/
/
/

في احتفالية يوم القدس والذي صادف يوم الجمعة الأخيرة من رمضان، فرضت بعض الفصائل المسلحة على السلطة العراقية أن يجري الاحتفال في أحد أكبر وأطول شوارع العاصمة بغداد وهو شارع فلسطين، وأقامت استعراضا عسكريا كبيرا رفعت فيه ما يشير لارتباطها بولاية الفقيه الإيرانية مع ظهور خجول أو معدوم للعلاقة بالعراق، وهذا ما يعطي الانطباع ببعد تلك الفصائل عن حاضنتها المحلية وهشاشة ارتباطها بالحامل الوطني. ثم وبعد أقل من يومين ينفجر كدس عتاد موضوع في حسينية تابعة للتيار الصدري في مدينة الفقراء الثورة ليذهب من جراء انفجاره العشرات من الضحايا والأملاك الخاصة بالمواطنين .

على هذه الشاكلة وغيرها من الأحداث نجد العراق يواجه اليوم حزمة من المشاكل والأزمات الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها، وتوجد جملة من المواضيع المرتبطة بكل هذا،وواحدة من أهم تلك المشاكل وأعقدها علاقة تلك الفصائل المسلحة بالوطنية العراقية.وهذا ما يستوجب المزيد من الدراسة والبحث الذي يساعد على استيعاب أفضل للتطورات الجارية، خصوصاً مع تصاعد الحراك المطلبي وبقاء جذوة الخلاف السياسي متقدة.

معاناة الحاضر عند الإنسان تجعله في حالة رعب مما يخبئه له المستقبل، فبمقدار عجزه عن مجابهة وضعه الحالي، نجد أن حياته تبقى معلقة بما يخبأه المستقبل غير المنظور أو الهلامي المشبع بالمتاهات. فالعراق اليوم في ظل التركيبة السلطوية ووفق وقائع إدارة الدولة، والصراع على الغنائم وتقاسم مصادر القوة والمال، يواجه حزمة من المشاكل والأزمات، يكاد الفرد يقترب معها من الرعب اليومي أو الانفصام النفسي جراء الإحباط الذي يواجهه يوميا وما يقع عليه من أضرار ناتجة عن تلك الأزمات. فانعدام الطمأنينة  على رزقه اليومي وعائلته ومصيره الشخصي، تجعله  في وضع مختل التوازن، فاقد للسيطرة على قدراته، خائف من المستقبل وما يحمله له من مطبات وعثرات يجدها تثلم  ضمانات الحاضر رغم شحتها وعسرها، ومن هذا يفقد الفرد القدرة على التخطيط . وبسبب فقدانه الجهد الذاتي نجده في النهاية لا يستطيع السيطرة والتحكم بمصيره،ويجد نفسه بسبب هذا الرعب اليومي الكامن والمتربص به، إن لا حول ولا قوة له في مواجهة خصوم وكوابح عديدة تعترض كده وحياته اليومية.

فالبطالة المستشرية بين أوساط الشباب، وضعف الروابط الاجتماعية، تدهور التعليم، هشاشة الرابط الوطني، تفشي الأمية وانتشار الخرافة حتى بين أوساط المتعلمين. جميعها كانت وستبقى نذر شؤم سبغت بطابعها المجتمع، وأضفت عليه صفات وطباع لم يألفها سابقا. ولا شك أن مجمل ذلك كان سببا في اعتلال المجتمع واهتزاز قيمه، وبالذات لدى الشرائح الفقيرة منه التي أصبحت مع الوقت تشعر باليأس وانغلاق الأفق وانعدام الفرص للارتقاء بالوضع الشخصي والعائلي. ليأخذ هذا الواقع المتردي، عند مجاميع الشبيبة تعبئة نفسية سلبية دائمة بسبب اضطرابات منهجية بالتفكير ترافقها الانفعالات والتحدي والنوازع العدوانية. وهذا القطاع الواسع من العراقيين، يتصف ببنية دينامية تبحث عن الرزق داخل فم الأسد مثلما يقال،وتركب الصعاب لتثبت للجميع وجودها الإنساني. وكان من المناسب ظهور جهة ما تعمل على امتصاص هذا الغليان الشعبي والسيطرة عليه، لا بل توجيهه والاستفادة من طاقاته الحيوية الكامنة، بتوفير منفذ له للتنفيس عن المكبوت النفسي والقوة الجسدية.

 عند نقطة فاصلة من حياة الشعب العراقي وإثر التهديد الذي أنتظم على حدود عاصمة الدولة  بغداد والمدن الشيعية المقدسة، اتجهت الأنظار نحو تلك الطاقات الموجودة عند هؤلاء الشباب والمغيبة جراء التهميش والبطالة. وهذا ما فعلته المؤسسة الدينية وبعض الأحزاب التي تدعي الارتباط بها أو القريبة منها . حين أدركت ضرورة زج هؤلاء واستغلال قواهم وقدراتهم للوقوف بوجه أعداء العراق ويتقدم على ذلك مصطلح، أعداء الطائفة.

ظهور الفصائل المسلحة

على مدى خمسة عشر عاما لم تقدم السلطة الحاكمة حلولا ناجعة للبطالة ومشاكل الفقر وتردي الخدمات، وإنما ازداد العوز والفقر، وأصيبت مجالات التعليم والمعرفة بانتكاسات شديدة، وتصاعدت وتيرة الاعتداء على الملكيات العامة والخاصة، وشوهت السلوكيات الخطيرة إدارة مؤسسات السلطة، وما استطاع رجالها خلال تلك الأعوام غير زج المجتمع في حومة الصراعات الطائفية والقومية، لتختصر الكثير من احتياجات الناس وتحجر تحت يافطة الهوية الطائفية والصراع المذهبي، الذي استعر في ظل الاحتلال الأمريكي الذي عمل بدوره جاهدا مع شركاؤه من القوى المحلية، على تغذيته وجعله يتقدم الواجهة ويحتل الصدارة في أسباب تصعيد واستشراء التوترات الاجتماعية.

مع دخول طلائع الجيش الأمريكي، ظهرت إلى العلن أولى تشكيلات المقاومة الشعبية، الرافضة للاحتلال، وتميز بناء هذه المقاومة بخليط من قيادات عروبية وبعثية وإسلامية غلب على مقولاتها الدوغمائية، واجتذبت الشباب من رافضي الاحتلال، وكان ثقل تلك التنظيمات ونشأتها  في بغداد والمدن ذات الغالبية السنية. وبمرور الوقت أفصحت تشكيلات عديدة عن نفسها، مثل كتائب ثورة العشرين التي تأسست عام 2003 ،والجماعة السلفية المجاهدة في الشهر السابع من نفس العام، ثم  توالى تأسيس تلك المليشيات السنية مثل جيش العزة والجبهة الإسلامية للمقاومة العراقية وجيش أنصار السنة وجيش محمد والنقشبندية ومن ثم تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين بزعامة الزرقاوي وصولا إلى داعش. وجميع تلك القوى وضعت نصب أعينها محاربة المحتل والقوى السياسية التي قبلت التعامل معه، وسبق جميع تلك المليشيات في التأسيس الجيش الإسلامي الذي ظهر إلى الوجود قبل سقوط نظام البعث في العراق بعدة أشهر. وكانت قاعدة خوض المعارك تبنى على أسس العداء المذهبي للشيعة ومشاعر خسارة السلطة بعد عقود طويلة كانت ومؤسساتها تخضع لشروط وخيارات رجال يحسبون على المذهب السني.  

فيما برزت على نحو ظاهر تشكيلات مسلحة شيعية عام 2003 أي بعيد الاحتلال مباشرة، رافضة لما تبناه الاحتلال من إستراتيجية للعراق، تمثلت أولا بأنصار السيد مقتدى الصدر الذي أطلق عليهم لاحقا تسمية جيش الأمام المهدي ثم سرايا السلام ومجاميع صغيرة أخرى. ولكن فيلق بدر وهو الجناح العسكري للمجلس الإسلامي الأعلى وقتذاك، كان قد تشكل في إيران عام 1983 تحت أمرة المجلس الإسلامي الأعلى لغرض مناهضة صدام حسين ومحاربة الجيش العراقي، ومازال فيلق بدر يمارس نشاطاته بقيادة السيد هادي العامري حتى بعد انفصاله عن المجلس الأعلى. ومن رحم جيش الأمام المهدي الذي جمد نشاطه في 21 تموز عام 2007 ظهرت مجموعة عصائب أهل الحق بقيادة الشيخ قيس الخزعلي الذي استقل عن جيش الأمام المهدي عام 2008 .وكانت كتائب حزب الله قد شكلت سراياها أثر خلافات داخل فصيل العصائب وكذلك بين أوساط جيش المهدي، وأتى ذلك قبيل فتوى رجل الدين الشيعي السيد السيستاني بأكثر من عام. وأُسس لواء اليوم الموعود وظهر إلى الوجود في ذات السنة. وهناك فصائل إسلامية شيعية تشكلت بالتعاقب. وكان لتفجير ضريح الإمامين علي الهادي والحسن العسكري يوم 22 فبراير سنة 2006 الأثر الفعلي لظهور كثير من الفصائل المسلحة الشيعية. وشكل ظهورها إنذارا ببدء الصراع الطائفي الذي أشتعل أواره إثر ذلك العمل الخسيس الذي أقترفه فصيل سني مسلح، وكان حدثا قدح شرارة الفتنة الطائفية،ودفع  الفصائل المسلحة من كلا الطرفين لاقتراف جرائم بشعة راح ضحيتها العشرات من البشر الأبرياء.

كان احتلال مدينة الموصل في العاشر من حزيران عام 2014 من قبل الدولة الإسلامية في العراق والشام ( داعش ) وحلفائها من بقايا حزب البعث وذراعه المتمثل بجيش النقشبندية وبعض القبائل عربية وباقي الفصائل السنية المسلحة، نقطة تحول مفصلية في تاريخ الدولة العراقية، وسجلت تلك الواقعة انهيارا مريعا لقيادات الجيش العراقي، وهزيمة كاسحة لعدد من فرقه العسكرية، واستحوذت داعش في تلك الواقعة على كميات كبيرة من معدات وأسلحة تلك الفرق العسكرية. وإثر تلك التداعيات التي حصلت في ثاني أكبر مدن العراق، استطاعت المليشيات العشائرية المسلحة بقيادة داعش التمدد واحتلال مساحات واسعة من محافظة صلاح الدين، ثم وبشكل سلسلة من الهجمات التصاعدية استطاعت السيطرة على أجزاء كبيرة من محافظة الأنبار ومناطق شمال محافظة بابل وبالذات القرى والبلدات القريبة من العاصمة بغداد والواقعة جنوبها. ووصلت بقدراتها وبصورة مباغته إلى محيط العاصمة بغداد وجوارها من الجهة الغربية، وبالذات ناحية أبو غريب وجرف الصخر والكَرمة والفلوجة والحبانية، وكذلك جاورت طلائعها حدود محافظتي كربلاء والنجف، من جانب منطقة النخيب والصحراء. وكانت الغاية من تقدم داعش وانتشارها قرب بغداد، محاولة تطويق العاصمة من جميع الاتجاهات وإسقاطها عسكريا وإداريا ومن ثم التوغل نحو الجنوب.

مبرر تشكيل الحشد الشعبي

شكل انهيار الجيش العراقي واقتراب فصائل داعش وحلفاؤها من مناطق بغداد ومدن النفوذ الشيعي، الهاجس المقلق، لا بل التحذير الحقيقي من خطر قادم أرعب القوى السياسية ودفع المؤسسة الدينية الشيعية للتعامل معه بكل ما تمتلك من عزيمة وتأثير، لذا أطلق المرجع الشيعي الكبير السيد علي السيستاني فتواه التي دعا فيها جميع العراقيين إلى الجهاد، وسماه الجهاد الكفائي، وهو نوع من أنواع الجهاد، يوجه لجماعة محددة من المسلمين، ويسقط عن الباقين، ولا يلزم الجميع الجهاد فيه. وتعد دعوة السيد علي السيستاني التي أطلقها يوم 13 يونيو 2014 نقطة تحول في طبيعة المعارك على الأرض العراقية، وجاءت في الوقت الحرج، لتوقف التداعيات في جبهات القتال، وتحجم مظاهر انهيار القوات المسلحة. فقد لبت نداء المرجعية مجاميع كبيرة العدد،وكان تدفقهم مفاجأة للجميع، وما كانت لتستطيع المؤسسة العسكرية المتهالكة استيعابهم، وفي ذات الوقت ما كانت قادرة على تأمين السلاح والعتاد لهم.عند ذلك دخلت المؤسسة السياسية والعسكرية الإيرانية على خط حاجة وافتقار تلك الحشود للتجهيزات والتمويل لتكون الممول الرئيسي للكثير من تلك الفصائل سلاحا وأموالا ووفق شروط التبعية وليس غير ذلك.

 وكانت هواجس الخوف والقلق لدى المؤسسة الدينية الشيعية العراقية ومثلها بين غالبية الطائفة الشيعية وأحزابها الإسلامية من التداعيات المقبلة، إن استمرت داعش بالتمدد، فرض نوعا من التحدي وعزيمة تخلت كليا في سعيها لإنشاء هذا الحشد، عن المثالب التي اعترت التجميع والبناء. ولم يتوقف زخم التطوع رغم التشكيك والانتقادات التي رافقت سرعة حشد الآلاف في هذا الجيش العرمرم الذي لا يمتلك المعرفة المهنية أو الاحتراف في المهام والسلوك العسكري. ولم تكن الأيام القليلة في معسكرات الإعداد تكفي لجعله قادرا على حسم معارك كبيرة في مناطق مختلفة التضاريس وموزعة على رقعة جغرافية كبيرة ومتباعدة، وكذلك بمواجهة صولات حرب العصابات التي تجيدها مجاميع داعش وحلفائها. ولكن ورغم الضحايا الكثيرة التي قدمها الحشد الشعبي،والمشاكل والمعوقات الخطرة التي واجهها،استطاع أن يثبت أن من الممكن للعزيمة إن ترافقت مع أي نوع من أنواع العقائد، أن تدحر أعدائها أو تقف ندا في وجه مشاريع خصومها ونواياهم، وهذا ما حدث في معارك تحرير آمرلي وجرف الصخر ومناطق حزام بغداد وتكريت والدور وغيرها .

ما هي طبيعة تشكيلات الحشد الشعبي

تألف الحشد الشعبي من آلاف الرجال الذين انضموا تحت رايات ما يقارب الأربعين فصيلا، ترافق بناء تشكيلاتها إثر فتوى السيد السيستاني. ولكن ومنذ البداية، ظهر إن هيكلتها خضعت لرغبات بعض قادة العمل السياسي ورجال المؤسسة الدينية، وأيضا البعض من المقربين لفصائل العمل العسكري الشيعية الكبيرة أو المنشقين عنها. كذلك شارك في الاستعدادات والتهيئة والبناء والقيادة، رجال عشائر من الذين يستمدون قوتهم من قبائلهم. وفي صلب هذا المشهد المتنوع في الشخوص والنوايا، نشأ صراع الإرادات  وبرزت ظاهرة التكتلات والاستحواذ على المكاسب المعنوية والاستفراد للحصول على امتيازات عسكرية سلطوية وسياسية. ومنذ البداية طفح خيار الرغبات الشخصية لبعض قيادات سرايا الحشد، لينشأ كل رجل طامح للقيادة، سرية خاصة به، ولم يكن الآمر ليخلو من التبعية للقوى الاقليمية. فكانت كتائب سيد الشهداء قد ظهرت للوجود بتمويل من الحاج أبو سيف وكان في ذات الوقت مسؤولها العسكري. أما سرايا الجهاد والبناء فقد أفصحت عن تركيبتها بكونها الجناح العسكري لحركة سياسية بذات الاسم ترتبط مباشرة بالجانب الإيراني. هناك أيضا كتائب التيار الرسالي وهو فصيل عسكري بقيادة عدنان الشحماني ومرجعيته رجل الدين الإيراني السيد كاظم الحائري. ثم فصائل حشد شعبي أخرى بمسميات عديدة مثل سرايا الخرساني، سرايا عاشوراء، سرايا العتبات، سرايا العتبة الحسينية، لواء المنتظر، كتائب الغضب، درع الشيعة، لواء القارعة وغيرها الكثير. وأغلب هذه الفصائل وبمفارقة غريبة تبتعد عن ولاية السيد علي السيستاني لترتبط بولاية الفقيه الإيرانية الممثلة بالسيد الخامنئي واعتباره مرجعيتها الأولى.

 وحسب تصريح البعض من قادة الحشد ، كانت هناك تعبئة شعبية من أجل حشد الآلاف وزجهم في المعارك، ليقفز عديد الحشد إلى ما فوق المليون متطوع، ليكونوا مستقبلا نواة قوات للتحرير ومن ثم مسك الأرض مثلما أعلن حينها. ومثلما معروف عن الجهات الخارجية التي تمول تشكيلات ما أطلق عليه فصائل المقاومة السنية وهي دول إقليمية كثيرة منها السعودية وقطر وتركيا، فإن الكثير من تشكيلات الحشد الشعبي الشيعية، يأتي تمويلها من جهات أغلبها من داخل إيران وتجار شيعة من دول الخليج.

في خضم المعارك التي دارت نجد أن تعريف وعمل سرايا الحشد الشعبي عنوانا وقيادات و أفراد، كان يوضع تحت جناح ويافطة فصائل وقوى كبيرة، كان لها كيانها وخصوصياتها ومشاريعها منذ ما قبل سقوط الموصل أو قبل زمن بعيد من فتوى السيد السيستاني، ونرى أن تلك الكيانات الكبيرة هي من يضع الخطط ويقود القوة القتالية في المعارك مع الخصوم.أما سرايا الحشد الشعبي ( الكفائي) وفي جميع تلك المعارك فقد حصر دورها في المشاركة عبر الانضواء  طوعا تحت راية إحدى تلك الفصائل. ويمكن حصر هذه الفصائل القيادية الكبيرة بثلاث كتل هي سرايا السلام :السيد مقتدى الصدر، قوات بدر: السيد هادي العامري ، عصائب أهل الحق: الشيخ قيس الخزعلي. وضمن سياقات العمل السياسي وموجبات استغلال الفرص في العراق، تمرر تعابير لفظية ورمزية الغرض منها زج الفصائل الكبيرة ضمن تعريف الحشد الشعبي، وجعلها من داخل المجاميع التي لبت فتوى الجهاد الكفائي الذي أطلقها السيد علي  السيستاني لأسباب سياسية دينية وطنية وقبلها الحصول على المكاسب المالية بعد أن احتسبت للحشد رواتب ومخصصات، وليفرض على الدولة خيار أحتسابها من ضمن تشكيلات الحرس والجيش الوطني.

ورغم مشاركة سرايا الحشد الكفائي في جميع المعارك ضد داعش، واختلاط قواها بقوى الفصائل الكبيرة، فأن الصورة تبدو ملتبسة في حيثيات كثيرة، بل يموه على حقائق ووقائع لا جدال حولها. ففي الوقت الذي يعلن عن ارتباط سرايا الحشد الشعبي بالمؤسسة العسكرية العراقية، وبالذات بشخص القائد العام للقوات العسكرية، فأن الفصائل الرئيسية الكبيرة وكذلك أخريات غيرها،دائما ما تفصح دون مواربة وبشكل جلي عن درجة استقلالها عن المؤسسات الحكومية، وتنفرد بخصوصياتها السياسية والتعبوية والسوقية، وتجري نشاطات واستعراضات عسكرية لا علاقة لها بالمؤسسة العسكرية العراقية، ولم يكن ليأتي هذا الإفصاح اعتباطا، بقدر ما هو وسيلة للتفرد ونزوع نحو الخصوصية السياسية والعسكرية وارتباطها بالعامل الخارجي كموجه وراعي.

دائما ما واجهت المحاولات الكبيرة والعديدة لإيجاد سبل للوصول إلى ما يساعد على زج أبناء الطوائف والقوميات العراقية من غير الطائفة الشيعية في الحشد الشعبي موانع كثيرة، فنجد هذا الآمر في ميزان حركة القوى الاجتماعية والسياسية لضعيف جدا، ويلاحظ المرء مدى الصعوبة في انخراط هؤلاء في سرايا الحشد الشعبي، والمؤسف في الأمر أن مثل هذا الفعل رضخ ومازال للشد الطائفي، لا بل وبسبب هذا وضعت في الكثير من الأوقات اشتراطات لمنع الحشد من دخول المناطق ذات الغالبية السنية ومشاركتهم في تحريرها. أيضا جرت هناك ولازالت حملة إعلامية داخلية وعالمية ظالمة في بعضها، تطعن بنوايا الحشد الشعبي وتضعه في خانة عصابات القتل والسرقة والاغتصاب وغير ذلك من الجرائم.وقد نجحت وسائل الإعلام العربية والعالمية وحتى المحلية في إيصال معلوماتها وتقاريرها الحقيقية والكاذبة عن الحشد الشعبي إلى الأمم المتحدة وأوساط الهيئات الدولية المعنية بحقوق الإنسان والسلم العالمي والهجرة وغيرها، التي بدورها أشارت في بعض تقاريرها لما يدين الحشد الشعبي ويتهمه بالتوحش.

نجد اليوم أن بعض الفصائل العسكرية ومثلها الشعبية من مختلف الطوائف والقوميات وأيضا الكثير من العشائر، لا تحاول تقويض العلاقات وطرق التعامل السابقة التي تربت عليها على عهد حزب البعث،وكان ذلك تاريخا طويلا، خاصة في وسائل تعاملها مع الناس، بقدر ما تحاول وفي الغالب التماهي مع تلك التقاليد والأعراف وإعادة استخدامها، والاستمرار بذات البنية من العلاقات المبنية على القوة والقسوة والتهديد، والعمل على تطويع الغير وتدجينه بفرض أفكارها ورغبات وخيار أفرادها. وباتت الممارسة المسلحة لا تقتصر على جبهات القتال، وإنما البعض يمارسها داخل المدن. فتهديد الناس وخطف الأفراد والاعتداء على المؤسسات والمقرات الرسمية والأهلية وكذلك الاستعراضات العسكرية التي تجريها تلك القوى في شوارع المدن وبمختلف أنواع الأسلحة، تفتقر إلى القيم الثورية الأخلاقية الحقيقة، وهي في حقيقة الآمر تهديد مباشر للسكان وللسلم الاجتماعي. ودائما ما عرف عنها، بعدها عن أية التزامات سياسية واجتماعية، وإنما يتمحور فعلها فقط تحت شعار أنصر أخاك ظالما أم مظلوما دون تمحيص وتدقيق. وفي أغلب الأوقات فإن هذه القوى المسلحة بالإضافة لقوتها العددية المدججة بالسلاح، دائما ما تعوض نقصها الثقافي بأفعال تفصح عن استعلاء وشعور رامبوي بالتفوق يزدري قيم الآخرين وخياراتهم ويحاول إخضاعهم لجبروته.  ولم يكن ليأتي هذا اعتباطا، فما دام المجتمع المدني هزيل وبناه محطمة ومبعثرة، والهويات تتبدل وتتغير بفعل وسطوة الطائفية والعشائرية وانتشار السلاح، فأن قدرة الناس على الخلاص وبناء نموذج حضاري مدني يخضع لسلطة القوانين وليس غيرها، تبقى مضمرة وخاضعة لتهديد وهيمنة تلك القوى المسلحة التي هي وفي الكثير من الأماكن والأوقات صاحبة الكلمة العليا.  وهذا يضعنا أمام جملة أسئلة تثار عن طبيعة وأهلية الحشد الشعبي بجميع فصائله ليكون ظهيرا للقوات المسلحة العراقية أو قوة حامية للسلم الاجتماعي .

أغلب اللوم يوجه اليوم  إلى الجانب الحكومي، وتحديدا في ناحية قصوره وتباطؤه بدمج هذه الفصائل بالجيش العراقي وفق سياقات عسكرية وقانونية ومهنية بحته بعيدا عن رغبات وهواجس طائفية أو سياسية.ولكن  الفوضى والعشوائية في القرارات واضطراب منهجية التفكير والقصور في فهم الحالة العامة، وسيطرة الذهنية النفعية وتصاعد مظاهر الشخصنة والتفرد والتناحر والتسابق على المكاسب السياسية والمالية، وارتفاع نسب التخندق الطائفي على حساب الوعي بالهوية الوطنية، مع الارتباط بمشاريع وأجندات من خارج الحدود الوطنية العراقية، لذا ومن كل هذا وغيره يمكن أن يضع الحشد الشعبي وقبله الفصائل المسلحة جميعها، على مسافة بعيدة جدا عن المؤسسة العسكرية، ومن غير الممكن أن يكون الحشد ظهيرا لها. بل من الممكن أن نجده وبعد القضاء على داعش نهائيا، أحد أكثر مصادر التهديد لتلك المؤسسة، ومن ثم للحريات العامة وأي مشروع لدولة مدنية تسعى قوى الشعب الديمقراطية الوطنية لبنائها.  ومن الجائز القول أن استفحال الخلافات بين قادة الفصائل الكبيرة، يمكن له أن يقوض تجربة الحشد الشعبي ذاتها، ويدفع مستقبلا إلى احتراب وقتال، إن لم يستطع العراب الخارجي للفصائل ذاتها منع حدوثه، فإن السلطة العراقية لن تجد القدرة على وقف تداعياته، ليكون بالنتيجة النهائية عامل ناسف لتجربة الديمقراطية الهشة التي بنيت عليها السلطة.

ليس هناك في الأفق ما يشي بخروج سحري من المأزق، فسياسات السلطة وترددها، وضعف مؤسسات الدولة، قاد لاستشراء وانتشار المليشيات المسلحة، موزعة على كامل الخريطة الجغرافية للعراق. ومع تضخم أعدادها وقدراتها العسكرية، وتعدد الأطر المرجعية لها، وضعف خطط المؤسسة العسكرية الذي جعلها الطرف الضعيف أمام الفصائل المسلحة إن جد الجد. ولا يمكن التطرق لمجمل تلك العيوب والأخطار المحدقة بالمؤسسة العسكرية،دون ربطها بالفشل الذي يعتور عمل مؤسسات الدولة بعمومها،  والعجز في ميزانية الدولة وانتشار الفساد الإداري والمالي بين أوساطها.

وأود هنا القول، لو قيض لنداء المرجعية أن يكون على شاكلة إعلان حالة طوارئ تصدر عن الحكومية العراقية تحديدا وحصرا، تدعو فيها لبناء فصائل عسكرية ترتبط بوزارة الدفاع وبعيدة عن التخندق الطائفي، لكان لها أن تكون الصيغة الأمثل والقريبة جدا من نيل القبول عند باقي طوائف وقوميات الشعب العراقي، وفي الوقت ذاته تكون بابا واسعا لإعادة هيكلة القوات المسلحة. وارى أن مثل هذه الدعوة لازالت تمثل أفقا رحبا وجيدا يمكن من خلاله احتواء سرايا الحشد الشعبي ومتطوعي العشائر ووضعهم ضمن بنية الجيش العراقي ويعاد معها بناء وهيكلة المؤسسة العسكرية بعمومها.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل