/
/
/

حينما أعلن صموئيل هنجنتون في أوائل تسعينات القرن الماضي عن نظريته حول صراع الحضارات، تلقى كثيراً من ردود الفعل المعارضة والمؤيدة لنظريته هذه . وكان لكل من الفريقين حججه في الرفض والقبول . ولقد كان إنحيازنا الواضح منذ ذلك الوقت إلى جانب المعارضين لهذا الطرح الذي لم يفرق بين الحضارات كنتاج ثقافي للإنسانية جمعاء وبين المصالح المادية الإستغلالية لطبقات معينة في المجتمع والتي يصل بها الجشع وحب الإستغلال إلى الصراع بمختلف أشكاله لضمان هذه المصالح لأطول فترة ممكنة . *

لقد كان أحد أسباب رفضنا لهذه النظرية ، إنطلاقنا من وجود فكر سلفي على الساحة الثقافية الغربية أيضاً ، وليس في المجتمعات الإسلامية فقط ، يلجأ إلى توظيف كل ما بجعبته لتحقيق ما ذهب إليه دهاقنة هذا الفكر المعادي لتلاقح الحضارات . وقد جاءت هذه النظرية لتصب في هذا المجرى . لقد كتبنا آنذاك بصدد ذلك " إلا أن مصطلح السلفية هذا لا يقتصر على الفكر العربي ألإسلامي فقط ، بل أن هناك في الغرب أيضآ من يدعو إلى مثل هذه الأفكارالتي تصب في التيار الرافض لكل ما حققته المجتمعات في الغرب من التعايش بين الثقافات المختلفة سواءً الغربية منها أو الواردة إليها بسبب الهجرات وإنتقال ألأيدي العاملة وإزالة عراقيل ألإتصال المباشر بين الشعوب المختلفة وما تحقق أخيرآ في الثورة المعلوماتية التي جعلت الكل في متناول الكل دون أن تشكل الجغرافيا ومسافاتها وما يرتبط بهما من حساب الزمن دورآ يُذكر في ذلك. إذ يدعو هذا التيار السلفي الغربي إلى " تنظيف " المجتمعات الغربية من الثقافات الواردة والعودة "للأصالة" .

كما قلنا في حينه " إن الخلاف مع هذه النظرية هو خروجها بالنتيجة الحتمية لصراع الثقافات الذي سيولد صراع الحضارات ، وهذا ما لا يمكن حدوثه إذا ما حاولنا فهم الصراع ، الذي تراهن عليه السلفية الغربية ، على أنه يتعلق بالمصالح السياسية والإقتصادية بالدرجة ألأولى . وإذا ما علمنا ان التواصل الحضاري والثقافي العالمي سوف يستمر، وقد يفتر تارة ويشتد أخرى ، ولا يمكن التوقف عنه، إذ أن مثل هذا التوقف يعني إنقطاع السلسلة الحضارية المتواصلة منذ ألأزل. أما التنافس بين الحضارات والثقافات فسيستمر حتمآ طالما إستمر التواصل بين بعضها البعض حيث سيشكل هذا التنافس الحضاري الثقافي قوة الدفع العاملة على التطور الدائم والإبداع المستمر. "

ومنذ ذلك الحين والمعاهد العلمية مشغولة بالبحث في حيثيات هذه النظرية ومدى إنطباقها على الواقع المعاش الذي أفرز تطور المراحل التاريخية التي لم يمنع إختلافها من تلاقح الحضارات الإنسانية مع بعضها البعض . وقد صدرت كثير من التنبؤات التي إستندت على هذه الدراسات وهي تميل إلى جانب الشك في معطيات نظرية صراع الحضارات هذه . إلا أن النتيجة التي خرجت بها الدراسة التي أجرتها مؤسسة بَرْتَلْسمان الألمانية في مدينة برلين تكاد تكون أدقها وأصدقها وأكثرها جرأة في إثبات خطأ نظرية هنجنتون . فلقد جاءت هذه النتيجة التي نشرتها جريدة " لايبزكر فولكستسايتونغ " في عددها الصادر في السادس عشر من شهر أيلول لعام 2009، وعلى صفحتها العاشرة ما يلي :(باختصار)

" حرب الحضارات لم تحدث : إن التنبؤ السوداوي حول وقوع حرب الحضارات على بقاع الكرة الأرضية أثبت عدم صحته ، إستناداً إلى تقييم باحثي الصراعات . بالرغم من إرتفاع عدد الصراعات في الخمس وعشرين سنة الماضية والتي يلوح فيها ألإختلاف في التقييم أو التشتت الثقافي في اللغات والأديان أو الإختلاف في التجربة التاريخية ، إلا ان ذلك لم يشكل السبب الرئيسي لهذه الصراعات .هذه هي النتيجة التي توصل إليها البحث الذي نُشر في برلين عن مؤسسة برتلسمان وعن المعهد العلمي للدراسات السياسية في جامعة هايدلبرج. إن التوقعات التي جاء بها البعض حول صراع الحضارات والتي أشارت إلى إصطدام الغرب بالإسلام ، لم تتحقق على المستوى العالمي ولم تجر ملاحظتها ."

إن هذه النتيجة العلمية هي إشارة واضحة إلى تأكيد نظرية التطور البشري الذي يشكل تلاقح الحضارات مع بعضها البعض عاملاً أساسياً . هذا التلاقح الذي يمهد الطريق لتقدم المجتمعات وتخطيها للحقب التاريخية المختلفة جاعلة من هذاالتراكم الحضاري ، أياً كان مصدره ، سبيلها نحو بناء المجتمعات المتطورة الحديثة الساعية لتحقيق سعادة الإنسان ورفاهه باعتباره أثمن رأسمال في الوجود.

إن الفكر الذي مَثَلَه هنجنتون يكاد يكون مطابقاً لما يمثله دهاقنة الإسلام السياسي من المتطرفين الداعين الى إحياء ما اسس له " السلف الصالح " وتطبيقه على حياتنا اليوم بالرغم من مرور اكثر من اربعة عشر قرناً على هذا الثراث . السلفية تعني ان تحكمنا نحن الأحياء ما رآه الموتى من صحيح او خطأ قبل قرون عديدة . اي حكم الموتى للأحياء دون ان يكون للأحياء رأي مغاير في ذلك . وسلفية الفكر هذه التي التصقت بالخطاب الإسلامي تبنتها القوى الغربية التي تتأسى بافكار القوى الإمبريالية التي سادت العالم بامكاناتها العسكرية بالأمس والتي تسوده بامكاناتها الإقتصادية وحتى الفكرية اليوم ، والتي لا ترى إلا في الصراعات وسيلة لنشر افكارها وبالتالي استمرار سيطرتها الإستغلالية البشعة . وبما ان الصراعات العسكرية لم تعد تؤدي اليوم ، لأسباب عديدة ليس اقلها ما ولدته الحروب العالمية ، ما كانت تأتي به من إمكانيات السيطرة على الشعوب ، فقد لجأ بعض منظري حتمية الصراعات الى خلق ميادين حرب جديدة إنعكست على الإرث الحضاري للشعوب ، بحيث جعلت هذه النظريات من هذا الإرث قنابل موقوتة لابد وان تنفجر يوماً ما . وهذا ما اثبت فشله حسب الدراسات اعلاه ، بحيث اثبت العكس القائم على التلاقح الثقافي ثم الحضاري وليس العكس . لذلك استعاضت هذه السلفية الغربية عن ذلك كله بالحروب والصراعات المحلية التي تتيح لها الإجهاض على ما تبقى للشعوب المتناحرة مع بعضها البعض بحيث لا يقف الدين او القومية عائقاً امام الخراب الداخلي الذي سيفسح المجال واسعاً امام السيطرة الخارجية بكل الحجج المعروفة في مجالات إعادة البناء او المساعدات او بيع الأسلحة والمعدات الحربية وما شابه . وهذا موضوع آخر قد نتطرق له في معالجة خاصة .

إلا ان ما يهمنا اليوم هو البناء على منطلقات السلفيتين الإسلامية والغربية حيث ينعكس ذلك على بعض مدعي تبني الفكر اليساري حينما ينطلقون في اطروحاتهم من استحضار كل ما جاء به اسلاف هذا الفكر وما نظروا له في الأزمنة التي اتاحت لهم معطياتها الذاتية والموضوعية ان يخرجوا بهذا التنظير او ذاك الذي كان بلا شك يحمل بين طياته نظرة جديدة تصب في اماني الشعوب المتطلعة الى الحرية والإنعتاق آنذاك . ومما لا شك فيه ايضاً بمساهمة هذا الإرث للفكر اليساري على مساعدة الكثير من المنظمات والأحزاب الثورية التي تبنته  لأن تواصل طريق النضال بزخم وإمكانيات افضل مما كان عليه الوضع النضالي قبل ذاك . ومما لا شك فيه ايضاً ان الحقبة الزمنية التي شكلت اساليب النضال الثوري ، حسب الأسس التي جاء بها الفكر اليساري آنذاك ، اعطت علامة ايجابية فارقة في الحراك الجماهيري ، استغرقت عقوداً عديدة وارتفعت بنوعية هذا النضال شكلاً ومضموناً . ومما لاشك فيه ايضاً بان اجيالنا التي تعيش اساليب نضالها الآنية اليوم لا يمكنها ان تستغني عن كل ما جاء به السلف اليساري . إلا اننا يجب ان نقر ونعترف ايضاً بان هذه الأساليب التي نمارسها اليوم انما هي نتيجة حتمية لما يمليه علينا الواقع المعاش الذي لم تتوفر كل معطياته لتحليلات ونظريات اصحاب الفكر اليساري السالف . إن كنا نؤمن بالتطور وما تعلمناه من اسلافنا حول حتمية هذا التطور وعدم توقف التاريخ فيجب علينا في هذه الحالة ان ان نجعل من هذا التطور واقعاً فعلياً يؤكد ما جاء به الأسلاف لكنه لا يستنسخ اعمالهم ، إذ ان الإستنساخ يعني رفض مبادئ هؤلاء انفسهم ، رفض التغيير ورفض التصرف حسب هذا التغيير وامتشاق الأقوال الجاهزة دون تمحيص وتحليل ينطلق من الواقع المعاش بكل معطياته الذاتية والموضوعية ، ويشير الى تخلفنا عن الركب ووقوفنا على استنتاجات لم تعد تتفق ومجريات التاريخ . لذلك فإن حجتنا بمقولة فلان وتصرف فلان واستنادنا على ذلك اولاً واخيراً دون نقاش او تمحيص ، سيؤدي بنا الى التنكر لواقعنا ولكل العوامل الجديدة التي بلورت هذا الواقع ، بالرغم من احترامنا الشديد لمقولة فلان وتصرف فلان . إننا لا نتماهل في نقد الفكر السلفي الديني القائم على الإلتزام بشكل النص وليس بمحتواه . او حتى ذلك الذي يلتزم بالمحتوى البعيد عن مقومات العمل الميداني الآني ، دون اخذ التطور التاريخي بنظر الإعتبار،فلا يمكننا والحالة هذه ان نسير على نفس المنهج السلفي الذي يربطنا بشكل استعبادي بالنص او بالفعل الذي اتى به بعض قادة الفكر اليساري في ازمانهم الغابرة . إن قوة فكر اليسار تتجلى بامكانياته العلمية القادرة على التحليل والإستيعاب التي تتفاعل مع التاريخ واحداثه وكل تقلباته .لقد قدم المفكرون اليساريون مادة علمية ثمينة تنير سبل عملنا الجماهيري ، وما علينا إلا ان نحسن استخدامها من خلال فهمنا لهذه المادة والتعامل مع روحها الآنية وليس مع حروفها التاريخية.

  • راجع كتابي الموسوم : صراع الحضارات وصراعات اخرى ، عن دار الشطري للطباعة والنشر ، لسنة 2012

 

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل