المنبرالحر

هل تصنع النصوص الدينية بمفردها إرهابياً؟ / قصي الصافي

أضاف كريستوفر هيجنز مفردة الفاشية الاسلامية لقاموس الاستعلاء الاوربى، زاعماً أن الاسلام والفاشية تشتركان في استثارة العنف، وأن نصوص الاسلام دون غيره من الاديان تتضمن دعوات للحروب والجهاد ونشر الدين بالسيف، وقد أصبحت تلك المزاعم إحدى كليشيهات خطاب اليمين الأوربي، والتي تطوع عدد غير قليل من العرب والمسلمين بترديدها في الاعلام وقنوات التواصل الاجتماعي. إذا كان هدف اليمين الاوروبي بترويج تلك المزاعم إثارة الكراهية العنصرية وتبرير الحروب تحت عنوان صراع الحضارات، فان المتطوعين من ابناء جلدتنا يسوقهم هاجس تطهير الذات عبر جلدها وشيطينتها.
تثير تلك المزاعم الكثير من الاسئلة والتناقضات التي لامجال للخوض في تفصيلاتها، لذا سيركز المقال على حقيقة غالباً ما يتم تجاهلها ، وهي ان الاديان السماوية بلا استثناء تتأرجح في نصوصها بين لغة السلام ولغة العنف، وسيبحث أيضا في العوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي كانت وراء التقلبات في شخصية و مزاج الأله الابراهيمي ليصدر تعليماته المتضادة في مراحل تأريخية مختلفة.
في المجتمعات القديمة يشكل الدين صورة متكاملة ومعبرة عما يحمله العقل الجمعي من منظومات قيمية وفكرية، و كيفية تعاطيه مع الواقع الاقتصادي والسياسي آنذاك، فالأمة تحقق الانتصارات والرفاه الاقتصادي حين يكون الرب سعيداً راضياً، ويقودها الى الهزيمة والعوز والبؤس لتلقينها درساً في الطاعة حين يجرح كبرياؤه و يستثار غضبه.
سنتوقف في هذا الجزء من المقال عند بعض محطات التاريخ العبراني في محاولة لفهم سر تحولات إله اليهود من رب حنون الى مخرج أفلام رعب تعجز عنها مخيلة هتشكوك.
في صراع على الأرض انغمس بنو اسرائيل في حروب طاحنة مع الاقوام المجاورة ( الكنعانيين و العمورين و الحيثيين وغيرهم) في فلسطين الآهلة بالسكان من مختلف الأقوام ، فانعكس ذلك في تعاليم ووصايا الاله يهوه، فكان غيوراً يحرق مدناً بكامل سكانها لعبادتهم سواه " فأمطر الرب على سدوم وعمورة كبريتاً وناراً . .. سفر التكوين 19: 4 2 " ، وكان محارباً عنيفاً يوصي شعبه باستباحة أية أرض تطأها أقدامهم و إبادة أو إستعباد من فيها " حين تقرب من مدينة لكي تحاربها استدعها للصلح، فأن اجابتك وفتحت لك، فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير ويستعبد لك، وان لم تسالمك، بل عملت معك حربا فحاصرها، وإذا دفعها الرب الهك الى يدك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف، وأما النساء والأطفال و البهائم وكل ما في المدينة فتغتنمها لنفسك وتأكل غنيمة أعداءك. . . سفر التثنية 20 : آيه 10- 18 ."). . " تسمع الشعوب فيرتعدون ، تأخذ الرعدة سكان فلسطين . . .. يذوب جميع سكان كنعان.. سفر الخروج 15 آية 14 "
تلك نماذج من الكم الهائل الذي تضمنته الاسفار من آيات العنف المريع بما فيه ذبح الأطفال وبقر بطون الحوامل وحرق الزرع والحيوان، بالطبع تغافل عن كل ذلك مروجو الاسلاموفوبيا ورسل التنوير العدمي من ابناء جلدتنا لانشغالهم بنبش التأريخ العربي والتنقيب في القرآن عن آيات الحرب وما يستحث العنف ! !
في محطة أخرى من التأريخ العبراني يصبح الاله يهوه أقل عنفاً وأكثر وداً وقبولاً للآخر. إبان حكم الملك أهاب المتزوج من الفينيقية جيزابعل بدأت مرحلة انفتاح اقتصادي وتوثقت العلاقات التجارية مع الامم المجاورة وخاصة مع الفينيقيين الذين عرفوا بأساطيلهم وبراعتهم في التجارة. في تلك الفترة من ( العولمة) المصغرة كان لا بد للرب أن يتعولم قليلا فيدعو الى الأمانة والصدق ونبذ العنصرية والتآلف مع الغريب، فمن لغة العنف وانزال موجات الطاعون على شعب مصر وتحويل ذرات ترابها مرة الى بعوض واخرى الى ذباب أو جراد وقتل الطفل البكر لكل عائلة مصرية إلى لغة المحبة " لا تكره مصرياً لانك كنت نزيلا في أرضه... سفر التثنية 23 آية رقم 7 ".. .
"لا تعوج حكم الغريب، لا تظلم أجيراً مسكيناً من أخوتك أو من الغرباء... سفر التثنية 24 آيه رقم 14 " ....
" اذا قطعت كرمك فلا تعلله ، للغريب واليتيم والارملة يكون ".. . ليس هذا فحسب بل لم يعد يهوه شديد الغيرة، فقد إنتشرت في تلك الفترة عبادة آلهة أخرى وخاصة في شمال فلسطين.
لم يستمر التسامح الديني طويلاً بعد وفاة أهاب ومقتل أولاده من بعده ، فمرحلة الانفتاح الاقتصادي ( كما هي العولمة اليوم) قد أثرى فيها كبار التجار وحاشية الملك، بينما ألقت بصغار التجار وعامة الناس الى الفاقة والعوز، مما عبد الطريق الى نشوء حركة شعبوية (قومية إقتصادية) تنسب إنتشار البؤس والفقر الى غضب الاله الذي لم يكن سعيداً بمصافحة يد الاجانب أو الاعتراف بآلهتهم، وهكذا عادت الى الأسفار لغة الحرب والعنف والدعوة الى شن الحروب على الاقوام الأخرى والحكم بالرجم حتى الموت على من يدعو لعبادة إله غير يهوه أو يقدم النذور لبعل أو موث أو يام أو اي إله آخر.
بعد تحرير اليهود من بابل على يد قورش إستعاد يهوه جبروته إلهاً عنيفاً "هو ذا الرب يخلي الارض و يفرغها ويقلب وجهها و يبدد سكانها.... سفر أشعيا إصحاح 24 آية رقم 1". ، ألم يحرر اليهود ويسقط امبراطورية بابل دون أن تسكب قطرة دم من شعبه، وسخر بدلا من ذلك قورش الذي أطاع أوامره لخدمة بني اسرائيل فحق أن ينال (لقب قورش مسيح الرب. .)أشعيا إصحاح 45 آية رقم 1 . من هنا تكرست فكرة أن بني اسرائيل هم شعب الله المختار التي ما زالت توظف سياسياً الى يومنا هذا، ويعتقد الكاتب الامريكي روبرت رايت بان تلك الفترة هي البداية الحقيقية للتوحيد التي أصبح فيها يهوه (الوهيم) رب العالمين الأوحد.ويرى أيضا أن تلك الفترة قد شهدت شيوع نزعة النرجسية القومية في التعاليم اليهودية حين وعد الرب أن جميع الامم ستسجد صاغرة عند اقدام بني اسرائيل.
قبيل ميلاد المسيح شهدت اليهودية نقله فكرية نوعية على يد الكاهن والفيلسوف فيلون الاسكندري الذي عاش في مصر ( 50 ق.م _30 م ) .
شهدت مصر آنذاك تنافساً شديداً بين الفلسفات والاديان الاغريقية والمصرية القديمة، وكان العداء لليهود متجذراً في نفوس المصريين القدماء نظراً لمواقف الدين اليهودي العدائية لشعب مصر القديمة على مر التأريخ، ولم يكن الامبراطور كاليغولا نفسه ودوداً تجاه الديانة اليهودية، إلا أنه يدرك أهمية مساهمة اليهود في الاقتصاد وحجم الضرائب التي يسددونها لدولته. تلك المعطيات الاقتصادية والاجتماعية قد حفزت فيلون على تجديد اليهودية وتأهيلها للمنافسة مع الأديان الاخرى وتعزيز مكانتها في المجتمع المصري، و هذا ما تؤكده دعواته المتكررة لليهود بابداء الحب والعطف على الغرباء، وان لا ينسوا انهم غرباء في مصر. كانت مهمة فيلون شاقة جداً ازاء كم العنف الوحشي الذي تضمنته نصوص العهد القديم ، إلا أن ثقافته الواسعة بالفلسفة الأغريقية مكنته من تأويل نصوص التوراة وفق منهجه التأملي الفلسفي، و بالمزج بين اليهودية وفلسفة هيروقليدس و الفيثاغوريه و الرواقية وأديان مصر القديمة، ومن تأويلاته في محاولة لتخليص اليهودية من عنصريتها، يقول أن الله لم يختر إبراهيم ويعقوب واسحق لأنهم من بني إسرائيل، بل كان ابراهيم رمزاً للعلم وهو شمس الشموس ويعقوب يرمز للطبيعة، أما إسحق فهو رمز الزهد ، وان اليهودي ليس بانتمائه العرقي بل بدينه، ومن تأويلاته أيضاً أن عبور بني اسرائيل البحر المذكور بالتوراة هو رمزي ايضاً، ويعني عبور النفس بحر شهواتها الى ضفة نقاءها و طهارتها، وقد أخذ عن هيروقليطس مفهوم اللوغوس على أنها الكلمة الاولى أو العقل الاول الذي خلقه الله اولاً ليكون النظام الأساسي الذي يقوم عليه خلق العالم، وله تأويلات لامجال للاسهاب فيها.
تلك نبذة سريعة عن تطور إله العهد القديم بفعل التحولات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، يتبعه الجزء القادم عن تطور إله العهد الجديد.

المنبر الحر