المنبرالحر

مئوية ثورة اكتوبر . هكذا أيّد الشيوعيون العرب التقسيم ضد قناعاتهم. (4) / رضي السماك

ذكرنا آنفاً أن ندرة ما هو مترجم من مصادر روسية إلى العربية تتناول نقد وتقييم التجربة الاشتراكية السوفييتية من منطلق شيوعي يساري هي وراء اكتفائنا بالمصادر العربية الشيوعية حول نفس الموضوع ، ونخشى أن نقول بأن هذه الأخيرة هي الأقوى والاكثر مصداقية لأنها صادرة من ألم الاكتواء بنار التجربة النضالية المديدة لأحزابهم الشيوعية العربية مقارنةً بما يصدر من النخبة البيروقراطية للحزب الشيوعي السوفييتي السابق والتي عششت في الحكم ردحاً من الزمن ، اللهم إلا القلة الروسية المؤمنة حقاً بالفكر الاشتراكي والتي رغم ما آلمها ما آلت إليه التحربة من انهيار مريع فإن الحدث لم أن يزعزع إيمانها وقناعاتها الراسخة بهذا الفكر ولم تفقد البوصلة السليمة في فوضى البلبلة والصراع الفكري الذي ساد في أوساط اليسار في روسيا والعالم بأسره غداة الانهيار ، وهؤلاء يصدق عليهم القول : " القابض على فكره الإشتراكي كالقابض على الجمر " .
ولا ريب في إن الانتقادات التي وجهها الباحثون والكتّاب الشيوعيون العرب ، فضلاً عن مراجعات أحزابهم ، قد طالت الكثير من الجوانب الفكرية والتطبيقية في التجربة السوفييتية ، إلا أننا سنكتفي تالياً بتناول واحد من الأخطاء الجسيمة المشتركة التي وقع فيها الحزب الشيوعي السوفييتي الحاكم وتبعه فيه الاحزاب الشيوعية العربية ألا هو المواقفة على قرار تقسيم فلسطين عام 1947 رغم أن بناء الموقف من هذه المسألة هي من صميم اختصاص قضاياهم الوطنية والقومية وهم الأجدر من الرفاق السوفييت بتحديد الموقف السليم أزائها وفقاً ظروفهم الملموسة ، وقد أضر الاعتراف كلا الجانبين على السواء. وعدا ربما اعترافات سوفييتية نادرة ومحدودة قبل انهيار الاتحاد السوفييتي فإنه لم لم تصدر اعترافات سوفييتية لتخطئة القرار إلا بعد الانهيار وذلك على ألسنة شخصيات سوفييتية سابقة ، كما أن الاعترافات الشيوعية العربية التي أجمعت تقريباً بأنها أستسلمت بالاقتداء بالموقف السوفييتي رغم عدم قناعتها بتأييد قرار التقسيم جاءت بعد الانهيار .
وسنكتفي بتناول النقد الذاتي من قِبل شخصيات قيادية لثلاثة أحزاب شيوعية عربية سارت خلف الاتحاد السوفييتي في قرار التقسيم وهي على التوالي : الحزب الشيوعي العراقي والحزب الشيوعي اللبناني والحزب الشيوعي الأردني .
ثمة وثائق تاريخية عديدة تضمنت مواقف الحزب الشيوعي العراقي المتأرجحة بين أغلبية ترفض التقسيم وبين أقلية تدعو للموافقة عليه كما ظهر لا حقاً أسوةً بالموقف السوفييتي ، لكننا سنقتصر على ما ورد في مقال ليس ببعيد زمنياً للباحث د. صادق البلادي والمنشور في مجلة "الثقافة الجديدة " العراقية عدد 364 / 365 ، آذار 2014 تحت عنوان " ثمانون عاماً من النضال في سبيل التحرر القومي العربي " ، ص 134 - 140 ، حيث أشار في سياق تناوله لهذه القضية إلى التوجيه الداخلي الصادر عن قيادة الحزب في شهر كانون الأول ( ديسمبر ) 1947 ، أي بُعيد أيام من صدور قرار تقسيم فلسطين إلى دولة عربية ودولة يهودية الصادر عن الامم المتحدة في 29 نوفمبر ( تشرين الثاني ) ، ويصف هذا التوجيه " : ان موقف الاتحاد السوفييتي قد قدّم فرصة فرصة للصحف وعملاء وعملاء الاستعمار للتهجم ليس فقط على الاتحاد السوفييتي وانما على الحركة الشيوعية في البلاد العربية " ، ويضيف : " ان التقسيم يقود إلى اخضاع الاكثرية العربية للأقلية الصهيونية ، وان التقسيم وإقامة دولة يهودية سيشددان العداوات العنصرية والدينية ، وسيؤثران جدياً على آفاق السلام في الشرق الأوسط " . وحسب هذا التوجيه أكّد الحزب الشيوعي العراقي رفضه القاطع لمشروع التقسيم ، ويقف على رأس المؤيدين لهذا الموقف من معتقله القائد المؤسس " فهد " ، ومن الذين انتقدوا قرار التقسيم أيضاً العضو القيادي عبد الرحيم عجينة في كتابه " الاختيار المتجدد ، دار الكنوز ، الطبعة الأولى ، بيروت ، 1998 " ص 29 .
وفيما يتعلق بالحزب الشيوعي اللبناني فهو الآخر كان له على المستوى الفردي وعلى المستوى الحزبي الرسمي وثائق عديدة تنتقد التقسيم كما تنتقد فرض انجراره خلف الموقف السوفييتي ، ومن الكتابات في هذا الصدد ما ورد في كتاب مساعد الأمين العام الأسبق للحزب كريم مروة الموسوم " عشية اُفول الامبراطورية ، الفارابي ، الطبعة الأولى ، بيروت ، 2003 " ص 115 - 118 حيث يصف مروة تأييد الشيوعيين اللبنانيين لقرار التقسيم ( وكانوا حينئذٍ مع السوريين في حزب واحد ) دون شروط بالخطأ التاريخي ودفعوا ثمنه غالياً. ومثلما كان القائد الشيوعي العراقي الفذ الشهيد " فهد " على رأس من رفضوا القرار فقد كان القائد الفذ في الحزب الشيوعي اللبناني الشهيد فرج الله الحلو على رأس من رفضوه على عكس قائده الستاليني خالد بكداش أمين عام الحزب .
وأخيراً ففيما يتعلق بالحزب الشيوعي الأردني فلعل يعقوب زيادين أمين عام الحزب الراحل أبرز من عبّر بصورة صريحة بليغة عن الإشكالية في الموقف المتبذب من القرار برفضه ثم الانجرار الاتوماتيكي خلف الموقف السوفييتي بتأييده وذلك كما ظهر في حوار تلفزيوني في قناة RT الروسية أجراه معه خالد الرُشد في برنامجه " رحلة في الذاكرة " في يوليو / تموز العام 2009 ، حيث ينقل تهكماً على الذات عن رفيقه القيادي فؤاد نصّار المعتقل معه في سجن الجفر والذي قال : " كُنا حتى الساعة 12 من منتصف الليل ضد التقسيم وفي الساعة الثامنة صباحاً علِمنا بتأييد الاتحاد السوفييتي للقرار فأيدناه

المنبر الحر