/
/
/

 في أوضاع العالم الثالث المتردية والتي تسوء يوما بعد آخر والآخذة في التدهور، تظل الثقافة في نظر غالبية البلدان المتخلفة أمرا ثانويا أو ملحقا ببقية مفاصل الدولة، لأنها بنظرهم لا تنافس بقية الملفات التي يعتبرونها الأهم في إدارة الدولة، هذا أمر بات واقع حال في تلك الدول التي تعاني من خلل كبير في بنيتها وعقلية القائمين عليها من عقول لا تفهم معنى الثقافة لأن غالبية هؤلاء يغلب عليهم النزوع الحسي المجرد من أي فعل ثقافي أو فكري أو ابداعي في شتى مجالات المعرفة الإنسانية، لان هكذا أنشطة إنسانية تبني العقل والانسان والمجتمعات المتحضرة لا تُغني بالنسبة لهم ولا تُسمن، لان طريقة تفكيرهم من السذاجة والتخلف يدفعهم لمعاداة كل ما هو فاعل على المستوى العقلي والذهني والفكري لإعادة بناء المجتمع وإشاعة الوعي الذي ينمي عقول الأجيال ويساهم في تفتح الذهنية التي تكلست بشكل مخيف، باتجاه انتاج ما هو ثقافي وابداعي وعلمي متجدد وفاعل يقوم بإزاحة الرث من الأفكار المترسبة في عقول أصحاب القرار الطارئين حتى على آدميتهم، فما بالنا ونحن نواجه هذا الجيش العرمرم من المتخلفين وانصاف المتعلمين الذين قذفت بهم الأقدار اللعينة لأن يتسيّدوا دفة القرار السياسي ويقوموا بمهمة تسييس كل شيء حتى وان كان تافها ومتخلفا وبرؤى تتسم بالدونية ومعاداة الحداثة والتقدم الفكري والعلمي والثقافي لإعادة بناء المجتمعات التي نخرها التخلف وما زالت معاول الهدم تفعل فعلها التدميري في الإبقاء على حالة الكساد الفكري والركود الثقافي، لأن النهوض بتنمية الوعي على كافة مستويات الفعل الإنساني سيقوض منافع واهداف وامتيازات فلول الفاسدين، انطلاقا من مبدأ "ما شأننا والثقافة" حتى وإن لم يصرحوا علنا بهذا المفهوم الجاهل والرافض لكل جميل في حياتنا التي لوثتها الاطماع الآدمية الخسيسة وحولت مجتمعاتنا من امتلاك ناصية العطاء والابداع في شتى المجالات في العصور السالفة الى حيث تسيد النزوع الحسي المتخلف الذي لا يفقه من الثقافة غير ما لقنهم وما زالوا أعداء روح التجديد والتحولات عمدا وقصدا مع سبق إصرار مخزي، بات مفضوحا للجميع.

وهنا لا بد من العروج الى اوضاعنا العراقية المتردية منذ عقود ليتم تكريس هذا التردي بسبب جهل السلطات المتخلفة التي مرت على حكمت العراق، منذ سلطة البعث الجائرة والتي كان يسيّرها مجموعة من البلطجية والمتخلفين وأصحاب السوابق الاجرامية بدعم من كانوا يطلقون على انفسهم ب"المثقفين" وهم مجرد سماسرة فكر لعرض خدماتهم القذرة لقاء السحت الحرام ولا تعنيهم الثقافة بأي شيء رغم تبجهم بأنهم "مبدعون" ولكن بفعل ماكنة صنع القرار الهمجي والدموي آنذاك، والاقلام المرائية كانت تتقاطر من كل حدب وصوب سيما التي تحمل جنسيات غير عراقية، لبيع بضاعتها البائرة في سوق نخاسة النظام الفاشي، وكم كتبنا وتصدينا لتلك المرحلة ولكن ما بني على جهل يظل مهيمنا بجهله على كافة مفاصل البلاد المبتلية بأبشع نظام مجرم في تاريخ البشرية.

واليوم وبعد التغيير عام 2003 انتقلت الثقافة العراقية الى مرحلة عصيبة قد تضاهي المرحلة السابقة، حين يتم تعيين وزير معمم وقاتل ولا تعنيه الثقافة بأي حال من الأحوال، ثم يليه وزير يمسك سلطة الثقافة مع سلطة الدفاع العسكري ليزاوج بين الكتاب والمدفع، ثم يليه وزير قد يكون من اشد أعداء الكتاب لجهله وسذاجته، وهلم هما وكارثة على الثقافة العراقية، والجميع ممن تعنيهم الثقافة قولا وفعلا يظلون مكتوفي الأيدي ولا يستوعبون ما يجري من استهتار بدور الثقافة، سوى تفسير وحيد هو أن تكون سلطة القرار وتوجيه بوصلة البلد وفي مقدمتها الشأن الثقافي، بأيدي أناس لا يعرفون معنى الثقافة ولم يسبق لهم ان قرأوا كتابا يتناول هموم معاصرة في كل مناحي الفعل الثقافي، مخلوقات تنتمي لأحزاب تغلب عليها روح التنافس غير الشريف لنيل الامتيازات وتحول العراق الى بقرة حلوب، لتتناسل طوابير الفساد والنهب والسرقات وتكريس المحاصصة التي حولت العراق الى شركة غير مساهمة، بل كل يخطط لنهب ما تيسر له من مال وكسب امتيازات بيافطات طائفية مخزية، تقشّعر لها الأبدان النقية والبعيدة عن هكذا مفاسد دفعت بالعراق لأن يعيش في الوحل الطائفي والاثني والقومي والمذهبي، ماذا يترجى المراقب اذن من هذه الحالات الكارثية التي باتت واقع حال الوضع السياسي في عراق ما بعد التغيير؟

هل من المعقول، والمثقفون العراقيون في العراق من أقصاه الى أقصاه ما فتئوا ينتظرون حراكا حقيقيا لإخراج الثقافة من قمقم المحاصصة وتناسل الطارئين عليها، ليفاجئوا بترشيح شخص قد لا يملك القدرة على تعريف مفهوم الثقافة ولم يسبق له أن اقترب منها كثقافة حقيقية وليست مدجنة، ملبدة برداء التخلف والرثاثة والجهل المطبق؟

كنا ننتظر أن يتم احداث نقلة نوعية في تعيين من له باع في الشأن الثقافي وفاعل حقيقي في حقل الثقافة والابداع والمعرفة والتكوين الاكاديمي، ليكون حريصا على تغيير المفاهيم وتأسيس واقع ثقافي يمتد أثره في كل مفاصل الحياة العراقية، بين أوساط المثقفين والمبدعين والعلماء والاكاديميين والمجددين في كتاباتهم ونتاجهم الفكري وذوي المؤهلات التي لا غبار عليها وغيرها من المعايير التي يطمئن لها المثقف العراق حين تصبح الثقافة زاده اليومي التي لا مناص منها من تحرر العقول من الموروثات التي افسدت القيم الانسانية عبر حقب غابرة وما زالت.

 لماذا لم يقع الاختيار على العنصر النسوي والعراق يعج بالمبدعات اللائي يمتلكن من التجربة الإبداعية والأكاديمية والكفاءة والحضور الكبير وهن يقينا الأنسب لشغل هذا المقعد.

إن الثقافة أيها السادة هي ليست فعلا طارئا وليست هما آنيا يتم تدجينه بشكل فض ومنحاز للفعل السيء وليست وجبة من الفطائر بمجرد ما تهضمها تنساها، انها حالة وجود انساني كفيلة بأن تبني الانسان بمعايير الراهن المتحضر لينسحب تأثيرها على كل بيت ومدرسة وجمعية وجامعة وغيرها من مكونات الفعل الثقافي والعلمي بعطاء متفرد وتأثير جدي لخلق أجيال من المتعلمين والمثقفين، يقينا هم المادة الأساسية لإعادة بناء المجتمع والانسان والعلاقات المتوازنة بين البشر.

وهنا نهمس في اذن السيد عادل عبد المهدي أن يبادر وبسرعة في تصويب الخلل الذي وقع فيه بترشيح شخص بينه وبين الثقافة بون شاسع ببعد السماء عن الأرض.

هكذا نفهم الثقافة وهكذا ينبغي ان تكون النظرة المنصفة لها، لا يعتبرها الجاهلون وانصاف الأميين بأنها ترف وليست بذات أهمية، وانقل لكم تعريفا مبسطا لمعنى الثقافي واهمية دورها وما تلعبه من اسهام خطير في بناء الانسان والمجتمع:

   "الثقافة في معناها البسيط: سلوكٌ يكتسبه الأفراد من المحيط كالعادات والتقاليد المجتمعية، ومعرفةٌ يستمدّها الأشخاص من خلال تعاملهم مع مجتمعات مختلفة، وهي أيضاً إلمامٌ بجميع المعارف والعلوم والقواعد الكونية، كأن يكون الفرد ملماً بعلوم الأدب، والسياسة، والفلسفة، والفنون، وعلوم الرياضيات والفيزياء، والكثير من العلوم العلمية والطبيعية والأدبية والتاريخية والانسانية، بالإضافة لمعرفته بقواعد وقوانين المجتمعات المختلفة، والقدرة على تطبيق مثل هذه القواعد في الوقت والمكان والحالة المناسبة، وهنالك تعريف مقتضبٌ للثقافة يشير إلى ضرورة معرفة الفرد بلغةٍ غير لغته الأم".

فليقارن نفسه من تم تكليفه بمهمة إدارة الملف الثقافي ممثلا بوزارته الوصية، هل يمتلك في قرارة نفسه توصيفا واحدا مما ورد أعلاه.

المطلوب أخيرا وبشكل ملح، من كل من له علاقة بالشأن الثقافي وهي تفرعات يصعب حصرها، ان تناضل ودون هوادة لإيقاف هذا الاستهتار وهذه النظرة الدونية والمتخلف للثقافة وما تحمله من معان سامية وخطيرة تشكل البوتقة الحقيقية لإعادة بناء الانسان العراقي فكرا وتكوينا وثقة بالمستقبل...

فيا للهول اذن ان يتولى مهمة وزارة الثقافة من لا ثقافة له.

فبادروا أيها الزملاء بالتحرك لإيقاف هذه المهزلة قبل أن تشج فأس المحاصصة رؤوسنا.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل