المنبرالحر

إعادة إنتاج التخلف / محمد علي العامري

 ولست أبالي أن يقال محمد  أبـل أم أكتظـت عليـه المآتـمُ
ولكنه دين أردت صلاحه  أحاذر أن تقضي عليه العمائمُ  الشيخ محمد عبده

هذا المقال هو حلقة من مشروع كتاب مازلت مواضب على كتابته عسى أن تعينني صحتي ليكون جاهزاً نهاية هذا العام .
جاءت الأحزاب الإسلامية والمتأسلمون الجدد ، ليصبح العراق هكذا كما هو اليوم ، جاءوا وهم " يكتسون بستار الدين الذي يقيهم من النقد ويحميهم من الإنتقاد، ويوفر لهم الأمان " من الملاحقة القانونية والأخلاقية . لقد غلفوا أنفسهم وأحزابهم وكتلهم بهالة من القدسية، ولبسوا الكهنوت المقدس ليرسم حولهم طبقة ضبابية سميكة بحيث يصعب على المسلمين البسطاء رؤيتهم على حقيقتهم .
لقد نجح الإسلاميون والمتأسلمون في أن يفرضوا الظلامية على المناخ الفكري في العراق ، ونجحوا أيضاً في ( أن يخلطوا بين فكرهم بكل ما يحمله من تخلف ورجعية وطائفية مجنونة ) ، وبين الدين . فأصبح الكثير من المسلمين في المجتمع العراقي لا يميّزون الفارق بين الدين كـ ( منحة آلهية ) وبين الفكر الديني المذهبي الطائفي الذي هو من إبتكارات الإنسان وصناعته ، لقد إختفى هذا الفارق عند الكثيرين ، وخاصـة عندما نسمع المتأسلمـون يرددون صرختهـم السحرية المخـدّرة ( يقول الإسلام ) وهذا يعني بالضبط عندما يقولون : ( قال الإسلام ) يعني هم الإسلام الذي يقول ، فنجدهم قد تستروا بستار ( قال الإسلام ) الذي يقيهم من أي سوء مهما كانت أفعالهم وسلوكياتهم شنيعة ومهما غرقوا بالفساد والخيانة الوطنية وبالإساءة للدين ، لأنهم أقنعوا الأكثرية بأنهم هم الإسلام ، والإسلام هم .
وبدعة " قال الإسلام " ليست من بنات أفكارهم ، وإنما أخذوها تقليداً للبعثيين أيام حكمهم العراق عندما طرحوا شعارهـم الهزيـل ( إذا قال صدام ، قـال العراق )، فـلا فـرق بين الأمس واليـوم إذ أصبـح اليـوم ( إذا قال الإسلاميون والمتأسلمون ، قال الإسلام ) . وقـد ذهب أحد المتأسلمين المتمذهبين العراقيين جداً جداً ليرد عليّ وبدون خجل على مقال كتبته عن ( فلسفة اللحى ) فكتب " إذا قال الإمام القائد السيد علي خامنئي ، قال العراق " . أنظروا الى أي درجة من الخطورة وصلت برمجة وسياسة غسيل ثم توسيخ العقول بأسم الدين والمقدس . ولا يخفى عليكم ، فهناك أكثر من فريق مهمتهم أختطاف أو قتل بكاتم الصوت كل من يحاول أن ينتقد السياسة الإيرانية أو يمس شخصية الولي الفقيه . وأيضاً يتكرر نفس المشهد إذا صعدنا قليلاً شمالاً سيواجهك الإختطاف وكواتم الصوت إذا تطرقت بسوء الى السعودية أو تركيا .
فـ ( قال الإسلام ) ليس من إبتكار المتأسلمين العراقيين الجدد ، وإنما قالها قبلهم ( الأخوان المسلمين ) في مصر ، ففي عام 2013 قال المرشد العام للإخوان محمد بديع أثناء إعتصامات رابعة العدوية : ( هنا الإسلام ، فنحن نقول ونسترشد بما يقوله الإسلام ، وهذا ما يغيض السلطة التي تريد محاربة الإسلام ) فالأخوان المسلمين هم الإسلام بلا منازع . ولا نذهب بعيداً فها هو أمين عام ورئيس مجلس صيانة الدستور الإيراني خطيب جامع طهران أحمد جنتي عام 2015 ( إذا قال آية الله العظمى السيد علي الحسيني الخامنئي ، فإن الإسلام هو الذي يقول ) إذاً ، سلطة علي خامنئي هي الإسلام بلا منازع .
من هنا جاءنا الإسلاميون والمتأسلمون بخلطة إسلامية تفننوا بعجنها ، ونجحوا نجاحاً عظيماً بصناعة إسلامين من هذه العجينة ( الإسلام السني ومذاهبه - الشافعي ، الحنبلي ، المالكي والحنفي وغيرها ) ، و( الإسلام الشيعي ومذاهبه - الجعفري الأثني عشري ، الزيدي ، الشيخي والإخباري وغيرها ) .
الإسلام السني يقول : إن الحقيقة عندنا والإسلام الصحيح هو إسلامنا ، وإذا قلنا ( قال الإسلام )
والإسلام الشيعي يقول : إن الحقيقة عندنا والإسلام الصحيح هو إسلامنا ، وإذا قلنا ( قال الإسلام )
إذاً أصبح من الواضح أن لكل منهما إسلامه ، وهذان الإسلامان يسيران على خطين متنافرين ولا يلتقيان حتى لو كان بإذن الله . لأن الخارطتين السياسية والإجتماعية تؤكدان هذا الفرز والإنقسام بوضوح تام . وعلى ضوء ذلك ظهر أمامنا ( الوقف الشيعي والوقف السني ) وقفين مستقلين عن بعضهما ، يعني ذلك أن لكل إسلام من الإسلامين " الوقف " الخاص به المستقل تماماً ، والخاضع للفقه والتشريع لهذا الإسلام أو ذاك . وهذا دليل قاطع على أن هناك إسلامين متنافرين مستقلين عن بعضهما .

لقد تم بإتقان خلط الدين (الإلهي) وعجنه مع الفكر الديني (الوضعي) لتكون النتيجة ضياع الدين أمام الفكر الديني الذي شق الإسلام الى إسلامين . فأنا أرى أنه من الخطأ أن نقول : " المذهب السني والمذهب الشيعي " . وما علينا إلاّ أن نكون في منتهى الصراحة والجرأة بأنه أصبح لدينا على خارطة المجتمعات الإسلامية ، وبفضل الصراعات والتناحرات المزمنة ، قد أفرزت الضرورة لنا اليوم ، إسلامين ( الإسلام السني والإسلام الشيعي ) ولا يمكننا أن ننكر دور الكتل والأحزاب الإسلامية والمتأسلمين الجدد في التناحر والإحتراب بين الشيعة والسنة ليتكلل مشروعهم بالنجاح ألا وهو : شق الإسلام الى إسلامين . فبدلاً من إعادة اللحمة والتقارب بين مكونات المجتمع ، نراهم يصبّون الزيت على النار ويزيدون من إشعال النيران المذهبية والطائفية ، ليتسنى لهم السيطرة وفرض سطوتهم الكهنوتية والتي من ممكن أن نطلق عليها تسمية " الإرهاب الديني والطائفي " الذي يحقق لهم مصالحهم السياسية والإقتصادية .
وبما أن كل طرف أصبح له إسلامه ، فلابد وأن يكون لكل طرف خطابه الديني وسياسته التي تتلاءم مع مخططاته وتوجهاته ومصالحه الدنيوية المغلفة بغلاف الدين بحيث يوحي للمسلم البسيط بأن رموز هذا الإسلام أو ذاك هم فعلاً جاءوا من أجل الدين . ولماذا لا ينخدع هذا المسلم البسيط بما يشاهده يومياً بكرةً وعشيا من عشرات المحطات الفضائية من وجوه ( دينية ) تشع نوراً وتنطق عسلاً وتمشي تواضعاً . فلماذا لا ينخدع هذا المسلم البسيط الذي سرقوا منه عقله وفكره ووعيه عن طريق التنويم الروحاني ، ليتحول هذا المسكين الى تابع ومطيع سلّم عقله لهم ليفكروا نيابة عنه ، فأخذ يتكلـم بعقولهم وليس بعقلـه وهـو لا يعلم . نعـم هـو لا يعلـم بأنـه ضحية لهذا المخطط والمشروع السياسي المتستر بستار الدين .
وها نحن نرى مشروعهم القائم على تسليم مسؤولية المجتمع " بقسميه " اليهم، بإسم الله وبإسم الدين قد نجح نجاحاً كبيراً ، وهذا بالطبع يؤدي الى إلغاء حق الإعتراض ، بسبب نجاح مشروعهم الأول كما وضحنا وهو " الخلط المتعمد بين الدين والفكر الديني " وإصرارهم على هذا الخلط . ناهيك عن منح أنفسهم لباساً كهنوتياً مقدساً لا يعرف الخطأ سبيله اليه ، مما سهّل لهم الطريق الى السيطرة على معظم المؤسسات الإقتصادية والدينية التي تدر عليهم مليارات من الدولارات دون تعب أو عناء ، وكذلك سيطرتهم وإحتوائهم على المراكز الثقافية والتعليمية لتغيير مسارها العلمي والحضاري الى مسار آخر هو التجهيل والتخريف والشعوذة لصناعة مجتمع غارق بالجهل والتخلف ليسهل عليهم التحكم به كيفما يشاؤون . أليس هم وليس سواهم من أخذ تصريحاً إلهياً ليتكلموا بإسم الله وبإسم الإسلام ؟ وأليس هم وليس غيرهم من خوّلهم الله على أن تكون صكوك الغفران بحوزتهم ،والطريق الى الجنة لم يكن سالكاً الاّ بواسطتهم ؟
وأنا على يقين بأن هذا التخلف في مجتمعاتنا لم يأت بشكل عفوي بل هو مخطط له ومبرمج بما يتلاءم ومصالح الدول المتقدمة التي من مصلحتها أن تزداد المسافة وتكبر بينها وبين الدول ذات المجتمعات الغارقة بالتخلف " الدول النامية " . لاحظوا ازدياد بناء المؤسسات الدينية من جوامع وحسينيات ومعاهد ومدارس دينية أكثر بكثير من المؤسسات العلمية والتقنية والبحثية ، لم يأتي عفوياً . وكذلك فتح عشرات محطات التلفزة الفضائية لبث الشعوذة والتخريف ، مقابل صفر من المحطات العلمية والتربوية الحضارية، هذا ليس عفوياً، طبع آلاف الكتب الهزيلة وتوزيعها مجاناً أو بيعها بأقل من تكلفة طباعتها ليس عفوياً ، وإنما جاء ضمن مخطط ومشروع هدفه تعقيد التخلف في مجتمعاتنا وشعوبنا وإبعادها عن ركب الحضارة والتقدم والرقي . وخير تحليل هو ما جاء به المفكر صادق جلال العظم في كتابه " ذهنية التحريم " { إعادة إنتاج التخلف بما يتناسب مع مصالح الدول المتقدمة ، فبدل من ردم الهوة بين الطرفين نراها تمنع الشعوب المتخلفة من إكتساب أسباب تجاوز التخلف الذي كان تخلفاً بسيطاً قياساً لمراحله الأولى } ولهذا إعتمدت الدول المتقدمة على إنشاء أنظمة حاكمة تابعة لها وقادرة على إعادة إنتاج التخلف بشكله المركّب والمعقد الذي يوسع ويعمق الهوة بالشكل الذي لا يسمح اللحاق بركب الدول المتقدمة .

المصادر :
1 – المتأسلمون " الإرهاب والفتنة الطائفية " د. رفعت السعيد
2 – في مواجهة أزمة عصرنا – د. سمير أمين
3 – ذهنية التحريم – صادق جلال العظم

المنبر الحر