/
/

في صباح  تموزي كان يوما يختلف عن باقي الايام انبثق نوره مع بزوغ الشمس .وكان للجميع  موعدآ استثنائيآ حيث كانت احلام العراقيين اقرب الى الواقع لشجاعتهم وبسالتهم قل نظيرها وللفريق الذي خطط للثورة  ونفذها لا تظاهي .(الثورة التي جاءت تعبيرا عن الاراء التي تبلورت ونضجت قبل وقوعها وان كل  ما حدث كان امرآ متوقعآ) .فهي ثورة قامت ضد حكومة مستبدة ونظامها السياسي الفاسد وقد صارعت هذه الثورة بابنائها الابطال, الحكومة المتغطرسة وصرعتها واطاحت بها وانتصرت القطعات العسكرية بقيادة منظمة الضباط الاحرار والقائد الفذ(عبد الكريم قاسم)  في اسقاط هذا النظام  الرجعي العميل ..كان التغيير الجذري للثورة وليد قوى سياسية اجتماعية داخلية متأصلة في صلب كيان المجتمع العراقي وفي صلب نظام الحكم ناضلت نضالآ مستميتآ وقدمت الغالي والنفيس لها(وان القاء نظرة سريعة على الاثار اللاحقة يكفي لجعلنا نعرف أننا امام ثورة أصيلة ) .اذ لايمكن ان تقوم في أي بلد ما حركة ثورية بوحي من الخارج .ما لم يكن في البلاد استعداد داخلي لتقبل الافكار الثورية

احتلت ثورة (14 من تموز )مكانة مهمة في التاريخ السياسي المعاصر بغض النظر عن مدى تطابق ذلك مع نظرتنا الفلسفية والفكرية فهي واحدة من اهم معلمين من معالم العراق الحديث فاذا كان المعلم الاول متمثلا بتاسيس الدولة العراقية قد نقل العراق من المجتمع الزراعي المتشظي الى المركزية الحديثة ..فان المعلم الثاني المتمحور حول تاسيس النظام الجمهوري في ذلك اليوم التموزي ارسى الاسس المادية لنهضة حضارية ومشروع حداثوي وضع العراق على سكتها بما يتلائم وواقع التطور لقواه المنتجة انذاك ..لقد احدثت الثورة تحولا جذريا في ماهية الوجود العراقي واولوية انماطه الاقتصادية وما ترتب عليها من تجدد للوعي الاجتماعي في تجلياته الجمالية الفلسفية والحقوقية والسياسية والدينية

ونحن كل عام وفي مثل هذه الايام التموزية يحتفل الشعب العراقي بكافة تلاوينه احتفالا حارا وكبيرا يليق بالحدث الجلل ويقف ابناء هذا الشعب النبيل ليستعيد ذكريات نضالهم الشاق الطويل وتضحياتهم الجسام وانتصار الحق على الباطل وما حققته الجماهير من مسيرات وحركات ثورية من انتكاسات ونجاحات طيلة سنواتهم النضالية مهدت للثورة ونجاحها وتوجت  واثمرت بتفجير ثورة شعبية جماهيرية اذلت الاحتلال وقصمت ظهر الاقطاع والامبريالية العالمية ...في حين تعتبر ثورة (14 من تموز)( المعلم الاول والاهم في سلم الارتقاء والتطور من معالم عراق القرن العشرين لما تظمنته من تغييرات تطورية طالت كل البنى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والفكرية والعلاقات الدولية والعسكرية  وغيرت الجو السياسي في المنطقة كلها اذ ادركت القوى العظمى المسيطرة على اقتصاد الخليج والعالم خطورة نشوب ثورات مماثلة في كل المنطقة ).(ان هذا الاستيلاء على السلطة كان اول حدث من نوعه في تاريخ العراق يمكن ان يسجل كثورة ).اننا لكي ندرك قيمة الحاضر ومسيرة المستقبل لا بد لنا ان نقلب بامعان صفحات هذة الثورة ونستلهم منها العبر والدروس ونستوعب استيعاب كاملآاحداث التاريخ وقوانينه وما رافق هذه الايام بعد الثورة من نجاحات ابهرت العدو قبل الصديق بعمرها القصير ..وايضا الاخفاقات والانكسارات في مسيرتها.. لقد كان الشعب قبل الثورة قوما بائسين يائسين  تحكمهم شلة وطغمة فاسدة من الشيوخ والاقطاع والمستغلين من عملاء الاستعمار والرجعية تحتقر الانسان العراقي ولا تؤمن باي حق من حقوقه ..ولا يهمها سوى استغلاله واذلاله وامتصاص دماء الابرياء وجني اكثر ما يمكن من الارباح على حساب دمه وعرقه ..وكان معظم ابنا الشعب من الفقراء يعيشون على الكفاف وفي اسوأ الظروف المادية ويخضع لعملية ترويض عنيفة تستهدف حريته وكرامته  بالكامل وحقوقه الاساسية ..في ان يعيش ويعمل بكرامة ويفكر ويطلع ويعبر عن رأيه ويقرر مصيره ويستمتع بخيرات بلاده ليبني مستقبله ..كان ابناء الشعب غرباء في اوطانهم فيما عدا الطبقة الحاكمة المرفهة ,..يعيشون ويعانون مختلف انواع القهر الاقتصادي والاجتماعي والفكري ويقاسون ذل الفاقة والحرمان والاستبداد وعليهم كل الواجبات وليست لهم حقوق يتمتعون بها ..واجهزة الدولة بكل مفاصلها ليست سوى اجهزة قمع واضطهاد وترهيب ..لقد سجل الاسلوب الذي مارسته الحكومة من قمع للانتفظات العمالية والفلاحية في عموم البلاد انعطافآ في سياسة الحكم في العراق اذ لم يعد يكفيها ما كانت تمارسه من اساليب دكتاتورية استبدادية تحت ستار نظام برلماني مزيف شوهت فيه جميع مفاهيم الحكم الدستوري الديمقراطي المقرر نظاما للحكم في العراق بعد احداث ثورة العشرين ..فاخذت تمارس الاستبداد السافر باسم الاحكام العرفية وحالة الطواريء وسياسة اصدار المراسيم ...ومرد ذلك تصاعد الوعي الطبقي والوطني ونمو الحركة الوطنية المنظمة وفي مقدمتها الحزب الشيوعي العراقي والقوى الوطنية وهو ماكانت تفتقر اليه حركة شعبنا في عهد الاحتلال والانتداب ..فمستوى تطور وعي وتنظيم حركتنا الوطنية لم يعد يسمح بالتردد في النضال والمهادنة مع المحتل ..واضافت ملاحم الحركات والتظاهرات المنددة وملاحم السجناء الشيوعيين واعتصاماتهم صفحات مشرقة الى تاريخ شعبنا وقواه التقدمية في نضاله الدامي ضد الاستعمار والحكم الملكي المباد وكشفت هذه المجازر ايضآ عن استفحال ازمة ذلك النظام المتهريء وبدء انهياره

وكانت البلاد مستعمرا خاضعا للاحتلال الاجنبي والمحتل وجلاوزته يتصرفون ويقررون مصيرالشعب ويفرضون عليه احكاما جائرة ويستغلون خيراته ويقيمون القواعد العسكرية متى ما يشاؤون واين ما يريدون على اراضينا ويكبلون شعبنا بمختلف الاصفاد والقيود والاغلال والمعاهدات رغم ارادتنا ..ان الدلائل كانت تشير الى نهاية النظام الملكي باتت وشيكة بعد ضرب الجماهير ومطاليبهم وتجاهلها  عرض الحائط وخاصة العمال والفلاحين وحقوقهم المشروعة  دون الالتفات الى تحذيرات اخلص اعوان النظام الملكي( بهجة العطية) الذي كان يوضح في تقاريره الخاصة استياء الشعب وتذمره من سياسة الحكومة داعيا للاستجابة لمطاليبهم والاصغاء اليها خشية ان يؤدي ذلك الى سريان التذمر الى سائر فئات الشعب ,وما اصدق وصف الجواهري الكبيراللاهب انذاك حين يدعو المواطن العراقي بكل فئاته الى الانتفاض وتاجيج حماس الثائرين واوضاع الحياة التي يعيشها عامة الناس في ظل الاستبداد والخنوع بقصيدة... منها...   

تقحم فمن ذا يلوم البطين ....اذا كان مثلك لا يقحم

ومن ذا يخوض المنون ....اذا عافها الانكد الاشأم

وخضها كما خاضها الاولون ...وثن بما افتتح الاقدم

فاما الى حيث تبدو الحيا......ة لعينيك مكرمة تغنم

 واما الى جدث لم يكن ...ليفضله بيتك المظلم

وامام كل هذه الظروف القاسية والتهميش كان الشعب العراقي يتحرك نحو كسر قيوده وينتفض كلما سنحت له الفرصة .مرات ومرات ومرات..حتى جاء الصباح التموزي الذي يختلف عن كل الصباحات ً واذا بالقيود تتكسر والاصفاد تتحطم وتتناثر..واذا بالصرح العتيد الذي بناه الاحتلال والرجعية على الظلم والجور يتهاوى تحت اقدام الجماهير الثائرة تاركا خلفه اسوأ الذكريات ومؤكدآ حقيقة طالما اكدتها احداث التاريخ وهي ان لاحياة الا للشعوب الثائرة المنتفظة ..وكان للحزب الشيوعي دورا كبيرا في مجريات احداث الثورة وعلى دراية تامة بموعد وانطلاق القطعات العسكرية للقيام بالحدث الاكبر ولذلك عبأ كوادره وجماهيره حتى انطلقت الجماهير الغفيرة كالاعصار صبيحة هذا اليوم الاغر, من كافة الاعمار والفئات الى الشوارع في بغداد والمحافظات  وتحولت الى ثورة شعبية هائلة قضت على رموز النظام الملكي البائد والمحتل واذلت الاقطاع وقصمت ظهر الاحتلال والرجعية

     واذا بالجماهير العراقية التي كانت في اعلى مزاج ثوري في الارياف والمدن تنتفض لصيانة الحكم الوطني والحفاض على مكتسبات الشعب التقدمية وضمان تطور البلاد وازدهاره شمالا وجنوبا عربا واكراد وهي تهب وتكتسح قذارات النظام البائد القديم وتزيح عن سماء العراق الصافية المشرقة غيوم الاستعباد والفساد.. ان مساهمة الحزب الشيوعي الفعالة في الحكومة الوطنية التي تسعى القوى الوطنية الى تشكيلها تلك المساهمة التي اثبتت للتاريخ حتى يومنا هذا على ضرورتها واهميتها الدور الكبير.. وفي وضع البلاد على السكة الصحيحة  

ونحن نستعرض هذه الاحداث من ثورة (14) تموز نجد ان ما تحقق رغم جسامته لا يمكن ان ياخذ معناه الحقيقي الكامل الا اذا نجحنا في خلق الانسان المواطن الثوري الجديد ( جسميا وفكريا ونفسيا وعقليا ) وخلق مثل هذا الانسان لن يكون بالموعظة والارشاد وحسب وانما بتهيئة اكثر ما يمكن من ظروف مادية واقتصادية واجتماعية سليمة واجواء فكرية ونفسية نقية تجعل هذا الانسان العراقي قادرا على فهم دوره وانتمائه في معترك الحياة الجديدة وادراك مسؤولياته الضخمة والقيام بواجباته تجاه وطنه وشعبه خير قيام متجاوزا تراكمات الماضي المتخلف ومدركا طبيعة الحاضر الجديد ومتطلعا الى غد مشرق ونصل من كل ذلك  الى ان الجماهيرهي الاقوى وهي صاحبة القرار النهائي ..  وان غطرسة الحكام الظالمين المستبدين ليس سوى هشيم سرعان ما تذروه رياح الثورة  وتعصف به غضب الجماهير الثائرة  وان من استعان بغير الشعب فشل فشلآ ذريعآ وسقط بالهاوية ومن استمتسك بغير عروة الحق والعدل والمساوات تهاوى وسحق باقدام الشعب

واخيرا وليس آخرآ....ان حقيقة ثورة الرابع عشر من تموز ومفجرها ابن الشعب البار الشهيد عبد الكريم قاسم  وفيض انجازاتها الاسطورية خلال عمرها القصير  ستبقى.. والاحتفال بذكراها العطرة واجب وطني ودين كبيرفي الاعناق وانشودة يتغنى بها الشعب العراقي مدى الدهور والعصور وتبقى هذه الثورة وزعيمها محفورة في قلوب الجماهير كالنقش في الحجر لآن حقيقتها مهما غطتها تراكمات الاحداث وصدأ السنين والتشكيك بهذه الثورة الشعبية وانجازاتها العظيمة الشاخصة  للشعب من بعض ضعاف النفوس واعداء الوطن ,لا بد ان تظهر بجهود الخيرين الصادقين فالتاريخ لا يرحم ..ولا يصح فيه ابدآ الا الصحيح والشمس لا يحجبها غربال  وستبقى (ثورة الرابع عشر من تموز علامة مضيئة في تاريخ العراق الحديث ومعلمآ متميزآ على طريق نضال شعبنا من اجل التحرر والانعتاق وبناء الدولة المدنية الديمقراطية المستقلة تحت خيمة العراق الموحد )

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل