/
/
/

تعكف المؤسسات البحثية في العالم المتقدم وكذلك العالم النامي على الخوض في مواضيع البيئة وتداعيات النشاطات البشرية المؤثرة فيها ومنها على سبيل الخصوص البيئة المناخية، والموضوع القديم الجديد هو التلوث المناخي بفعل النشاط الصناعي، الا أننا في العراق نعاني من اثار التدهور بفعل النشاطات الصناعية التي تلحق الضرر في كل من الأرض والأنسان والمناخ والحياة بشكل عام حاضرا ومستقبلا.

فالمعروف بداهة أن المحدود من الكم إذا ما استهلك تباعا سينفد وأن الممدود من الكم لا ينفد طالما استمر الأمداد والتعويض، وغني عن التعريف ان التربة في وادي الرافدين قد تكونت طبقاتها وقشرتها بفعل العوامل الجوية الفيزيائية والكيميائية التي مرت على وادي الرافدين منذ الاف السنين، وبفعل الفيضانات المتعاقبة وحركة باطن الأرض أستقرت رواسب الأنهار المتدفقة من الشمال ومن الشرق على بعضها البعض لتصبح على ماهي عليه الان من أراضي رسوبية خصبة وغنية تصلح وسطا للزراعة والأستيطان والتطور (1). أن تلك الفيضانات المتعاقبة وتلك المياه الغنية برواسبها والتي أسهمت بشكل فاعل في تكوين تلك الأراضي أصبحت اليوم من ضروب المستحيل بحكم سيطرة الأنسان على الخزانات العليا لأعالي الأنهار في كل من تركيا وسوريا والعراق وأضحت فرص تعويض المستنفذ من ترب السهل الرسوبي معدومة تقريبا.

أن أهم ما يميز الأراضي الرسوبية في وادي الرافدين هو خصائصها الفيزيائية والكيميائية والبيولوجية الممتازة وأن مشاكل الملوحة هي صفات طارئة بفعل النشاط البشري وليس بفعل أصل المادة المكونة للتربة وهذا يعني أنها ترب واعدة أذا ما اتبعت برامج متطورة في الأستصلاح والبزل وأدارات الري , ولم يكن التدهور في الأراضي الزراعية وليد اليوم أو بفعل الممارسات الخاطئة في الري منذ وقت قريب بل أنها تعود الى عصور ما قبل الميلاد عندما كان محصول الحنطة يزرع بنجاح في مناطق  أور في الجنوب ثم تحول النشاط الزراعي نتيجة لتملح الأراضي الزراعية الى محصول آخر أقل تأثرا بالأملاح هو الشعير ومن بعد ذلك بعدة عقود هجرت تلك الأقوام أراضي أور واتجهت شمالا نحو أراضٍ بكر تقع بين ميسان وواسط يطلق عليها جزيرة  الرفاعي بعد أن أخرجت الأراضي في أور من صفاتها الزراعية بفعل التملح (2).

واليوم وفي الوقت الذي تنطلق فيه عجلة التطور والبناء بعد سنين عجاف، تتحرك النشاطات في العراق على مختلف الأصعدة وبحركة تقصر في بعض الأحيان عن وضع الأستراتيجيات الحاكمة لفك الألتباسات والتقاطعات بين النشاطات البشرية المختلفة والتي يمكن أن تصبح ذات أثر مدمر لحياة الأجيال القادمة. فعلى صعيد الأعمار والبناء تتحرك عجلة البناء بآليات قديمة وأساليب يعرف القاصي والداني أنها غير قادرة على رفع وتيرة وكفاءة التطبيقات المساهمة في تلبية الحاجات الأساسية الفعلية للمجتمع من مساكن منفردة أو مجمعات سكنيه أو مباني صناعيه أو تجاريه أو مباني عامه.

لقد واكبت النشاطات العمرانية في العراق الحديث جمله من الأساليب القديمة في البناء أبرزها الأسلوب الموقعي الذي ألفه المعماريون والأنشائيون وأصبح واقعا ولم يزل يملي تبعاته وآثاره السلبية وقيوده على صانع القرار في العراق رغم معرفتنا بكونه أسلوب بطيء في الأنجاز ,مكلف لكثرة التالف فيه , لا يمتاز بقدرته على عزل المباني عن الأجواء الساخنة في الصيف والباردة في الشتاء وبالتالي فهو يزيد من ساعات الكسب الحراري ويزيد بذلك من وحدات الطاقة الكهربائية المستهلكة للتبريد في الصيف والتدفئة بالشتاء وأيضا يمتاز برداءة عزله الصوتي في المباني التي تنشأ بالأعتماد على مواده الأولية كالطابوق وقطع الخرسانة المصمتة أو المجوفة.

أن مراجعة سريعة لخطة الأسكان في العراق تنبأ عن حاجة البلد لأربعة ملايين وحده سكنيه يجري تنفيذها على مدى عشرين عاما أي بواقع عشرة وحدات سكنيه لكل ألف نسمه في السنة (3)، الأمر الذي يعني الحاجة الى تجريف ترب صالحه للزراعة بمعدل عشرين متر مكعب بالدقيقة الواحدة ولمدة عشرين عام أو ما يعادل مساحة بقدر مساحة ملعب كرة قدم في الساعة الواحدة لغرض توفير مادة الطابوق لتلبية احتياجات المباني السكنية فقط (4). وبذلك سيجابه القطاع الزراعي ظرفا محددا آخر يضاف الى مجموعة الظروف المحددة الأخرى والمشاكل والقيود التي تجابهه في الوقت الحاضر وهذا الظرف أن بدا غير واضح المعالم والتأثير في الوقت الحاضر بسبب الوضع المتردي للزراعة في عموم العراق فأن أثره السلبي سيكون أشد فتكا بالأجيال القادمة التي ستصحو على اراضٍ دمرها النشاط البشري وحولها الى برك صناعيه جافه كبرى في وقت لا يمكن التكهن فيه بطبيعة الأوضاع السياسية والاقتصادية التي ستسود العالم مستقبلا وتحكم سلته الغذائية وتضربها بمقتل , وهذا ما فعلته وألزمت نفسها به العديد من الدول المتقدمة والنامية حيث حرّمت قوانينها المساس بعناصر التنمية الاقتصادية والتي تقف في مقدمتها الأرض . وحسنا فعلت لجنة البيئة في البرلمان العراقي في دورته الأولى أذ أصدرت مشروع الحفاظ على الغابات والأشجار غير أنه كان من الأجدر أصدار القوانين والتشريعات التي تحافظ على الوسط الذي تنمو فيه تلك الأشجار.

فأذا قيدت الحكومة العراقية في العراق أستنفاد الترب وحددت مناطق أنتشار معامل صناعة الطابوق أو طورت مواصفات المنتج بشكل يقل معه الأثر السلبي على التربة كما فعلت بقية الدول مثل جمهورية مصر العربية التي تحرم نهائيا أفساد أو تغيير جنس الأرض دون موافقات مشدده , فالذي يزور مدينة القاهرة ستلفت أنتباهه مداخن معامل الطابوق المعطلة عن العمل وقد أحاطت بها مزارع الموز الجميلة على  ضفاف النيل الساحر, أو بريطانيا التي انتهجت سبيلا مماثلا منذ أربعينيات القرن الماضي , وأزاء ذلك سنجد أنفسنا مضطرين لقبول أعتماد أساليب أخرى في البناء لحل مشاكل البناء والأعمار لدينا منها على سبيل المثال لا الحصر أسلوب البناء الجاهز والذي تم اعتماده عالميا في النصف الثاني من القرن الماضي لغرض أنشاء الوحدات السكنية في دول أوربا والتي تمكن البعض منها بفضله من الأرتقاء بنسب الأداء الى أكثر من عشرة وحدات سكنيه لكل الف نسمه سنويا  وتمكنت تلك الدول في نهاية المطاف من أغلاق ملفات الأسكان لديها نهائيا .ألا أنه من ناحية ثانيه لا يعتبر الكثير من الأقتصاديين أن أسلوب البناء الجاهز حلا سحريا  للكثير من شعوب الدول النامية التي تشكو عجزا كبيرا  في موازين مدفوعاتها السنوية ذلك بسبب الكلف العالية لأستيراد ونصب وتشغيل وصيانة هذه المعامل والتي ستستقطع من الموازنة العامة والتي لا تسهم في تقليص نسب البطالة في تلك المجتمعات كون هذا الأسلوب في البناء أساسا يعتمد المكننة في الأنتاج والنقل والبناء والتركيب فهو سيؤدي في هذه الحالة وكما يؤكد الكثير من أولئك الأقتصاديين الى تخفيف نسب البطالة في دول المنشأ بدلا من تخفيفها لدى الدول المستوردة (5).هذا ومن ناحية أخرى ففي بلد مثل العراق في الوقت الحاضر سيؤدي هذا الأسلوب الى تسريح العديد من العمال الممتهنين والمشتغلين في قطاع الأسكان الذي يتبع الأساليب التقليدية في البناء بجميع مراحله , أن هؤلاء العمال سيتطفلون في واقع الحال على مهن وقطاعات أخرى هي الأخرى تشهد كسادا وتوقفا في حركة العمل مما ينذر بحدوث مشاكل لا حصر لها في المجتمع , كذلك فأن أسلوب البناء الجاهز يتطلب وجود شبكة مواصلات جيده وواسعه ومتطورة من شأنها أن تساعد في أيصال القطع الجدارية الكبيرة ثقيلة الوزن الى مختلف المناطق في المدن والأرياف وهذا أيضا عامل محدد آخر لمن يفكر في أستخدام هذا الأسلوب في البناء لحل مشاكل السكن والأعمار في العراق في المرحلة الحالية وفي المستقبل لجميع شرائح المجتمع في خطه استراتيجية منهجه مركزيه.

وهنالك أيضا أبعاد خرى لهذا الموضوع عندما نناقش مشاكل أخرى ناجمه عن بناء مجمعات سكنيه أو عمارات متعددة الطوابق شاهقة الأرتفاع كما نجد ذلك في الدول الأخرى أذا ما أردنا أتباع الأساليب والمدارس القديمة في البناء والتي لا تأخذ بالحسبان تأثيرات الأحمال الثقيلة على الفوالق التحتية لأراضٍ واقعه على خط الزلازل الأرضية أو مدن شهدت أو تشهد مثل هذه الزلازل كما هو حاصل في شمالنا العزيز وفي شرق البلاد وجنوب شرقها , كذلك يمكن تأشير ضعف الترب الطينية كونها أسوء أنواع الترب من الناحية الإنشائية خصوصا في المناطق التي تشهد تذبذبا في مناسيب الماء الأرضي صيفا وشتاء ناهيك عن تذبذبها المتكرر في مناطق الترب المنتفخة من البلاد أن وجدت.

 فما السبيل أذن لتدارك مسائل البناء والأعمار والسكن لمجتمعات هي بأمس الحاجة الى الرعاية في مختلف مناحي الحياة والى أين يمكن توجيه بوصلة البحث العلمي في مسائل من هذا النوع كون هذه المسائل والمشاكل هي من النوع التراكمي المتضخم والذي يتطلب وقفات جديه وحلولا جذريه، هذا ما سنعكف على تناوله في مقالات قادمه أن شاء الله.

الهوامش/

  • د. مهدي الصحاف / الموارد المائية في العراق وصيانتها من التلوث/ وزارة الأعلام / 1976
  • Ghassemi F,Jakeman AJ ,Nix H A  1995, Stalinization of land and water resources .Sydney,Australia:New South Wales University Press
  • د. علي الحيدري / منظور الأسكان في العراق / مجلة أتحاد مجالس البحث العلمي العربية/ العدد11/1983
  • د. داخل راضي نديوي واخرون / السهل الرسوبي ومخاطر زحف الصناعات الأنشائيه / دراسة مقدمة الى وزارة الأسكان والتعمير/ 2001
  • د. عادل مصطفى أحمد / مجلة أتحاد مجالس البحث العلمي العربية / العدد 11 / 1983

* مهندس إستشاري/ ماجستير هندسة مدنية

مدرس / الجامعة التقنية الجنوبية

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل