/
/

يدور سجال فكري متعدد الرؤى والمشارب حول فعالية اليسار الديمقراطي ودوره في الطور المعاصر من العولمة الرأسمالية ، ويشارك في السجال الكثير من الكتاب والباحثين بما فيهم الليبراليين العرب رغم كارثية وصفات الليبرالية الجديدة التي تبدت في هدر الثروات الوطنية وتفكك التشكيلات الاجتماعية الوطنية فضلا عن انبعاث روح الهوية الفرعية الحامل لنزاعات طائفية ــ عرقية وكراهية مشتعلة بدلا من روح التسامح والتضامن الاجتماعي.

مساهمة في الحوار الفكري الدائر احاول التعرض الى الفكر السياسي العلماني ودوره في بناء الدولة العراقية فضلا عن سمات الفكر السياسي الناظم لأحزاب الهوية الفرعية وأخيرا دور فكر اليسار الديمقراطي في الظروف التاريخية المعاصرة.

قبل البدء في تناول مضامين محاور  المداخلة أحاول تدقيق بعض المفاهيم الناظمة لمسارها .

المفهوم الاول  ــ بنية الدولة السياسية .

والتي أجدها تتشكل من ـ سلطات الدولة السيادية الثلاث وأجهزتها الادارية والأمنية والعسكرية مضافا اليها ادوات ضبطها الفكرية والثقافية والإعلامية الهادفة الى إدامة هيمنتها السياسية في حدودها الوطنية.

  المفهوم الثاني  ــ الفكر السياسي العلماني .

واعني به ذلك التيار الفكري الذي تتشكل رؤاه الفكرية من مناهج فلسفية وبرامج اقتصادية ـ سياسية ـ اجتماعية متعددة تحدد منطلقات سياسته لبناء سلطة الدولة ومسار تطور اقتصادها الوطني بعيدا عن الهوية الدينية ومذاهبها الفقهية .

المفهوم الثالث ـ بنية الحزب الفكرية .

واقصد بها مجموعة الافكار الايديولوجية والبرامج السياسية المتحكمة في نهوج الحزب السياسية المعتمدة في اللحظة التاريخية والهادفة الى المساهمة في ادارة سلطة البلاد السياسية أو استلامها بطريقة شرعية او انقلابية .  

استنادا الى تلك المفاهيم ولغرض عدم تداخلها والتباسها سنعمد الى اعتمادها بشكل عام يتطابق والمفاهيم الواردة في بحثنا المكثف .  

أولا ــ العولمة الرأسمالية والتغيرات الايديولوجية

انتج الطور الجديد من التوسع الرأسمالي كثرة من التغيرات الاقتصادية والسياسية والعسكرية ولكننا نتوقف عند سمات البنى الايديولوجية في التشكيلة الرأسمالية العالمية عبر موضوعات مختزلة والتي يمكن تحديدها في الموضوعات الآتية ــ

1 ـ تراجع الفكر السياسي لليبرالية الجديدة بسبب ما افرزته من  نتائج سياسية اجتماعية كارثية تمثلت بديمقراطية مختزلة معبر عنها  بشرعيات انتخابية واقتصاديات وطنية مشوهة.

2 ـ ظهور ايديولوجيات وطنية مناهضة لسياسة الهيمنة وروحها التدخلية واعتمادها  ـ الايديولوجيا الوطنية ـ من قبل الدول الرأسمالية الناهضة لخوض المنافسة الرأسمالية .

3 ـ  تنامي فكر اليمين المتطرف الرافض لميول الاندماج الرأسمالية والمطالب بتعزيز دور الدولة وسيادتها الوطنية فضلا عن نزعته العنصرية وكراهيته للأجانب.

4 ـ سيادة مؤسسات المجتمع الاهلي وآليات ضبطها الطائفي ــ القبلي في بعض التشكيلات الاجتماعية  الوطنية ، متزامنة ـ الهيمنة ـ وانبعاث وعي سلفي جهادي يتسم بالعنف والوحشية.

5 ـ  ملامح نهوض فكر سياسي علماني ديمقراطي في الدول الوطنية يرتكز على مفاهيم الوطنية الديمقراطية ، وفكر العدالة الاجتماعية مترافقا وحركة احتجاجات شعبية عابرة لفكر الهوية الفرعية السياسي.

استنادا الى تلك التغيرات الايديولوجية التي افرزتها العولمة الرأسمالية أحاول ملامسة المحور الأول الموسوم بالفكر السياسي العلماني وأثره في تطور البناء السياسي  للدولة العراقية بموضوعات عامة مكثفة.

ثانيا ـ الفكر السياسي العلماني ودوره في بناء الدولة العراقية . ( * )

مساهمة التيار العلماني في بناء الدولة العراقية  تشترط متابعتها في اطار مراحل بناء الدولة العراقية والتي تتشكل كما اجدها في العناوين التالية ـ

العنوان الأول ـــ تفكك الامبراطورية العثمانية ونشوء الدول الوطنية العربية بمشاركة خارجية انتج نزاعات سياسية ـ اجتماعية جديدة بين مؤسستين اجتماعيتين الدولة الوطنية الهادفة الى بسط سلطتها القانونية ـ السياسية وسلطة المؤسسات الاهلية ومواريثها القبلية ـ الطائفية المتسيدة في تشكيلاتها الاجتماعية .

العنوان الثاني ـ اتسمت البنية السياسية للدولة العراقية الناشئة بصبغة طائفية رغم اطارها العلماني وذلك عبر مؤشرين الاول منهما استحواذ القوى العربية السنية على قيادة مفاصلها السيادية وأجهزتها الإدارية وثانيهما مقاطعة المرجعيات الشيعية وقاعدتها العشائرية لهذا الكيان الجديد .

العنوان الثالث ـ نشوء الدولة العراقية الجديدة ترابط وتناقض صارخ بين  وظائفها السياسية الجديدة الهادفة الى بسط سلطتها السياسية / القانونية وبين تشكيلتها الاجتماعية المرتكزة على مواريث المجتمع الأهلي وأدوات ضبطه الطائفي ـ العشائري .  

العنوان الرابع ــ تبني أقسام من الطبقة الوسطى العراقية للفكر السياسي العلماني أحدث اختراقا فكرياً سياسيا في بنية الوعي القبلي ـ الطائفي وأعرافه الاجتماعية . وقد تزايد هذا الاختراق بعد نهوض احزاب وحركات سياسية وطنية / ليبرالية / اشتراكية  /   قومية  تسعى الى بناء دولة وطنية مستقلة تتخطى آليات وأعراف المجتمع الاهلي .

العنوان الخامس ــ اعتماد سلطة الاحزاب القومية على بنية فكرية عنصرية وروح عسكرية   احدث تراجعا تاريخيا للدور الايجابي لفكر التيار السياسي العلماني وأجهض امكانية بناء مرجعية عراقية قادرة على بناء دولة وطنية ديمقراطية .

 العنوان السادس ــ ترابط الفكر السياسي العلماني للأحزاب القومية مع التراث الاستبدادي للتاريخ العربي الاسلامي انتج سلطة عراقية استبدادية تحكمت فيها اجهزة أمنية وأيديولوجية تستمد شرعيتها من قاعدة عشائرية طائفية .

ثالثا ـ سمات البنية الفكرية الناظمة لأحزاب الهوية الفرعية   .

ظهور الجمهورية الثالثة بعد الغزو الامريكي للعراق تميز بكثرة من التداعيات السياسية والاجتماعية والاقتصادية يتصدرها ( أ) انهيار تشكيلتها الاجتماعية وانقسامها الى كتل سياسية طائفية ( ب ) سيادة الليبرالية الجديدة وبرامجها الاقتصادية وما نتج عنها من فساد مالي ـ اداري (ج ) هيمنة احزاب الهوية الفرعية وتأثيراتها على منظومة العراق السياسية .  ( د ) تنامي فعالية الفكر السياسي العلماني الديمقراطي المناهض للهيمنة الطائفية  والتداخلات الاقليمية / الخارجية في الشؤون العراق الوطنية .

  ان تنامي الفكر السياسي العلماني الديمقراطي اشترطه تسيد فكر الهوية الفرعية وسماته في منظومة العراق السياسية المتمثلة بالخصائص الآتية ــ    

 السمة الأولى ــ مناهضة ( روح العصر)

بسبب تمثلها  لمنتجات الماضي  المناهضة لروح العصر عجزت قوى وأحزاب الهوية الفرعية عن انتاج فكر سياسي معاصر يشكل رافعة وطنية لإعادة بناء الدولة الوطنية بمنظومة ديمقراطية .

السمة الثانية ــ العزلة الوطنية

 يتسم  الفكر السياسي لكثرة من القوى وأحزاب الهويات الفرعية بالعزلة الوطنية وعدم تفاعله مع التيارات الفكرية الاخرى معبرا بذلك عن انغلاقه السياسي المذهبي / القبائلي وما يعنيه ذلك من انقسام التشكيلة الاجتماعية  الى كتل سكانية منعزلة ومتناحرة.

السمة الثالثة ــ الاقصاء والنزوع الى القوة

ــ ينزع الفكر السياسي لقوى الهوية الفرعية الى تغليب القوة على لغة الحوار والمصالحة  وتعتمد  القوة وسيلة لتحقيق  هدفين أساسيين ـ اولهم احتكار سلطة البلاد السياسية باسم الشرعية الانتخابية وثانيهم  الاستحواذ على الثروات الوطنية وغياب عدالة توزيعها .

السمة الرابعة ــ تناقض قاعدته الاجتماعية

تتشكل قاعدة احزاب الهوية الفرعية من قوى اجتماعية مهمشة انتجتها السياسات الليبرالية والتدخلات العسكرية تنشد الخلاص في العقيدة الايمانية ومن شرائح اجتماعية طفيلية وأخرى كمبورادورية  افرزتها سياسة الفساد ونهب ممتلكات الدولة ، وبهذا المعنى لم تعد الوحدة الوطنية هدفا لأحزاب الهوية الفرعية  بل بناء دولة متعددة السلطات والمراكز الادارية  .

السمة الخامسة ــ البداوة والنزعة الثأرية

ــ تتسم البنية الفكرية لقوى الهوية الفرعية بسمتي البداوة والروح الثأرية حيث نرى ان نزاعات القوى الطائفية المتناحرة  تتم تحت واجهات تاريخية من غزوات  ورايات وتشكيلات  عسكرية حاملة  لأسماء قادة تاريخيين ، ونتيجة لروح البداوة والنزعة الثأرية أفرزت النزاعات الدموية لأحزاب الهوية الفرعية اشكالا من الوسائل الوحشية حصيلتها تعرض اعدادا متزايدة من السكان المسالمين الى الابادة والتشريد تحت شعارات مذهبية / قبائلية  .

استنادا الى سمات بنية الفكر السياسي الناظم لفاعلية احزاب الهوية الفرعية نتوقف عند تنامي فعالية الفكر السياسي للتيار العلماني الديمقراطي وبالتحديد منه فكر  اليسار الديمقراطي .

رابعا ـ اليسار الديمقراطي ودوره في مناهضة الفكر السياسي الطائفي               

بداية  لابد من التأكيد على أن فكر اليسار الاشتراكي وعبر مراحل تطور الدولة العراقية  شكل حاضنة سياسية لوحدة وطنية عابرة للطوائف والأعراق والعشائر ، وبهذا المعنى  احدث فكر اليسار الاشتراكي  اختراقا فكريا في بنية المجتمع الاهلي وشكل (هيمنة ) علمانية / ثقافية / سياسية لدى كثرة من شرائح تشكيلة العراق الاجتماعية  .

ان التصدي للطوفان الطائفي / العشائري المتخم بالنزاعات العبثية في منظومة العراق السياسية يشترط تطوير فعالية اليسار الديمقراطي معتمدا بذلك على تجربته التاريخية وبنيته الفكرية والسياسية المتمثلة بــ

اولا ـ اممية فكر اليسار الديمقراطي التي شكلت ولا تزال حاضنة سياسية لتشكيلة العراق الاجتماعية متخطية بذلك  فكر الاعراق والطوائف المتناحرة .  

ثانيا ــ وطنية فكر اليسار الديمقراطي الهادفة الى بناء الدولة الوطنية العلمانية على قاعدة الشرعية الديمقراطية والمنافسة السلمية .

ثالثا ـ نهجه السياسي المطالب بإنهاء أزمة العراق السياسية على قاعدة التداول السلمي للسلطة السياسية فضلا عن صيانة الثروات الوطنية ومكافحة النهب والفساد في بنية الدولة العراقية .

رابعا ـ عدالة فكر اليسار الديمقراطي المتمثلة ببناء شبكة الضمانات الاجتماعية وحماية مصالح الطبقات والشرائح الاجتماعية التي همشتها الغزوات الخارجية والنزاعات الطائفية .

استنادا الى الرؤى السالفة الذكر اختم مداخلتي  باستنتاجات عامة أهمها ـ

الاستنتاج الاول  ـ أدت الاحزاب السياسية الحاملة  للفكر السياسي العلماني أدوارا تقدمية في مناهضة  فكر الهويات الفرعية رغم اخفاقها في بناء هوية وطنية بسبب حواضنها الايديولوجية .

الاستنتاج الثاني ـ اعتماد الايديولوجية العنصرية والروح الانقلابية من قبل القوى القومية أفضى الى بناء نظم سياسية استبدادية استمدت خصائصها من الارث التاريخي العربي المتسم بالعنف والإقصاء  وما نتج عن ذلك من عودة المجتمع الاهلي وتسيده في الحياة السياسية   .

الاستنتاج الثالث ـ انهيار الدولة العراقية وتفكك تشكيلتها الاجتماعية افضى الى نهوض مؤسسات المجتمع الاهلي وفكرها الطائفي ـ العشائري العابر لمفاهيم الوطنية والقومية والعدالة الاجتماعية.

الاستنتاج الرابع ــ افرزت الوقائع التاريخية المعاشة أهمية عودة اليسار الديمقراطي الى الحياة السياسية باعتباره مشروعا وطنيا ديمقراطيا لإعادة بناء الدولة الوطنية ووحدة مكوناتها الاجتماعية .

 

الهوامش

* من الضروري متابعة الفكر السياسي للتيار العلماني وتحديد سماته عبر ثلاث مراحل ( أ ) المرحلة الملكية والذي اتسمت فعالية التيار السياسي العلماني  بمناهضة فكر الهوية والمطالبة ببناء دولة عراقية وطنية تستند الى الشرعية الديمقراطية ( ب ) انحسار دور التيار العلماني في الجمهوريتين الأولى والثانية وعدم قدرته على بناء دولة وطنية ديمقراطية بسبب اعتماد بعض فصائله النزعة الانقلابية / الثورية . ( ج ) شهدت الجمهورية الثالثة التي اعقبت الاحتلال الامريكي للعراق نهوضا جديدا لدور التيار العلماني الوطني الديمقراطي استناداً الى مطالبته بإنهاء ازمة العراق السياسية على اساس التخلي عن المساومات المذهبية وبناء سلطة الدولة السياسية على البرامج الانتخابية والمنافسة السلمية .

ــ راجع لطفي حاتم  التيار العلماني الديمقراطي فعاليته السياسية وأهميته التاريخية .

الحوار المتمدن http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=333208

 

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل