/
/

 اعادت مقالة الكاتب " ستار خيلاني " التي يصف فيها حالة النصير البارز و الجرئ سركوت و الى كونه متزوجاً و لديه اطفال الآن .  . اعادت الى ذاكرتي سنوات الدم و النار في مواجهات  البيشمركة الأنصار و كل البيشمركة للنظام الدكتاتوري من اجل الديمقراطية للعراق و من اجل الحقوق العادلة و التساوي لأبناء كردستان العراق، و كان للانصار الشيوعيين وجوههم المعروفة التي نُحتتْ بشهدائهم و شجاعتهم و صبرهم و انواع تضحياتهم و ذاعت اسماؤهم خفاقة عالية في انحاء كردستان بريفها و حواضرها و مدنها، و قد بحثت ذلك و مررت على الاحداث التي عشناها في كتابي " اي ره قيب " ـ الجزء الثاني (*) .  .

          في السنوات الأخيرة من عقد الثمانينات، كنت د. صادق المسؤول الحزبي للفوج 31  الناشطة سراياه و فرقه في مناطق شقلاوة، حرير، كويسنجاق (كوي) و ريفها، شوان في كرميان، و رانية و جوارقورنة ـ بتوين، و كان مقر الفوج في دولي سماقولي في احد شعاب جبال كوي، و كان اعضاء مكتب الفوج كلّ في مهمة خارج المقر  .  .  و كنت امارس مهمتي كطبيب لكل البيشمركة اضافة لأعمالي و دعماً لطبيب الفوج د. ابو رافد القادم منذ سنتين آنذاك من الخارج.

          في صيف عام 1987 و اثناء تواجدي مع انصار سرية كوي جاءني خبر باصابة قاتلة لعضو مكتب السرية المقاتل الجرئ " سركوت ره ش" الذي كان اسماً بارزاً في تلك المنطقة مع الشهداء الخالدين محمد حلاق آمر السرية، سعيد ره ش ـ عربي من البصرة ـ و حاجي بختيار مسؤولي مجموعات قتالية حينها، الذين خاض غالبيتهم انواع النضالات السياسية و العسكرية في المنطقة في سنوات سابقة.

          و بعد ان علمت بان الاصابة في الرأس و انه فاقد الوعي جهّزت حقيبتي الطبية الظهرية و الاغراض الضرورية و توجهّت مع مفرزة صغيرة الى حيث يرقد في قرية " مرزانة " الصغيرة الواقعة في اطراف قرية داربسر في بيت المناضل " مام حميد" ـ خال الشهيد ملازم رنجبه ر و الذي اعدمه الفاشست اثر عمليات الانفال عام 1988 ـ . .

          وصلت و انا في غاية التعب بعد مسيرة نصف يوم حيث كانت تنقلات الانصار حينذاك سيراً على الاقدام  .  . كان الجريح سركوت راقداً بلا حراك في سرير، و كان يُسمع صوت تنفسه المضطرب، وبعد الفحوصات السريرية الاصولية السريعة لعموم الجسم ثم لمنطقة الاصابة، كان واضحاً ان اطلاقة قد اخترقت الجمجمة من جهة جبهة الرأس و خرجت من خلفه .  . 

كان هناك اضافة لشباب عائلة مام حميد، شاب اشقر نحيف، كان نشيطاً و لديه معرفة بالاسعافات السريعة و ادويتها، عرفت بانه زرقه عدداً من ادوية قاطع النزيف و كانت في محلها فعلاً .  كان هو الكاتب " ستار خيلاني " الذي كان من رافضي الحرب و العسكرية آنذاك و الذي كان يسكن في بيت طيني ليس بعيداً عن مكان جريحنا.   

          عملت سريعاً بعد حلاقة الشعر بالموس و التخدير الموضعي في اماكن فروة الرأس اضافة الى التعقيم الاساسي باليود، عملت على تنظيف الجروح و اخراج القطع التالفة من الانسجة و على رتق عدد من الجروح مع ابقاء الطرف راخياً لفتائل التنظيف فيها جاهزة للتبديل اليومي .  . ثم تضميد الرأس . و بعد زرقه بمضادات الحيويات المتوفرة و المهدئ المناسب و تعليق المغذي الاصولي احتجت حاجة ماسة لما يخفف ضغط الدماغ الذي كان مرتفعاً بدلالة البطء الكبير في النبض، فكان لابد من مغذي المانيتول Mannitol  الذي لم يكن متوفراً .

          في تلك الاثناء جاء آمر السرية محمد حلاق مستفهماً عن حالة سركوت و عن ماذا احتاج لعلاجه، فكتبت له قائمة باهم الادوية الضرورية و المغذيات لحالته الخطيرة مع التاكيد على السرعة الفائقة للحصول على مغذي المانيتول الذي لايتوفر الاّ في المراكز الجراحية المتقدمة التي تعالج اصابات الرأس و التي كانت آنذاك تحت رقابة مشددة من اجهزة المخابرات و البلاد في حالة حرب. و بعد برهة قصيرة من التفكير قال محمد : سنوفّره بساعات !!

          و فعلاً بعد ما لايزيد عن اربع ساعات، استلمت قنينتين مانيتول و مغذيات من منظمة اربيل للحزب الشيوعي، اوصلها سائق تاكسي، علّقتها فوراً اضافة للمغذي المعلّق .  . و تواصل وصول قناني المانيتول و المضادات الحيوية و الادوية الضرورية الاخرى اضافة الى الفيتامينات الضرورية في اليومين التاليين، علمت بانها كانت تصل من الموصل و من البصرة كما مختوم عليها رسمياً بتواريخ تلك الايام، وقد لعب الدور الكبير بذلك عوائل الانصار و عوائل الحزب و الاطباء و الممرضات من ابنائهم و بناتهم .  . و لعبت الشهيدة ام محمد حلاق " عيشه كلوكه" دوراً هاماً في ايصال رسائل قوائم الادوية بشكل عاجل حينها كما علمت من مام رسول .

          بعد سهر الليلة الاولى جنب الجريح سركوت و سهر اقارب ملازم رنجبر مع ستار عند الباب تحت الطلب، بدأ سركوت يتحسن سريعاً و صار تنفسه و نبضه في تحسّن .  . جاءت والدة سركوت في الصباح الباكر وقد شجّعتها على الحديث معه لأنه يسمع و يفهم رغم فقدانه الوعي، و تتالى وصول أمراء و مسؤولي الانصار هناك للاطمئنان عليه اضافة الى آمر السرية محمد حلاق الذي كان شبه مناوباً يومياً، عارضين استعدادهم لأية خدمة ضرورية، في مقدمتهم ابو احلام (1)، ابو احرار (2) و غيرهم كثيرين رغم واجباتهم و مسؤولياتهم في مناطقهم، مع الاعتذار ان نسيت ذكر عدد منهم. 

           من جانب آخر، بعد ان صار عدد الموجودين كافياً، استقريت على فراش جنب سركوت و قسّمت الواجبات و الخفارات عليه لتقديم الادوية و قياس الضغط و النبض و الانتباه عليه بالتواصل اضافة الى التضميد اليومي، و اهتمت : والدة سركوت، مام حميد و زوجته بتغسيله و نظافة ملابسه و فراشه.  . بعد يومين استطاع قضاء الحاجة بعد ان كان يقوم بمساعدة من بقربه للتبول قبلها.

          بعد ايام ، وصلت رسالة من آمر تيب الاتحاد الوطني الكردستاني (أوك) ـ في منطقة طق طق "فاروق علي مولود " الذي كان قد جرح جرحاً بليغاً بلغم اثر محاولة بيشمركة التيب اقتحام معسكر طق طق في وقت توالت فيه العمليات الكبيرة للبيشمركة في المنطقة من اقتحام رفاق سرية خوشناوتي بقيادة الشهيد سعدون (3) حامية شقلاوة في سرميدان و السيطرة عليها و الى اقتحام رفاق قاطع سليمانية كركوك بقيادة الشهيد جوهر (4) معسكر نوجول شمال تكريت و السيطرة عليه .  .  كان آمر التيب فاروق علي مولود راقداً في منزل العائلة في داربسر، قد ارسل تحياته و سأل ليطمئن على صحة سركوت و ليعرض خدماته لما يمكن ان يقدّمه بيشمركة التيب لعلاج جريحنا الجرئ " سركوت " و طلب ان كان بأمكاني زيارته في اي وقت.

          و بعد مناقشات عبّرنا لفاروق انا و محمد حلاق برسالة عن شكرنا لإستعداده للمساعدة و عن اني سازوره حال توفر الوقت لترك جريحنا سركوت بدوني، و فعلاً بعد ايّام ذهبنا انا و محمد حلاق و رفيقين الى منزل فاروق القريب الذي كان يقع في حفرة واسعة محاطة بتلال عالية يقوم عليها حراس،

و وصلنا بعد مسيرة في منطقة خالية كثيرة الزوايا و المزاوغ.

          كان فاروق راقداً في فراشه مصاباً اصابات متعددة شملت جانب من الوجه و اليد و الساق، تعانقنا بحرص ان لايتألم من جروح وجهه و فمه . . بعد ان كنا قد التقينا لمرات سابقة كأصدقاء، ثم بعد احتفاء العائلة بنا من امه و اخته " قسبه" وتقديم الشاي و الحلوى المنزلية، تحدث لي عن اصابته و وصفها و طلب مني برجاء كتابة تقرير عن حالته الى قيادته لثقتهم بتقاريري الطبية. بعد فحصي الدقيق له و ضرورة سرعة عودتنا الى سركوت وعدته بكتابة تقريرين احدهما بالانكليزية و الآخر بالعربية عن وضعه و حالته و ضرورة ارساله الى الخارج للعلاج بالسرعة الممكنة، وقد ارسلت التقريرين بعد يومين اليه . (يتبع)

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) يتوفر الكتاب الان في دار سردم للطباعة و النشر، سليمانية ـ بداية شارع سالم عند مدخل المدينة.

  1. هو جاسم الحلفي عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي الآن.
  2. هو محمد محمدعلي، آمر سرية الشهيد بيشرو الناشطة في سهل اربيل آنذاك.
  3. هو الشهيد وضاح حسن عبد الامير الذي صار عضواً في المكتب السياسي للحزب الشيوعي و عضوا في البرلمان لاحقاً و قد اغتيل هو و رفاق حمايته في سيطرة الغالبية قرب بعقوبة.
  4. هو الشهيد رؤوف حاجي المسؤول العسكري لقاطع سليمانية ـ كركوك، استشهد في صدام مع القوات الخاصة و الجحوش في الانفال عام 1989 .

 

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل