/
/

الجزء الأول

لقد نتج عن اختلال التوازن العالمي بعد الحرب الباردة صعود توجهات فكرية متطرفة تمثلت بالمحافظين الجدد، أسهمت في صعود التوجه السياسي والاستراتيجي الأمريكي العالمي، محوره يدور حول سياسة عالمية عدوانية، تهدف الى استمرار الهيمنة الامريكية العالمية.

ويبدو واضحا بان نظرية الفوضى تتناغم مع العقلية الامريكية المتغطرسة، والمؤمنة بان القوي يستطيع ان يخلق النظام من رحم الفوضى!! ... بل ان الفوضى هي مطلب القوي كي يستمر بالتفرد والهيمنة، وان صعود المحافظين الجدد، وهو تيار فكري متطرف، ويمتلك توجهات فكرية متطرفة، وهذا بالضد من العرب والمسلمين ومصالحهم واستقلالهم وحريتهم.

لقد سوقت هذه القوى المتطرفة داخل أروقة صنع القرار السياسي والاستراتيجي الأمريكي، لنظرية الفوضى الخلاقة! ... لتكون محورا للسياسة الامريكية، خصوصا تجاه المنطقة العربية وشعوبها.

وترتكز هذه السياسة كما يبين البحث، على الترويج لمبادئ الإصلاح الديمقراطي!! بهدف تغيير أنظمة الحكم بفوضى، تستطيع من خلالها تثبيت دعائم نهجها وفلسفتها التي تقوم على التدخل السافر، لتعزيز مواقعها وتأمين مصالحها في العالم، وفي المنطقة العربية بشكل خاص، مستندة على تأجيج الصراعات الاثنية والعرقية والطائفية، وتقسيم الدول بحجة الدفاع عن حقوق الأقليات الأثنية والطائفية، بالإضافة الى خلخلة الاستقرار الأمني، وزعزعة الأوضاع الاقتصادية وزعزعت السلم الأهلي، والاستفادة من كل ذلك لتحقيق مصالحها.

ولثبات المصالح الامريكية الحيوية في المنطقة العربية، لا بد من الحفاظ على امن (إسرائيل) باعتبارها الحليف التاريخي للولايات المتحدة، ولتتمكن من السيطرة على النفط العربي.

لا شك بان السياسة الأمريكية تجاه المنطقة الشرق أوسطية قد خضعت لتغييرات مهمة على إثر انتهاء الحرب الباردة والانهيار المريع للاتحاد السوفيتي ودول أوربا الشرقية، الحصن المنيع للسلم والاستقرار الدوليين، وانفراد أمريكا كقطب أوحد، ونتيجة لاختلال التوازن الدولي، تغيرت أولويات الولايات المتحدة، بأتباع سياساتها الجديدة، أسمتها سياسة الفوضى الخلاقة، وهذا يعتبر تغيرا واضحا في السلوك السياسي الخارجي الأمريكي تجاه المنطقة العربية والعالم.

وتقول كوندليزا رايز: أنّه لم يعد من الممكن الحفاظ على سياسة الأمر الواقع التي اعتمدتها الولايات المتحدة في المنطقة، لنصف قرن مضى، تحت شعار الحفاظ على الاستقرار!، حتى ولو أدّى ذلك إلى التخلّي عن أنظمة عرفت بموالاتها أو بتحالفاتها مع الولايات المتحدة.

وتقول (كوندليزا رايز):

(ان الوضع الحالي ليس مستقرا، وان الفوضى التي تفرزها عملية التحول الدمقراطي!! هي نوع من الفوضى الخلاقة التي تنتج في النهاية نظاما أفضل، مبادئه الأساسية الحرية وحقوق الانسان والديموقراطية). (1)

الفوضى الخلاقة بالإنجليزية: (Creative Chaos) هو مصطلح سياسي - عقدي يقصد به! ... تكون حالة سياسية بعد مرحلة فوضى متعمدة الإحداث، يقوم به أشخاص معينين! ... بدون الكشف عن هويتهم وذلك بهدف تعديل الأمور لصالحهم أو تكون حالة إنسانية مريحة بعد مرحلة فوضى متعمدة من أشخاص معروفين، من أجل مساعده الآخرين في الاعتماد على أنفسهم.

في مطلع عام 2005 أدلت وزيرة الخارجية الأميركية "كونداليزا رايس " بحديث صحفي مع جريدة واشنطن بوست الأميركية، اذاعت حينها الوزيرة عن نية الولايات المتحدة بنشر الديمقراطية بالعالم العربي والبدء بتشكيل ما يُعرف ب "الشرق الأوسط الجديد " كل ذلك عبر نشر " الفوضى الخلاقة " في الشرق الأوسط وتأخذ الإدارة الأميركية على عاتقها تنفيذ ذلك.

على الرغم من وجود هذا المصطلح في أدبيات الماسونية القديمة حيث ورد ذكره في أكثر من مرجع وأشار إليه الباحث والكاتب الأمريكي (دان براون) إلى أنه لم يطف على السطح إلا بعد الغزو الأمريكي للعراق الذي قادته الولايات المتحدة الأمريكية في عهد الرئيس جورج دبليو بوش.

حيث انتشرت بعض فرق الموت ومنظمات إرهابية، كتنظيم القاعدة في بلاد الرافدين والمنظمات المشابهة والأعمال التخريبية والارهابية، والتي اتهمت بأنها مسيسة من قبل الجيش الأمريكي، الذي حل الأجهزة الأمنية العراقية وفتح الحدود، وجعل العراق الساحة الأولى للحرب ضد الإرهاب، وهذه المليشيات والمنظمات تؤمن بأن الخلاص سيكون لدى تأسيس الخلافة الإسلامية. (2) .

أهداف الفوضى الخلاقة: جعل أصحاب الأرض هم الذين يهدمونها! من خلال إشعال الفتن فيما بينهم وهدم كياناتهم، ثم يأتي المستعمر ليبني على طريقته وكيف ما يشاء.

تعتبر الفوضى الخلاقة: هو توظيفاً لمشاعر الجماهير! واستغلالاً للحركات الجماهيرية لإحداث هذه الفوضى، دون ان تتكلف الدول المستعمرة الأموال وتخوض الحروب.

وتقوم فكرة الفوضى الخلاقة على مبدأ: أن ما نريد تحصيله بالتفاوض السياسي بعشرين سنة نحصله بخلق الفوضى بسنتين.

ارتبط مفهوم الفوضى الخلاقة بــ الشرق الأوسط الجديد !.. لأنه هو الطريق للوصول لخلقه وإيجاده، من خلال إنهاكه بالقلاقل والفتن من داخله.

الفوضى الخلاقة والاضطراب الأمني والدماء والأشلاء، هي التي تقنع الناس بالحلول الأجنبية كالتقسيم، وهذا لا يمكن أن يتم في الأحوال الطبيعية.

لقد أظهر العقد الماضي أن هناك شيئاً أسوأ من الديكتاتورية، أسوأ من غياب الحرية، وأسوأ من القمع، ألا وهو الحرب الأهلية والفوضى.

“الدول الفاشلة”، والتي تمتد حالياً من باكستان إلى مالي، تُبيّن أن البديل عن الديكتاتورية ليس بالضرورة هو الديمقراطية.

في كثير من الأحيان، هذا البديل هو الفوضى. وفي السنوات القادمة، لن يتم تعريف السياسة الدولية من خلال الاستقطاب بين الدول الديمقراطية والاستبدادية، بقدر ما سيتم تعريفها من خلال التناقض بين الدول الناجحة (أو القادرة على أداء وظائفها) والدول الفاشلة (أو غير القادرة على أداء وظائفها).

توماس هوبز، وهو مؤسس العلوم السياسية الحديثة، كانت الوظيفة الجوهرية للدولة هو فرض النظام القانوني من أجل إخضاع “حالة الطبيعة”.

وفي “الطاغوت”، الذي كتب في القرن السابع عشر في ظل الحرب الأهلية الإنجليزية، قال هوبز إن احتكار الدولة للعنف، كان شرعياً عندما يستخدم لحماية أرواح وممتلكات المواطنين والدولة.

وعندما تصبح الدولة غير قادرة على ضمان النظام، يبدأ خطر “نشوب الحرب بين كل إنسان ضد كل إنسان” يلوح في الأفق.

وفي مقاله الـ 1525، المعنون “ضد القاتل، سرقة جحافل الفلاحين”، جادل رجل الدين (مارتن لوثر) أيضاً لصالح الحكم بشدة لوضع حد لحرب الفلاحين الألمان. وكان لوثر متعاطفاً إلى حد كبير مع شكاوى الفلاحين، لكنه عارض العنف والفوضى المستشريين في تمردهم.

وكتب لوثر، أنه يجب التعامل مع المتمردين “تماماً كما يجب على المرء أن يقتل كلباً مسعوراً”.

هل الاستقرار قيمة في حد ذاته؟:

غالباً ما ينظر إلى أولئك الذين يقومون بالإجابة على هذا التساؤل، بالإيجاب على أنهم لا يمنحون أهمية كبيرة للحرية وحقوق الإنسان.

ولكن الحقيقة غير المريحة هي، أن الديكتاتورية في كثير من الأحيان أفضل من الفوضى. ولو أعطي الناس حق الاختيار بين دكتاتورية تعمل وبين دولة فاشلة، فهم في كثير من الأحيان سوف ينظرون إلى الدكتاتورية باعتبارها أهون الشرين.

ومعظم الناس يعتقدون بأن معيشة آمنة وقدر ما من العدالة، هي أكثر أهمية من الحريات الفردية والديمقراطية المشكوك بها.

فشل دمقرطة العراق، وعدم نجاح “الربيع العربي”!! في سوريا، غذيا صعود “الدولة الإسلامية”.

في أي من هاتين الدولتين لا يوجد فرصة واقعية حالياً لنجاح الديمقراطية.

هذا النوع من الحجة ليس جذاباً، حيث إن له، كما هو الحال، رائحة السياسة الواقعية الباردة. وهو اعتراف بعجز الغرب، وبمحدودية قدرته على تصدير قيمه ونمط حياته. وهو يبدو وكأنه استغناء عن المثل العليا. وهو أيضاً كثيراً ما يستخدم كحجة لتبرير التعامل مع الحكام المستبدين، وأسوأ من ذلك، يوفر للطغاة مبرراً لسياساتهم القمعية.

هناك عدد متزايد من الدول الفاشلة في العالم. ووفقاً لمؤشر الدول الهشة من قبل صندوق السلام، ازداد عدد الدول الحائزة على تصنيف “حالة تأهب عالية جداً” أو “حالة تأهب قصوى” من تسعة إلى 16 منذ 2006. وعلى النقيض من ذلك، لم يحرز انتشار الديمقراطية والحرية أي تقدم تقريباً.

ووفقاً لبيت الحرية، وبعد حدوث زيادة كبيرة في عدد الدول الحرة في بداية التسعينيات، لم يكن هناك تغيير يذكر منذ عام 1998.

كتب (ماثيو فون * كرد على المقال السابق، ونشرته صحيفة دير شبيغل، بتاريخ 9 أكتوبر 2014).

أصبح القول بأن قيام دولة استبدادية مستقرة خير من واحدة فاشلة، أمر مألوف على نحو متزايد.

إلا أن هذا القول يتجاهل حقيقة أن الأنظمة الاستبدادية هي في نهاية المطاف مصدر لتلك الفوضى.

سقوط الطغاة ليس دائماً سبباً للفرح، وفقاً لما كتبت زميلتي (كريستيان هوفمان) في مقال نشر أمس على دير شبيغل الدولية. وإذا كان لدى مواطني أي بلد حق الاختيار بين “ديكتاتورية قادرة على العمل، وفوضى دولة فاشلة”، كما قال، فإن الدكتاتورية غالباً ما ستكون “أهون الشرور”، لأنها تعد باستمرار الاستقرار.

ورغم ما قد يعتقد البعض، مسار الانتفاضات العربية لا يدعم حجة أن الدكتاتورية هي البديل الأفضل للفوضى. هذا المسار يروي قصة الأنظمة الاستبدادية، والتي كانت في جزء منها مسنودة من قبل الغرب، وبقيت في السلطة على مدى عقود بالضبط من خلال استخدام هذه الحجة، ثم سقطت في نهاية المطاف بسرعة مذهلة.

لقد انهارت أساسات هذه الأنظمة بسبب البطالة بين الشباب، المشاكل الاقتصادية، وتدهور مؤسسات الدولة.

جوهر هذه الأنظمة كان فاسداً منذ فترة طويلة. وقد جاءت إلى نهايتها بسبب تناقضاتها الداخلية، وعدم القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية لمواطنيها. تلك الاحتياجات لم تكن بالضرورة حرية التعبير والديمقراطية، حيث غالباً ما كانت هذه المتطلبات ثانوية، ولكنها كانت للحصول على العمل، والطعام، والحق بحياة كريمة.

عندما يأتي النظام إلى نهايته، تعقبه الفوضى عادةً. الاستقرار بشكل واضح وجذري أفضل من عدم الاستقرار، ولكن السؤال الحاسم هو كيف يمكن إنشاء هذا الاستقرار؟

لا يمكن إنشاؤه من خلال تدخل الغرب لمسح الديكتاتوريات من الوجود، كما تعلمنا بعد حرب العراق الكارثية في 2003، ومحاولتها فرض الديمقراطية من الخارج. ولا يمكن أن يُعزز الاستقرار من خلال دعم الأنظمة الديكتاتورية. حيث أظهر الربيع العربي أيضاً أن القرارات حول مصير البلدان ليست مصنوعة من قبل الغرب، ولكن من داخل البلدان نفسها.

دروس التأريخ: ringShare

هل الطغاة أسوأ من الفوضى؟ هو السؤال المنطقي، والمحير، الذي تبادر إلى ذهن معظم العرب في أعقاب الوضع الكارثي الذي وصلت إليه بعض بلدان ما يعرف بـ “الربيع العربي”، والذي يمثل الانتفاضات الشعبية التي انطلقت ضد المستبدين في عام 2011 وما زالت مستمرة، سواءً من حيث عدم وصولها إلى هدف إزالة الطغاة، كما هو الحال في سوريا، أو من خلال تداعياتها التي لم تنته بعد، كما هو الحال في مصر وتونس واليمن وليبيا.

الأنظمة الاستبدادية وفرت بالحديد والنار نوعاً من الاستقرار داخل المجتمعات التي حكمتها، ولكن مطالب الحرية تجاوزت ميزة الاستقرار هذه، ورغبت بالحصول على ما هو أثمن، وهو الاستقرار الضامن للحريات الفردية والعامة.

ولكن، لم يكن هذا الحلم سهل المنال كما تصور كثرٌ في بداية الأمر، وتصاعدت أرقام الضحايا من المدنيين والثائرين على حد سواء، مترافقةً بارتفاع أعداد المهجرين والمشردين داخل مدنهم، وهو ما جعل التكلفة البشرية والاقتصادية المرتفعة لثورات بعض دول الربيع العربي عاملاً في بروز المراجعات الفكرية لما حصل، والتساؤل من جديد عما إذا كان القبول بالعيش تحت وطأة المستبد ثمناً مناسباً للاستقرار وعدم الوقوع في الفوضى؟

هذه التساؤلات كانت موضوعاً للجدل والنقاش على صفحات مجلة “دير شبيغل” الألمانية هذا الأسبوع. اثنان من أهم كتاب الرأي الألمان، وفي مقالين منفصلين، عبرا عن وجهتي النظر المتناقضتين حيال الإجابة على تساؤل: “أيهما أفضل: الطغاة أم الفوضى؟ الحرية أم الاستقرار؟”، ودعما إجاباتهما بالشواهد التاريخية، وبالتحليل المنطقي. وهنا نص ما كتباه:

الحرية مقابل الاستقرار: هل الطغاة أسوأ من الفوضى؟

(كتبت هذا المقال كريستيان هوفمان، ونشر في دير شبيغل بتاريخ 8 أكتوبر 2014).

على الرغم من أن هناك دائماً سبباً للاحتفال بإسقاط أوتوقراطي، إلا أن نتائج حرب العراق، وصعود “الدولة الإسلامية”، أثبتت بشكل مروع أن البديل يمكن أن يكون أسوأ.

في منتصف نيسان 2003، نشر الكاتب الألماني (هانز ماغنوس إنزينسبيغر) مقالة في صحيفة فرانكفورتر ألجماينه تسايتونج، احتفل فيها بسقوط صدام حسين، ونهاية الديكتاتورية الوحشية في العراق. وسخر الكاتب أيضاً من المتشككين الذين حذروا من قرار الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش بغزو العراق.

وفي ذلك الوقت، شعرت بسعادة غامرة حول مساهمة إنزينسبيرغر. لقد كان واحداً من عدد قليل جداً من الأصوات التي تجرأت على الوقوف ضد المعارضة العامة بالإجماع تقريباً على الهجوم الأمريكي على العراق.

قبل اندلاع الحرب، زرت شمال العراق، بما في ذلك بلدة حلبجة حيث قتل صدام الآلاف من الأكراد العراقيين بالغاز السام في 1988.

بالغاز قتل أطفالاً يلعبون في الشوارع، ونساءً في طريقهن إلى السوق. التقيت مع الناجين الذين دُمرت رئاتهم تقريباً، وهم الناس الذين كانوا يموتون موتاً مؤلماً وبطيئاً حتى بعد 15 عاماً من الهجوم.

وأكثر من أي مدينة أخرى، حلبجة هي رمز لجرائم صدام التي ارتكبت ضد شعبه.

وعلى الرغم من أنني لم أكن مؤيدة للحرب على العراق، إلا أن زيارتي تلك جعلت من الواضح لي أن الإطاحة بدكتاتور هي أمر يدعو للفرح.

ولكن في النهاية، كان قد ثبت أن المتشككين كانوا على صواب. في عام 2003، اعتقد (إنزينسبيرغر) بأن التوقعات بأن ما يصل إلى 200 ألف شخص سوف يموتون في العراق نتيجة للغزو، كانت عبثية بشكل كبير.

11- المصدر: طلعت رميح، مقالة بعنوان: الفوضى الخلاقة اضطرابات عدمية ام تغيير ثوري مبرمج.

22- المصدر: الموسوعة الحرة / الفوضى الخلاقة.

نهاية الجزء الأول

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل