه؟

نعم، فالماركسية لها تاريخ، وطالما ان الرأسمالية موجودة، اعتقد ان نقد الرأسمالية لا بد ان يكون موجودا واعتقد ان الماركسية بما انها الوسيلة الفاعلة لنقد الرأسمالية فلا بد ان تكون موجودة وهي فعلا موجودة .

في كتابك "الفيروس الليبرالي" اعتقد انك تأثرت كثيرا بالبيان الشيوعي خاصة في عباراتك "آفة ضربت العالم حوالى نهاية القرن العشرين لم تسبب موت جميع الناس لكن الكل اصيب انه الفيروس الليبرالي" قطعة ادبية بالفعل ولكن هل ما زال شبح ماركس قادرا على مواجهة هذا الفيروس ام ترى ان الفيروس طور من مناعته؟

يرد ضاحكا: شكرا، انا صحيح تأثرت بالبيان الشيوعي وانا شايف بالتأكيد ان هذا الشبح موجود طالما ان الرأسمالية موجودة، رأسمالية تنتج مثل هذه النتائج، بمعنى تدهور ظروف المعيشة للاغلبية الكبرى وهي الطبقات الشعبية اذن طالما هذه الرأسمالية موجودة فان شبح الشيوعية سيظل موجودا .

اذن كيف تنظر الى صيحة جاك دريدا المنادية باقامة اممية جديدة في وجه تحالف مقدس يهدف الى دفن ماركس وإلى الابد؟

انا بالفعل كتبت كتاب "من اجل اممية خامسة" واعتبر ان شعوب العالم في حاجة الى ذلك لان الاستعمار يستفيد من تفتت القوى الشعبية، وغياب استراتيجية مشتركة للقوى الشعبية عبر الحدود بينما يملك رأس المال استراتيجية عالمية "العولمة الرأسمالية" فلا بد للطبقات الشعبية ايضا ان يكون لها استراتيجية مشتركة وهذا هو الهدف الرئيسي لاممية خامسة .

ايضا هنالك من يرى ان ما ارتكز عليه ماركس في اعطاء الطبقة العاملة موقفا استثنائيا في الصراع ضد البرجوازية  يعد ممكنا الآن حيث يسود الواقع الحالي مجموعات اجتماعية غير عمالية وهذا يعني ان الفاعل المحدد للمواجهة لا يحدد مسبقا بل يخلق في الفعل والماركسية  طبعا هذه ليست محاكمة ولكن للافادة في مواجهة تحديات العصر الراهن؟

نعم، طبعا رأس المال يستغل العمل لكن استغلال العمل يتم باشكال مختلفة وباشكال عديدة وليس عبر نمط واحد لاستغلال العمل، طبعا استغلال العمل في الشكل المباشر الخاص بالطبقة العاملة في اماكن العمل الصناعي هو نموذج له لكنه ليس الشكل الوحيد لذلك لا بد من ان ننظر الى ما اسميها الطبقات الشعبية بالمعنى الواسع للكلمة يعني هذه الطبقات هي فئات مختلفة وجميع هذه الفئات خاضعة لاستغلال رأس المال ولكن باشكال مختلفة لذلك المشكلة هي اقامة تحالف هذا التحالف الذي اسميه الالتقاء مع الاعتراف واحترام التنوع.

تحت راية محددة؟

نعم

هنالك من يراها ازمة عادية مصاحبة للنظام الرأسمالي ومنهم من ذهب مباشرة الى ان شبح ماركس يعود من جديد.  وربما هم هنا استندوا الى التحليلات التي قدمها ماركس والتي تؤكد على ازدياد الحاجة الى عالم مختلف جديد تتبدل فيه العلاقات الاجتماعية وتتطور القوى البشرية بالتالي الحديث عن موت ماركس يصبح حديثا أيديولوجيا وسياسيا؟

ما اشرت اليه من ان الرأسمالية تصحح نفسها غير صحيحة هذه الفكرة، الرأسمالية لا تصحح اخطاءها الا اذا كانت الطبقات الشعبية تفرض ذلك عليها بالتالي نحن رأينا في اجتماع مجموعة العشرين في لندن كيف ان الاستراتيجية الوحيدة للرأسمالية كقوى قائدة هو العودة الى النظام كما كان وليس تصحيحه وبالتالي انا اقول حتى لو نجحت هذه الاستراتيجية فانها تنجح في الاجل القصير بمعنى ان تعود الى شكل النظام قبل التدهور الذي حدث في سبتمبر 2008م الا ان ذلك لن يكون حلا للازمة بل ان الازمة ستستمر تتفاقم .

نعود الى لينين استكمالا لحديثك عنه ترى الى اي مدى قطع لينين مع ماركس خاصة وان هنالك من يظن ان لينين قدم خدمة كبيرة للرأسمالية عبر افلاس الماركسية اللينينية؟

لا، لا، هذا حكم سريع جدا، لينين شخصية كبرى ولينين ادرك خلال الازمة الرأسمالية الكبرى التي تحدثت عنها كان هو الوحيد الذي ادرك ان هذا النظام لا يمكن ان يستقر وسيؤدي بالضرورة الى حرب وأدى فعلا الى الحرب العالمية الاولى ورأى فيها فرصة لانتفاضة الشعوب وتحقيق الثورات الاشتراكية، لينين ادرك ايضا ان روسيا كانت تمثل الحلقة الضعيفة في السلسلة ونجح في ذلك بمعنى انه انجز اشياء كبيرة جدا ولكن المشكلة ان لينين تصور ان الثورة تبدأ من هذه الحلقة الضعيفة "روسيا" ثم تنتشر الى المراكز المتقدمة في اوروبا على الاقل وهذا لم يحدث، ثم ان التطور اللاحق لا يرجع الى لينين فلينين توفى في عام 1924 والثورة الروسية كانت لا تزال شابة واحتمال قيام ثورات في اماكن اخرى كان لا يزال موجودا

استكمالا للحديث عن كونك ما زلت ماركسيا هل ترى امكانية لتجديد الفكر الماركسي؟

ليس هنالك فقط امكانية للتجديد بل انا ارى ان الفكر الماركسي بدأ يجدد نفسه

كيف اذن تقيم الدعوة التي تطالب بالعودة الى ماركس من اجل "ماركسية نقدية" بعد سقوط ما كان يمارس باسمه سلطويا وكآيديولوجيا؟

انا اقف في صف هذه الدعوة تماما

هنالك من يرى ان سمير امين ينزلق نحو المثالية عندما يقول بالانتقال الطويل من الرأسمالية العالمية الى الاشتراكية العالمية وغالبا ما يطرح القضايا من فوق بدءا من العلاقات السياسية التي يقررها اصحابها وليس الواقع ولهذا تراه كثيرا ليبراليا؟

انا على العكس من ذلك انا انظر الى هذا الموقف "الانتقال" كانتقال طويل من الرأسمالية العالمية الى الاشتراكية العالمية ليس على انه موقف مثالي بل على العكس من ذلك موقف واقعي تماما لانه يأخذ في الاعتبار التناقضات الحقيقية التي يتسم بها النظام الرأسمالي.

ــــــــــــــــــــــــ

* مقتطفات  من مقابلة صحفية مع المفكر الكبير سمير أمين.

أجريت بتاريخ 22 نيسان /2009

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل