المنبرالحر

شخصية لينين في ثورة اكتوبر / محمد حديد*

في الذكرى المئوية لميلاد لينين لا بد ان يتساءل كثير من المؤرخين والمفكرين عن ما كان يمكن ان يكون عليه وضع ثورة اكتوبر وتطورها وما كان يمكن ان يكون عليه اتجاه الحركة الاشتراكية بوجه عام والشيوعية بوجه خاص في العالم لو لم يواف الاجل في سنة 1924 قائد تلك الثورة ولما لم يبلغ من العمر الا 54 عاماً، ولو قدر له ان يعيش ويستمر في قيادة الثورة عشر او خمس عشرة سنة اخرى.
ان كثيرا من المؤرخين والمفكرين يعتقدون ان ثورة اكتوبر والحركة الاشتراكية كانتا تسيران سيرا افضل تحت قيادة ذلك الرجل الفذ المحنك وكانتا تتفاديان الجوانب السيئة من العهد الستاليني وما احدثه من ردود فعل وانعكاسات وان كان يرجع لستالين فضل تحقيق الثورة الصناعية في الاتحاد السوفيتي وفضل دحر العدوان النازي عليه ولكن ربما كان يمكن ان يتحقق كل ذلك بويلات اقل لو اتيح للينين ان يبقى على رأس القيادة السوفياتية لبضع سنوات اخرى.
لقد تجلت عبقرية لينين في انتاجه الفكري وان كانت هناك اعتراضات على بعض المناحي التي نحاها فيه وتجلت في الارادة القوية والمثابرة العنيدة في العمل لتحقيق اهدافه من جهة وفي المرونة التطبيقية التي واجه بها مواقف حرجة من جهة اخرى، وبهذه الصفات والميزات استطاع ان يقود ثورة اكتوبر للنجاح في بلد لم يكن من المتوقع حسب التحليل الماركسي ان تنضج فيه تلك الثورة، آنذاك، وفي ظروف صعبة واجه فيها تدخلا خارجيا وحربا اهلية ومشاكل اقتصادية ادت حتى الى المجاعة العامة. ومع كل ذلك فان الهدف الواضح مع الافق الواسع الذي اتسمت به قيادة لينين في معالجة المواقف مكناه من التغلب على تلك المصاعب جميعها.
ويعود الى لينين الفضل الاكبر في دفع الكفاح ضد الامبريالية دفعا قويا وفي توجيه سياسة الاتحاد السوفياتي الى مناصرة الحركات الوطنية، في الاقطار التي كانت ترضخ تحت الاحتلال الاجنبي او تعاني من سيطرة الاستعمار فان نشر الاتفاقية السرية المعقودة بين روسيا القيصرية وبريطانيا وفرنسا لاكتساح مناطق النفوذ في الدولة العثمانية وبضمنها البلدان العربية خلال الحرب العالمية الاولى وغيرها من الاتفاقات السرية التي نشرت بعد ثورة اكتوبر قد فضحت مخططات الاستعمار آنذاك كما أن قيام ثورة أكتوبر بإلغاء تلك الاتفاقيات من جانب الاتحاد السوفييتي منفردا، كما فعل مع ايران وقيامه بمساعدة الحركات المسلحة ضد الاحتلال والنفوذ الاجنبي كما فعل في تركيا والافغان. كل ذلك اعطى الحركات الوطنية ضد الاستعمار تشجيعا ماديا ومعنويا مكنها من الفوز باهدافها واضطر الاستعمار الى الانسحاب والانحسار على مدى الاعوام المتعاقبة بعد ذلك.
انني كديمقراطي اختلف مع جانب من المعتقدات والاساليب التي اتبعها لينين، ولكن لا يستطيع احد الا ان يعترف بعبقريته الفذة ولا يستطيع احد الا ان يعترف بما كان لذلك الرجل العظيم من اثر بالغ في تاريخ العالم الحديث.
ــــــــــــــــــــــــــ
* السياسي العراقي الراحل من كتاب صدر في بغداد سنة 1970.

المنبر الحر