المنبرالحر

سجن نكرة السلمان / د. حمدي التكمچي

مرت الحركة الوطنية وخاصة الحركة اليسارية في العراق بتجارب مؤلمة، خاصة بعد الاربعينات من القرن الماضي: قمع التظاهرات بالرصاص، إغلاق الصحف، منع الاحزاب والنقابات، تكميم الافواه، قمع كل ما هو خير وتقدمي وزج الوطنيين من المثقفين وغيرهم في السجون وتعذيبهم وحتى قتلهم، وزج العراق في معاهدات عسكرية.
وكانت فترة حكم البعث بعد انقلاب شباط 1963 من اقسى واعنف هذه التجارب، حيث عانت البلاد القتل والحبس والتشريد والتعذيب والتهجير لمئات الآلاف من خيرة ابناء الشعب العراقي، وشهد العراق حروباً ضد الشعب في الداخل وضد الشعوب المجاورة في الخارج.
لقد اراد حزب اليعث القضاء على جيل كامل، هو خلاصة اجيال قبله من ثقافة وعلم وتقدم ووطنية، واستمر في نهجه هذا حتى سقوطه عام 2003.
وكان زج الآلاف من المثقفين الوطنيين في (نقرة السلمان) بعد انقلاب 1963 وخاصة ركاب (قطار الموت) من الامثلة الصارخة على الظلم والاستهتار والبربرية.
وقد اطلعنا شفهياً وتحريرياً على كثير من الاوضاع في (نقرة السلمان) وخاصة من قبل سجنائه.
وأنا مهما بلغت من معرفة ودراية، لا استطيع ان اكتب واصف واعبر عن اوضاع (نقرة السلمان) مثلما كتب حولها الكاتب والاديب المثقف الوطني الاستاذ جاسم محمد المطير، مثل ما جاء في كتابه "نقرة السلمان". (الكتاب 546 صفحة، الطبعة الاولى 2011).
وسوف استعين بهذا الكتاب لذكر بعض الاوضاع وبشكل مختصر جداً.
لقد انشأ الحكم الانجليزي للعراق هذا السجن في صحراء قاحلة بين مدينة السماوة والحدود السعودية، وتم توسيعه تدريجيا ليصل عدد نزلائه الى اكثر من 4000 سجين.
يتكون السجن من قسمين: الاول هو السجن القديم والثاني هو السجن الجديد. ويحتوي السجن الجديد على 10 قاعات، يفترض ان تستوعب كل منها 20 سجيناً. ولكن عدد النزلاء وصل الى 240 سجينا في كل قاعة.
وبالرغم من بُعد السجناء عن اهاليهم ومعارفهم، ومنعهم من الاتصال بالعالم خارج عالمهم، والعواصف الترابية، وقلة المياه العذبة، وعدم توفر ادنى مستويات الحياة المادية، فان النزلاء خلقوا عالمهم، بحسن التنظيم والارادة والامل والتعاون والتفاؤل بالحياة القادمة التي يجب ان تُنهي الظلم وتنشر الحرية والعدالة والمساواة.
بدأ تنظيم حياة السجن بالشكل الآتي:
- قسم خزن وتنظيم الاكل والطبخ.
- قسم تحضير الماء ونقله الى السجن وتوزيعه على السجناء.
- قسم الصحة ويديره جماعة من الاطباء، كالطبيب رافد صبحي اديب بابان والدكتور قتيبة الشيخ نوري والدكتور عبد الصمد نعمان وغيرهم ويضم هذا القسم ايضاً قسم الصيدلة والادوية الضرورية.
- قسم الدراسة ومكافحة الامية وتدريس الاقتصاد والفلسفة واللغات الاجنبية. وقد اهتم بهذا القسم كل من السجناء عزيز سباهي وجعفر الفلاحي ونعيم بدوي وسامي احمد وغيرهم.
- قسم تحرير الجريدة اليومية، واهتم بهذا القسم كل من جاسم المطير وعبد المنعم الاعسم وجماعتهم.
- اللجنة الثقافية..القاء المحاضرات والمناقشات.
- اللجنة الرياضية.. الاشراف على النشاطات الرياضية.
- النشاط الفني والمسرحي ويديره قتيبة الشيخ نوري وطالب محمود ..الخ.
- النشاط الادبي: شعر، ادب قصص ..الخ (مظفر النواب، الفريد سمعان، فاضل ثامر، سعدي الحديثي ..الخ).
- واعود هنا الى ما ذكره الاستاذ جاسم المطير في كتابه "نقرة السلمان" ص29:
اول جمهورية للحكم الذاتي انشأها بأنفسهم لانفسهم سجناء شيوعيون ووطنيون في نقرة السلمان.
اول جمهورية شيوعية حرة في عمق الصحراء راحت تحاول ان تجرب المساواة والديمقراطية بعذاب مشترك واحد، وبسعادة مشتركة محدودة بنفس الحدود لجميع مواطنيها، يأكلون نفس الطعام ويتذوقون نفس الشراب ويتنفسون نفس الغبار.
اول اسطورة من اساطير الديمقراطية اجدها متحققة في ظروف قاسية وتركيب اجتماعي قاس وتنظيم انساني قاس. وجدت المقولة الشهيرة لابراهام لنكولن: "حكومة الشعب يديرها الشعب من اجل الشعب" متوفرة ايضا في هذه النقرة. حيث السلطة الواقعية داخل السجن بيد السجناء انفسهم، اي ان القاعدة التي نادى بها لنكولن قد تغيرت الى "حكومة السجناء يديرها السجناء من اجل السجناء".
وهكذا اراد السجناء من خيرة ابناء الشعب العراقي، من علماء ومهندسين وادباء وشعراء وفنانين ومسرحيين وهم في قمة الثقافة والعلم والوطنية، ان يخلقوا مجتمعا في (نقرة السلمان) يكون مثالا لوطنهم العراق.
ولقد خرجت هذه القمم الثقافية من سجن نقرة السلمان وهي بأشد عزيمة واعلى شعور بالمسؤولية والوطنية.. بينما ذهب الطغاة الى مزبلة التاريخ..

المنبر الحر