/
/

كثيرا ما تتزاحم وتتداخل المفاهيم والمصطلحات في ذهنية القارئ حين يتم  تحديدها في تعريف معين ومحدد ، لذلك سأكتفي بما جاء في المعاجم اللغوية من تعريف  التحيّز وهو الإنضمام والموافقة في الرأي ، وهو مصدر الفعل تحيّز ، ومن هنا لا نريد الخوض  في تفاصيل وخصوصيات التعريفات والملابسات والجدل الانثروبولجي فيما يخص تعريف التحيّز ، وإنما سأنطلق من خلال مقاربة  بسيطة  لمفهوم التحيّز بعيدا عن المساجلة والمقايسة  حتى  لا يكون المصطلح رهينا للصراعات  المحتدمة  ما بين اليقين والنسبي ، ومن هنا أقول المقاربة هي أقدر من التعريف على تقديم الرؤية الأخرى لأنـّها تنطلق من فكرٍ  قد تحرر من الترهل والتقاعس والتردد ليقتحم  كلّ مساحات السكون ويعبر الحواجز المصطنعة  لكي يُبحر في عالم الوجود ودواخل النفس الإنسانية حتى لا يكون هناك تباين ٍفي كينونة الإنسان وروحه والتي تتظاهر ما بين الشك واليقين ، لأن الإنسان  في هذا الوجود  هو وحده الذي به وعليه تقع مسؤولية  فك  رباط  كلّ معقدٍ داخل النفس وخارجها ، ومن هنا نقول بأنَّ التحيز مشترك إنساني ورؤية معرفية  لكل حركة أو واقعة لها بُعد ثقافي وهذا البُُعد بحد ذاته يدلنا على ما نراه مرتبطا ببنية عقل الإنسان وإدركه للواقع من خلال منظومته المعرفية والحضارية والتي تتمثل في المعايير والمعتقدات والمسلّمات والفروضات التي يتبناها   الإنسان ضمن إختيارات  واعية أو غير واعية ،  ومن هذه المقدمة السريعة  سأحاول أن نبدأ بالمشكلة التي تواجه المثقف في بلدننا العربية ذالك المثقف الذي ينشأ في بيئة ثقافية وحضارية لها  جذورها وخصوصيتها ولها نماذجها المعرفية والحضارية ومع كلّ ذلك تجد المثقف ينحاز الى نماذج أخرى تحاول أن تفرض نفسها على مجتمعه وعلى كيانه وفكره  .... فأين تكمن مخاطر هذا التحيّز ؟ وهل هذا التحيز كان نتيجة لفرض الانسان الغربي نماذجه على شعوب العالم ؟ أم هو نتيجة طبيعة  للغزو الثقافي والإستعماري ..؟ وهل ما ينتجه الغرب  من نماذج اقتصادية وسياسية  صالحة لمجتمعاتنا وقد أثبتت نفعها أم لها جوانب مدمرة  في مجالات أخرى ؟  وقبل الاجابة على  كل هذه التساؤلات  سنتحدث ولو قليلا عن  المثقف الحقيقي الذي زاده وقوته الفكر  بكل ما تعني  وتحتوي كلمة الفكر  الذي  يتصدى بما يستطيع وفي مواجهة ساخنة من أجل  التغيير الفردي والمجتمعي إبتداءً من نقد الذات إلى نقد كل مفاصل ومؤسسات الدولة على كافة المستويات السياسية والاجتماعية والصحية والخدمية والى ما هناك من نقد للمؤسسات الدينية والعلمانية  ويضاف إليها مؤسسات ومنظمات المجتمع المدني  وكذلك نقد العادات والتقاليد المرتكزة على الفكر البالي..إن كان هذا  الفكر إسلاميا  أم ماركسيا  أو رأسمالياً

لأن المثقف إذا لم  يمتلك الجرأة على النقد في تشخيص وعلاج  الحالات والظواهر وما يعانيه أخيه الانسان فهو لا يستحق وسام المثقف ، وحتى لا نبتعد عن موضوعنا ثقافة التحيّز  قلنا أنها المشترك الإنساني  فهناك من يرى التحيّز على إنه الحق والحقيقة ويتحمس ويتفاعل معها ويخضع كلّ ذاته وأحكامه المتحيّزة الى حكم نهائي  مع إدراكه بأنه ليس قطعيا وإنما  هو مجرد إجتهاد،

وسأضرب مثالا واحد  من واقعنا العراقي الحالي  فقد كتب الاستاذ  د.سليم الحسني مقال تحت عنوان (محمد رضا السيستاني يؤسس: المعمم فوق القانون )  بتاريخ 2018-02-19

وسأقتطف هذا المقطع مما كتبه الحسني .   .

(حين يتوجه السؤال الى السيد محمد رضا السيستاني من المخلصين الحريصين على المرجعية العليا ومنزلتها الرفيعة، عن فساد ومخالفات علاء الموسوي رئيس الوقف الشيعي وكذلك عن أحمد الصافي مسؤول العتبة العباسية  وعن الأسباب التي تدعوه الى السكوت على الموسوي، وخصوصاً مخالفته المفضوحة برفض الحضور الى جلسة الاستجواب البرلماني، وهي تشكل إدانة كبيرة للموسوي وتنسحب آثارها على المرجعية التي رشحته لهذا المنصب. عندما يواجه هذا السؤال وغيره، يجيب السيد محمد رضا السيستاني، بأن فترته تقارب على النهاية، ولا حاجة لإثارة مشكلة معه ومع أطراف أخرى.

لكن هذا الجواب يشكّل إدانة كبيرة، لأنه يعني توفير الحماية التامة لمسؤول فاسد تلاحقه ملفات السرقة والمخالفة القانونية، لا لشيء إلا لأنه (معمم) تم ترشيحه ضمن توازنات خاصة. وتعني أيضاً أن أموال الفقراء لا تعني شيئاً، وليدخل حسابات الموسوي وغيره، لأن المهم حفظ مكانته حتى وإن تطلب تعطيل الشرع والقانون )

أما مثالنا الثاني حول التحيّز للباطل حين يجعل الانسان من نفسه المرجعية الوحيدة والمقبولة  بمعنى  آخر

أن لا حق سوى ما يراه  في أحكامه التي تستند الى الميل للمنتصر أو لجانب القوة وتراه ينظر ويتحين الفرصة من  موازين مصالحه للوقوف الى جانب القوة والمنتصر  ... .. وسوف نكمل تفاصيل كل ذلك ولنا  متابعة ثانية بإذن الله .

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل