/
/
/

 الانتخابات التشريعية انتهت ما بين " الجر والعر والقال والقليل" والتشكيك والاتهام، الرضا وعدم الرضا والسعي للإلغاء أو التدقيق لبعض المناطق لكن المفوضية العليا للانتخابات حسمت الأمر وأعلنت النتائج النهائية مطالبة الجميع إرسال الاعتراض والتوجه للعمل ومنها انعقاد مجلس النواب الجديد لانتخاب رئيساً والتوجه لانتخاب رئيس الجمهورية كي يكلف الكتلة أو التحالف الأكبر مهمة تشكيل الوزارة، وهو أمر قد يبدو سهلاً في الإنجاز، إلا أن الواقع في الحقيقة أكثر تعقيداً ويحتاج إلى العمل المثمر الذي يُغلب مصلحة البلاد على المصالح الذاتية والأنانية، وتغليب الوطنية على الطائفية وهذا ما يجنب البلاد مزالق أكثر مما هي عليه في الوقت الراهن، وكلما تسارعت عملية انعقاد البرلمان الجديد وحسم ملفات رئاسة المجلس وانتخاب رئيس الجمهورية  ورئيس الوزراء سيسهل عملية التوجه لمعالجة مشاكل البلاد وتحقيق الاستقرار والمطالب الجماهيرية بالتغيير والإصلاح الحقيقي والتخلص من تركة النظام السابق وال 15 سنة ما بعد سقوطه وقيام المحاصصة الطائفية التي أضرت جميع المرافق السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأمنية ودمرت بشكل واسع البنى التحتية والخدمات والقطاعات المختلطة والخاص واتساع ظاهرة البطالة والفقر وتزايد وتائر الجريمة المنظمة وتحصين أنفسها بالطائفية والقومية الضيقة،  ويذكرنا التاريخ القريب والتجربة الحية عما جرى في تشكيل الحكومة العراقية السابقة والتي سبقتها، وما هي ابرز المشاكل التي واجهها التشكيل وفي مقدمتها التدخلات الخارجية التي كانت تسعي للتأثير على البعض من الأطراف السياسية الدينية من اجل مصالحها في قيام حكومة تستطيع بواسطتها التدخل في الشؤون الداخلية وهذا ما حصل فعلاً أبان فترة الثمان سنوات في عهد نوري المالكي ( 2006 ــ 2012 ) وما لمسناه خلال 2014 ولحد هذه اللحظة.. هذا الأمر لم يكن غريباً عن الواقع السياسي أو غير معروف من قبل أكثرية الشعب العراقي والعديد من القوى السياسية والدينية ما عدا الذين كانوا وما زالوا يرتبطون بأجندة خارجية تميل إلى هذه الدولة أو تلك وترتبط معها بعلاقات متشعبة، قد نستبق الأوضاع الحالية بعد انتخابات 2018 التشريعية وبوجود تغيرات مهمة على الواقع السياسي وما أنتجته الانتخابات التشريعية الأخيرة، ونؤكد أن تلك المساعي والتدخلات مازالت قائمة وهي تحاول تنفيذ مخططاتها الهادفة إلى التدخل والتأثير على تشكيل الحكومة القادمة، هذه التحركات بدأت منذ الأيام الأولى التي تلت انتهاء الانتخابات وظهور الكثير من نتائجها والقوى التي شاركت بتحالفها الطائفي ولكن تحت ستار الوطنية، كما أظهرت الانتخابات عزوف جماهير واسعة  عن الاشتراك الذي لم يتجاوز حسب الإحصائيات والتدقيق والمراقبة حوالي 45% فيها، مما جعل البعض من أحزاب الإسلام السياسي تخسر بشكل واضح الكم الكبير التي حصلت عليه في الانتخابات السابقة أو ما سبقتها، وبهذه المناسبة لم يكن قانون الانتخابات التشريعية إلا أداة طيعة بيد القوى المتنفذة صاحبة القرار التي بواسطته " أي قانون الانتخابات " كانت تستحوذ على أصوات الناخبين للقوائم والكيانات الأصغر بدون أي أوجه حق، إضافة إلى التدخلات الخارجية المستمرة وبالأخص إيران في ترتيب البيت الشيعي بشكل طائفي  باتجاه عدم السماح بقيام كتلة وطنية عابرة للطائفية وهناك شواهد جمة على ذلك وكما يحدث  الآن بشكل لا لبس فيه وحسب ما تسرب ونشرته وسائل إعلام عديدة بوجود قاسم سليماني قائد فيلق القدس الإيراني واجتماعاته في المنطقة الخضراء مع البعض من الكتل، وأشارت مصادر خاصة  عن " وجود  حوارات مع رئيس دولة القانون نوري المالكي ورئيس ائتلاف الفتح هادي العامري إضافة إلى قياديين في هيئة الحشد الشعبي لتشكيل الكتلة الأكبر في مجلس النواب " وما عرفناه من خلال موقع (DW) الألماني وما نشره من رأي صريح حول محاولات قاسم سليماني وانتقاله في يوم الاقتراع إلى بغداد وعلى ما يظهر محاولة إجبار مقتدى الصدر على تشكيل تحالف مع هادي العامري رجل إيران في بغداد والذي يقود "الميليشيات" الشيعية القوية في البلاد التي يتم تدريبها وتمويلها من قبل إيران" (حسب رأي موقع(DW) الألماني!) وبهذا تتحول الساحة العراقية للصراعات الخارجية وفي مقدمتها الصراع الإيراني السعودي والأمريكي وغيرهم وهذا الهدف يكمن خلفه عزل سائرون والتيار الصدري والقوى الأخرى، إضافة إلى تحييد رئيس ائتلاف النصر رئيس الوزراء حيدر العبادي وعزله للتأثير عليه بسبب موقفه الرافض للتدخل وامتناعه عن الطاعة كما يقال!.

 ولم تسلم البلاد من التدخلات الخارجية والتي تتسابق مع إيران وبطرق عديدة لكي يكون لها موقع خاص تستطيع من خلاله التدخل حتى في القرار العراقي، وهذا  هو أول الغيث الذي ظهر بعد الانتخابات وما زال مستمراً بشكل علني ، وربما المستتر  أعظم، وقد تكون جهات خارجية أخرى تسعى للتأثير على تشكيل الحكومة القادمة بالتفاهم أو الضغوطات الذي تحدث حول الاتهامات الشاملة بتزوير الانتخابات برمتها دون استثناء لكي يتم إلغاؤها، ولهذا كشف  رائد فهمي القيادي في تحالف سائرون هذا الأمر وقال لشفق نيوز "محاولات إلغاء وتعطيل النتائج تدخل البلاد بحالة من اللااستقرار وغير معروفة تداعياتها تزامنا مع محيط إقليمي شديد التوتر" ودعا  إلى "الإسراع والتحرك لتشكيل حكومة إصلاحية بنهج يختلف عن نهج المحاصصة". أو محاولات القوى الخاسرة  الحصول على أصوات تفيد القوائم أو الأشخاص الذين خسروا ولم يحصلوا على أصوات مثلما سبق لهم في انتخابات 2014 السابقة والانتخابات التي سبقتها أيضاً.

إن تسارع إيران بهذا الشكل المحموم يؤكد  تدخلها في الشؤون الداخلية بما تملكه من استغلال الطائفية المقيتة أو الأجندة الأخرى التي تسير في ركابها ولمصلحتها مغلبة التدخل والطائفية على الصداقة والوطنية ومصلحة الشعب العراقي. وبمحاولات القوى الخاسرة أو تلك التي وجدت نفسها لا تستطيع التحكم والهيمنة فقد وجهت اتهامات كثيرة إلى المفوضية العليا للانتخابات بينما في واقع الأمر إن هذه الكيانات والأحزاب هم الذين ساهموا في  مجيء هذه المفوضية وهم الذين عينوا من يمثلهم فيها.

أن السعي للتشكيك بالانتخابات وتزويرها بشكل عام له ما يبرره لهؤلاء الخاسرين والفاشلين على الرغم من أننا لا ننكر وجود تزوير معين ومعروف من ورائه لكن السعي المحموم للإلغاء فذلك يعني  العودة إلى المربع الأول، ونعتقد أن الاعتراض وكشف التزوير والتلاعب حق مشروع لكل شخص أو جهة والطريق الصحيح كشفه بشكل ملموس وبوقائع مادية وليس عن الطريق الاتهام الجاهز غير المسنود بالوقائع المادية ، كما نرى تراجع  رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي الذي يعود له الفضل في تنسيق محكم مع الولايات المتحدة في محاربة تنظيم "داعش" بفاعلية، كما أنه اكتسب ثقة السنة التي تم تهميشها تحت حكم سلفه نوري المالكي، وخلقت فجوات عدم الثقة وما صدر منه من تصريحات طائفية تخلى عنها شكل بعد خسارته وعدم تكليفه برئاسة الوزراء مرة ثالثة  وليس فضلاً عندما نقول إن حيدر العبادي ساهم جزء من الاستقرار في البلاد وفي عهد وزارته طرد داعش الإرهاب من المناطق التي احتلها تنظيمه وهناك بعض التوجهات للجم الميليشيات الطائفية المسلحة التي حاولت وسوف تحاول استغلال الحشد الشعبي لمصلحتها ومصلحة قوى خارجية.

إن الإسراع في حسم موضوعة انعقاد مجلس النواب والتخلص من عقلية الاستحواذ ومحاولات تحييد القوى الوطنية والتوجه الجاد للبناء يجب أن يكون وفق عقلية وطنية مسؤولة وليس العقلية الطائفية والتسابق من اجل المكاسب الضيقة في إطار المحاصصات والاتفاقيات بين قوى ذات نسيج طائفي أو قومي، وكلما ابتعد مفهوم الهيمنة وفرض مشاريع لا تخدم مصلحة البلاد والجماهير الشعبية سوف يجنب العراق الكثير من المشاكل والمعوقات ويساهم في الأعمار وإعادة المهجرين والنازحين إلى مناطقهم وتحقيق الوحدة الوطنية وبناء الدولة المدنية.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل