المنبرالحر

البطل كما يفهمه المواطن العراقي وكما تراه نظريات علم الإجتماع / علي عبد الواحد محمد

(أعطني قليلا من الشرفاء، وأنا أحطم لك جيشا من اللصوص والفاسدين والعملاء) ... جان جاك روسو (1712—1778)
بمناسبة الإنتصار الكبير على داعش ، وتحرير نينوى من نيرها الإنتصار الكبير وما رافقه من اعمال بطولية رائعة سطرها المقاتلون في سفرهم النبيل، تستحق منا الوقوف إجلالا لبطولاتهم تلك، ولتضحياتهم وللشهداء الذين رووا بدمائهم شجرة الحرية . لقد سطر الأبطال صفحات رائعة ، سوف تترك بصماتها ، وتأثيراتها على الواقع العراقي ، لسنوات طوال قادمة ، وستغذي المأثور الشعبي العراقي ، بإخبار البطولات والتضحيات ، والدولة مدعوة لإستثمار هذه الحمية العراقية الزاهية ، والتفاعل معها عمليا ، وتحويلها الى إنطلاقة للبناء والتنمية والسمو.
البطولة التي عشناها في هذه الحرب الطويلة ضد داعش ، حملت معاني الإشتباك العسكري والمعركة مع الأعداء ، التي تجلى فيها صبر المقاتلين على اهوال الحرب ، والتضحية بالنفس لتحقيق الإنتصار، لقد كانت ميزة كل مقاتل فيها هو التغلب على الخوف والتردد ، والثبات في مواجهة شراسة العدو. وهم بذلك قرنوا واقع صمودهم ، مع ما تحمله ذائقة الشعب العراقي، لمعنى البطولة والثبات في ساحات الوغى.
وإذا تتبعنا آثار قيم البطولة في تراث شعبنا ، سنجد ميادين ، سامية أخرى غير ميدان الوغى ، مرتعا للبطولة، ومنها ميدان الإسراع الى إغاثة المحتاجين للإغاثة ، فقد كانت مدن بلادنا واريافها مهددة دائما بالفيضانات ، وكانت معظم البيوت مبنية من القصب أو الخشب ، حتى وإن كانت مبنية بالطابوق ، الا إن سقوفها من الخشب ومن القصب ، إذن كان خطر الحريق داهما ، في الأغلب من الأحيان، فعند وقوع الحرائق كان الناس يبادرون لمكافحتها ، وإطفائها غير منتظرين وصول رجال الأطفاء. وهنا نجد الأبطال المتفانين في مكافحة الفيضانات والحرائق ، وهناك ميادين عديدة لظهور الأبطال ، خاصة في المواقف الإنسانية التي يهب فيها الناس للمساعدة ومد يد العون لمن يحتاجها ، فكانت الحكايات عديدة ومتنوعة عن أبطال مجهولين، تميزوا بالشهامة والكرم وحب الخير، ومد يد العون لمن يحتاج ، وكانت الرأفة لا تقتصر على إنجاد الإنسان بل تعدته الى الرأفة بالحيوانات ايضا.
إذن البطولة في بلادنا تجسدت في الميادين العسكرية وفي الميادين المدنية على مختلف أنواعها.
وإذا إنتقلنا من المنظور الشعبي الى المنظور النظري الفكري لموضوع البطولة، فسنجد ان المستوى الشعبي في النظر الى هذه المسألة ، نابع من اصالة المواطن ، وتمسكه بالقيم التي تنشئ المجتمع الفاضل ، المتكامل ، الذي فيه يتقاسم اعضاءه المسرات والمصاعب ، ولا اقول إنها نظرة غير واقعية ولكنها من خلال التجربة التاريخية لمجتمعنا، تحقق بعض من ملامحها ، وخاصة في حالات الدفاع عن الوطن ، وعن الناس الضعفاء وفي حالات التكاتف ، والإسراع لمد يد العون ، لمن يحتاج هذه المساعدة . ولكي تكتمل الصورة وتأخذ جانب القانون، يجب أن يتفاعل هذا العامل ، والذي أقصد به عامل إستعداد الفرد العراقي لهذه الأمور، (ولا بد من وجود إستثناءات بطبيعة الحال) مع توجهات الدولة للسير بهذا الواقع الفريد الذي نتميز به من خلال إستخدام إمكانيات البلد التاريخية ، والإقتصادية ، وتوظيفها لصالح خلق القيم السامية وتطوير الموجود منها، لوضع البلاد على عتبات التقدم والإزدهار.
إن ذلك يتطلب أن تستعين الدولة بالبحوث والدراسات الأكاديمية عن كل ما يتعلق بالتنمية البشرية والدراسات الإقتصادية للإستفادة القصوى من إمكانات البلد ، وموارده لصالح البناء ودراسة الجدوى الإقتصادية لكل خطوة نجريها ، وكل قانون يسن. الآن وفي العودة الى موضوع البطولة ، وكما تراه النظريات الإجتماعية والسياسية المختلفة ، والذي تم بحثه من قبل عدد كبير من العلماء والباحثين والكتاب والسياسيين منذ الأساطير والملاحم القديمة ، مرورا بالأديان والحكايات ، وخلصوا الى جملة من التصورات والقوانين التي كانت تستند في دراساتها على الواقع الموضوعي ، وعلى المآثر المبهرة للأبطال.
أعتقد اننا كعراقيين ، خبرنا شعبنا على مر التاريخ ، ورأينا وسمعنا عن المعجزات التي إجترحها الناس ، عبر تاريخ البلد ، نستطيع ان نطور من الأفكار الموجودة في الفكر، وان نصوغ نظرية قابلة للتطور وفق الظروف ومسارها، عن الرؤية النظرية العراقية لموضوع البطولة . ولكي اعطي هذا النداء واقعا ملموسا ، ارى من وجهة نظري وهي غير ملزمة ، لمن يرغب في البحث في هذا الموضوع :
1) إن المستلزمات البشرية والإستعداد للبطولة متوفرة في شعبنا ، وهي ليست محصورة بإناس معينين
إذ يتسنى لإي إنسان أن يكون بطلا ، في اللحظة الحاسمة.
2) إضافة لذلك توجد كفاءات متعددة من اكاديميين وخريجي المعاهد والكليات ومن العسكريين الذين إزدادوا خبرة في ميادين الوغى
3) لذلك فإن المجالات المتعددة للموضوع متوفرة ، ويمكن للعملية أن تتكامل ، ويمكن ان تتداخل مع بعضها
4) الدولة تأخذ على عاتقها رعاية تدريب المواطنين على المهارات التي يحتاجها كل مجال ، وتقف المنظمات الإجتماعية المدنية الى جانب الدولة في هذا العمل.
5) الدولة ترافق الأهتمام بجوانب الإعداد التقني ، ورفع الإستعداد بعملية توجيه الموارد للبناء الإقتصادي الإجتماعي وخلق أبطال البناء والتقدم ، والإستفادة من كل معطيات التقدم والتطور في كل المجالات.
6) ولكي تأتي أكلها الجهود ، لابد ان تقف الدولة الوقفة الصلبة اكثر فأكثر ، لمواصلة عملية التغيير ، وبذل الجهود اكثر في مكافحة الفساد والفاسدين ، ومحاربة افكار الطائفية والعنصرية والتعصب القومي.
7) ولنتمعن بما قاله جان جاك روسو ، قبل 300 سنة والموجود في صدر المقالة
خلاصة القول إن المواطن العراقي يمكن له أن يساهم ببطولة في بناء بلدنا ، عندما وعندما فقط تقوم الدولة بتهيئة الظروف المادية ، لإشراكه فعليا في عملية خلق الناتج القومي الإجمالي وتحقيق النمو المتوازن في كافة القطاعات الإقتصادية وتهيئة الظروف للدورة الإقتصادية السليمة . ختاما ادعو كل المعنيين لعمل الدراسات والتحليلات في هذا المجال الحيوي.

المنبر الحر