المنبرالحر

السياسي المعمم بين الايمان والإلحاد / مؤيد عبد الستار

في المنعطفات التاريخية للمجتمعات المتأرجحة بين الدين والدنيا مثل المجتمع العراقي ، تبرز ظواهر متناقضة ، تتفاقم في بوتقة الحراك والصدام بين القديم والجديد ، بين التخلف والتقدم ، بين التنوير والظلامية ، و اخيرا بين الدين والالحاد .
ومثل هذه الظواهر حدثت في اوربا في عصر النهضة . اشـتـد الصراع الفكري والفلسفي في المجتمعات الاوربية المختلفة كما في ايطاليا وفرنسا والمانيا ، وادى الى خلخلة التزمت الديني ، فانهارت جدران الكنيسة المتسلطة على كاهل المجتمع والتي كانت تبيع اراضي الجنة للمواطنين ، فانكشف زيف دعواها وتخلى عنها المجتمع ، فانزوت في ركن هامشي تدعو الله ان ياخذ بايدي الناس كي يحافظوا على زيارة الكنيسة يوم الاحد على الاقل ، ولكن مع ذلك يبدو ان الله تخلى عن كنائسهم التي كانت لا ترحم المواطن المسكين الذي كان يؤمن بها ايمانا اعمى .
حتى جاء اخيرا اليوم الذي اعترف فيه بابا الفاتيكان الحالي بعدم وجود جهنم التي كانت الكنيسة ترعب بها الناس البسطاء وتستولي على عقولهم وخيراتهم .
وحدثت في اواخر القرن التاسع عشر ، حركة تنوير في الشرق الاوسط ، قادها بعض المفكرين والفلاسفة الذين كانوا بشكل او باخر من رجال الدين المعروفين مثل جمال الدين الافغاني ومحمد عبده وفي العراق اوائل القرن العشرين ، الفيلسوف الشاعر جميل صدقي الزهاوي وبعض كبار رجال الدين الذين دعوا الى المشروطة في ايران و العراق .
استمر الصراع بين التقليد والحداثة في مختلف العهود الحاكمة في العراق .
وعلى سبيل المثال ظهرت حركة السفور في العراق وانقسم المجتمع بين مؤيد لها ومعارض متزمت يستند الى الحجج والتاويلات الدينية التي ما انزل الله بها من سلطان .
كما استقطبت حركة الشعر الحر العديد من الحداثيين في الثقافة العراقية واصطف على الجانب الاخر رجال الدين واتباعهم من المتزمتين في المجتمع حتى استطاعت حركة الشعر الحر وانصاره والحداثة التغلب على الفكر الرجعي ودحره واثبتت حركة التطور قوتها في الانتصار على التخلف والقوى الظلامية .
ومن بين اوجه الصراع ما تأجج اثر ثورة الرابع عشر من تموز ، حيث صدر قانون الاحوال الشخصية الذي قيد الافكار الرجعية من السيطرة على القوانين الاجتماعية في الزواج والطلاق ، وحدد عدد الزوجات ، فنشب صراع قوي علني احيانا وخفي احيانا اخرى حول التخلف والتقدم ، وافشل انقلاب البعثيين عام 1963 حركة التغيير واجهض القانون التقدمي ، ولكن ظل المجتمع العراقي يدافع عن قيم المساواة بين المراة والرجل ويطالب بتطبيق قانون الاحوال الشخصية الذي كان من اكبر انجازات ثورة الرابع عشر من تموز المجيدة .
في معركة التخلف والتقدم ، وفي خضم الصراع بين الفكر الرجعي والفكر التنويري الذي يرى ما وصلت اليه المجتمعات المتطورة في اوربا واسيا مثل فرنسا وانجلترا والمانيا والسويد وماليزيا وهونكغ كونغ وسنغافورة وغيرها ، ادرك العراقيون سبب تخلف مجتمعهم واحتجوا بشتى الطرق من اجل الخلاص من هذا التخلف ، ولكن القوى السياسية التي هيمنت على الحكم ، وكان اغلبها قد حصل على السلطة بواسطة الدعم الاجنبي ، كانت هذه القوى السياسية مناهضة لتطور المجتمع العراقي وتحاول تغييب وعيه وتقـيـيده بقيود التخلف والجهل من اجل السيطرة عليه سيطرة مطلقة ، وابسط الامثلة على ذلك ما فعله نظام العصابة الصدامية من حملة ظالمة اطلق عليها الحملة الايمانية التي لم تكن لها اية علاقة بالايمان النظيف والسليم ، وانما كانت حملة شعواء تنشر التخلف والتزمت ، ما زال شعبنا يعاني من اثارها الكثير .
ان الايمان لا يتجلي بمنع المشروبات الكحولية او منع التدخين او منع السفور او منع الدخول الى السينما او منع الموسيقى او منع الغناء ... او اي منع اخر .
الايمان لا علاقة له بممارسات الانسان ، فلربما تجد من لا يمارس ايا مما ذكرنا اعلاه ولكنه ملحد لايؤمن بوجود اله ، بل يؤمن بوجود حجر يعبده ويقدم له طقوس العبادة صباح مساء مثل عبدة الاوثان في ارجاء العالم .
او تجد من يمارس اية حالة مما ذكرنا اعلاه ولكنه مؤمن ايمانا لا ياتيه الباطل بخلق الكون من قبل الاله فيشنو وهم الهندوس الذين يحسبهم المسلمون كفارا .
كما تجد من يلبس العمائم من المسلمين ولكنه يشرب الخمر ويلعب الميسر ويؤمن ايمانا لا يدحض بما جاء في القران والسنة .
او يلبس العمامة ولا يشرب ولا يمارس اية حالة مما ذكرنا من الممنوعات ولكنه ملحد الحادا لا يقل عن الحاد ابن الراوندي .
فالايمان والالحاد لا علاقة له بما يمارسه الفرد من نشاطات سواء اكانت في الماكل او الملبس او العادات الاجتماعية او العمل التجاري او السياسي او اي نشاط اخر .
اما لجوء بعض الشخصيات الدينية والرموز السياسية في عراق اليوم للزعيق وتخويف المجتمع من الالحاد والملحدين فخير لهم بدل ذلك ان يبحثوا في جيوبهم عن المال الحرام ويتخلصوا منه باسرع وقت لان الله هددهم به بقوله ستكوى به جباههم وظهورهم يوم القيامة .
وذلك خير لهم من ملاحقة الناس بدعوى لا يستطيعون لها دفعا لان الايمان والالحاد قضية نسبية يلتزم الانسان باي منهما حسب قناعته والامر موكول الى الله العلي العليم فهو الذي سيحاسب الناس يوم القيامة ، وما انت عليهم بوكيل .

المنبر الحر