/
/
/

استرعى تحالف " سائرون " منذ الاعلان عنه اواسط كانون الثاني الماضي، الكثير من الانتباه والاهتمام في الداخل ووراء الحدود على المستويين الاقليمي والدولي.
فعلى عكس الكل تقريبا من التحالفات الاخرى، لم يأت "سائرون" تقليديا في جمعه قوى يكمن "رأسمالها" اولا واخيرا في كونها تنتمي الى دين او مذهب واحد او الى قومية معينة وما شابه، وينحصر جهدها في ادامة نظام المحاصصة القائم على الطائفية السياسية. وانما ضم احزابا متنوعة في ولاءاتها المذهبية، ومتباينة (وحتى متعارضة) في منطلقاتها الفكرية وممارساتها السياسية، لكنها مشدودة الى بعضها بالولاء للوطن والتمسك بالهوية الوطنية، ومتوافقة بالرغبة في انقاذ الشعب من دوامة الازمات والمحن التي تعصف به، بالاستناد الى برنامج واضح واهداف محددة معلنة.
لذلك اعتُبر تحالف "سائرون" عن حق اصطفافا وطنيا جديدا عابرا للطائفية، يتميز بالجرأة في تجاوز الحواجز التي تفصل بين المدني والإسلامي، وفي تقديم نموذج حي لعملهما المشترك من اجل خير الشعب والوطن، وفي التعبير بهذا عن مصالح أوسع الفئات الاجتماعية والقطاعات الجماهيرية.
وازاء هذا الواقع لم يكن غريبا او مفاجئا ان يصطدم قيام "سائرون" بمواقف عدائية داخلية وخارجية، مبطنة وسافرة، لعل اكثرها فجاجة تصريح المستشار الايراني علي اكبر ولايتي اخيرا في بغداد، الذي وجه رسائل مباشرة وضمنية ، وجاء تدخلا صارخا في شؤون بلادنا الداخلية .

ومعلوم ان " سائرون" انبثق بمشاركة او بدعم عدد من الاحزاب والقوى والشخصيات الوطنية، هي حزبنا الشيوعي العراقي، حزب الاستقامة الوطني، التجمع الجمهوري، نداء الرافدين، حزب الدولة العادلة، حزب الشباب والتغيير، حزب الترقي والإصلاح، والتحق به اخيرا حزب الأمة. فقد توافقت هذه الاطراف على اختلاف توجهاتها الفكرية والسياسية، وبشعورعال من المسؤولية الوطنية، على العديد من المشتركات التي يمكن ان تفضي الى تغيير موازين القوى، وكسر احتكارالسلطة، وتحقيق الإصلاح الجدي والتغيير المنشودين واللذين طال انتظارهما ، وتخليص بلدنا من نهج الطائفية السياسية والمحاصصة والفساد، وتلبية حاجات المواطن في مجالات الامن والخدمات ومستلزمات العيش الكريم، ومحاربة الارهاب، وتدشين عملية بناء الدولة المدنية الديمقراطية ، دولة المواطنة والعدالة الاجتماعية .
وبالنسبة الينا في الحزب الشيوعي العراقي، جاء هذا الاصطفاف المدني الديمقراطي الوطني الواسع منسجما تماما مع ما توصل اليه المؤتمر الوطني العاشر للحزب، وما سعى اليه الحزب في ضوء ذلك وتحرك من أجله ضمن دوائر وحلقات ثلاث مترابطة : تنمية دور الحزب واعلاء شأنه وتوسيع جماهيريته، تعزيز مكانة ودور التيار الديمقراطي وعموم القوى المدنية والديمقراطية، الانفتاح على الفضاء الوطني . وقد أكد اجتماعا اللجنة المركزية للحزب في نيسان وكانون الاول ٢٠١٧ على هذه الوجهة، وبيّن ثانيهما بعبارات واضحة الدلالة، ان لا فكاك من نظام ودولة المكونات المحاصصية، الا بتعديل موازين القوى السياسية لمصلحة مشروع التغيير ومن يتبناه ويدعمه ويناضل من اجل تحقيقه. الامر الذي يتطلب اصطفافا واسعا للقوى المتطلعة الى إنقاذ البلد من الحال الذي انتهى اليه ،وتدشين الإصلاح والتغيير المنشودين .
وقد لعب التطور الحاصل في المواقف الوطنية العامة للعديد من القوى، بمن فيهم الإخوة الصدريون، إلى جانب تواصل الحراك الجماهيري وتعدد اشكاله وتنوع المشاركة فيه، دوره في توفير إمكانية إقامة الاصطفاف الوطني الواسع المطلوب، وتشكيل كتلة انتخابية كبيرة نسبيا تكون احدى أدواتنا في المزيد من العمل والنضال لتحقيق التغيير المنشود .
من جانب آخر شدد حزبنا مرارا على إقامة أفضل علاقات التعاون والتنسيق مع عموم القوى المدنية والديمقراطية، وعلى احترام تعددها وخصوصياتها، وكم كان حريصا على الا ينفرط عقد " تقدم "، ومتطلعا الى تواصل التحالف مع كافة اطرافه في إطار تحالفنا الوطني الواسع، مع ان أربعة منها كانت في قوام " تقدم " هي الآن في إطار " سائرون ". وان الحزب وهو يحترم موقف بعض أطراف " تقدم " التي كانت تحمل تصورا معينا بشأن رئاسة تحالف "سائرون" – وهذا ضمن متطلبات مفوضية الانتخابات أساسا، وكما كان حاصلا بالنسبة الى التحالف المدني الديمقراطي - لم يعتبر ذلك أمرا أساسيا، على رغم قيمته الاعتبارية الرمزية. فالمهم بالنسبة الى حزبنا هو ضمان توفر القيادة الجماعية للتحالف، وهو ما سعينا الى تبنيه من جانب مختلف أطراف "سائرون"، وتجسيده في اعتبار الأمانة العامة للتحالف هيئته القيادية. كذلك في النص ضمن آليات العمل، على ضمان الاستقلال الفكري والسياسي والتنظيمي للقوى المؤتلفة في التحالف. ومن هذا يتبين بوضوح ان أطراف " تقدم " جميعا، عدا طرف واحد، لم يكن عندها اعتراض من حيث المبدأ على التحالف في اطار "سائرون"، ومع حزب الاستقامة الوطني تحديدا، الذي يدعمه السيد مقتدى الصدر.
ونجد من الضروري التأكيد من جديد ان حزبنا سيعمل على التعاون والتنسيق مع التيار الديمقراطي والقوى الديمقراطية الاخرى بأشكال مختلفة، قبل الانتخابات وبعدها. فليس من سياسته التخلي عن الوعود والتعهدات، وهو الذي يدرك ان الاختلاف على أمرٍ لا يفسد للود قضية. وسيعتمد الامر ايضا على مواقف أصدقائنا وحلفائنا من القوى المدنية والديمقراطية، لكننا نحرص على ان تبقى يد حزبنا ممدودة للجميع .
ولا بد من الاشارة هنا ايضا الى ان انخراطنا في " سائرون " لم يأت لتحقيق غاية نفعية ضيقة للحزب ، او للحصول على مقعد برلماني بأي ثمن. ولو كان هذا ما نريده لحققناه بسهولة ويسر في انتخابات عامي ٢٠١٠و ٢٠١٤. انما كنا وما زلنا نسعى الى تحقيق ما أشرنا اليه أعلاه من أهداف وتوجهات سياسية وطنية، عبر تحالف سياسي - انتخابي واسع ذي برنامج واضح المعالم، يتميّز بصدق التوجه وإقران القول بالفعل، من اجل إنقاذ الوطن والشعب من الكوارث التي سببها المتنفذون الطائفيون والفاسدون.
لقد أقدمنا على المساهمة في تحالف ذي هوية مدنية وطنية، يتوفر على إمكانات لا يستهان بها، ولكن تحويلها الى واقع أمر لا يتوقف على حزبنا وحده ، بل وعلى اطراف التحالف الاخرى وسلوكها ومراعاتها لأسس التحالف وجماعية القرار والتحلي بالمرونة، وعلى حصانة الجميع تجاه ما اثير ويثار من إشكالات وما وضع ويوضع من معوقات وعراقيل، وما بذل ويبذل من مساع لاثارة الحساسيات، بما قد يؤدي الى التخندق في المواقف. وهذا ما يشكل تحديا كبيرا لنا سنواجهه بثقة عالية بالنفس، وبتفهم ودعم من الرفاق والاصدقاء وجماهير الحزب. فيما ندعو أطراف التحالف الى اليقظة العالية ازاء من لا يروق لهم تحالفنا بما يحمل من مشروع اصلاحي تغييري.
وفي شأن آلية اتخاذ الحزب قراره المشاركة في " سائرون " نقول انه اتخذ وفقا لديمقراطية داخلية متقدمة يتميز بها حزبنا مقارنة ببقية الاحزاب، وفي اجواء رحبة تفاعل فيها الرأي والرأي الاخر. وكان طبيعيا ان يتم اللجوء الى الآليات المنصوص عليها في النظام الداخلي، حيث تتخذ قرارات الحزب على مختلف المستويات اما بالإجماع او بالاغلبية، وعلى ان تحترم الأغلبية رأي الأقلية، التي عليها في المقابل احترام رأي الأغلبية وعدم اعاقة تنفيذ قرارات الحزب، سواء تمت بالإجماع ام بالاغلبية. فهذا ما هو مثبت في النظام الداخلي للحزب ، المقرّ في مؤتمره الوطني العاشر اواخر 2016. وإذا كانت هناك آراء اخرى في هذا الصدد فهي محترمة، لكن مكانها الطبيعي هو الهيئات الحزبية المسؤولة بما فيها المؤتمر الوطني القادم ، باعتباره اعلى هيئة في الحزب.

ولقد كانت قيادة حزبنا راغبة في استفتاء أعضائه في موضوع المشاركة في تحالف "سائرون"، مثلما فعلت في حالات مماثلة سابقة. لكن عامل الوقت وضغطه لم يسمحا بغير استشارة أعضاء الهيئات القيادية المنتخبة ديمقراطيا في مؤتمر الحزب الوطني وفي المؤتمرات المحلية، وهي اللجنة المركزية والرقابة المركزية واللجان المحلية في المحافظات والهيئات المسؤولة في منظمات الخارج اضافة الى العديد من الكوادر الحزبية الاخرى. وبعد إتمام الاستفتاء وظهور نتائجه، التي اصبحت قرارا عاما ملزما لجميع اعضاء الحزب، جرى ابلاغ اطراف "سائرون" به. وقد تم الاستفتاء على رغم ان النظام الداخلي يخول اللجنة المركزية للحزب اتخاذ قرار اقامة التحالفات السياسية الضرورية ، وهي اتخذته بالفعل وباغلبية واضحة ايدت الانخراط في تحالف " سائرون " .
تلك هي الآلية الديمقراطية المتبعة في حزبنا والتي نفخر بها ونعتز، ونعتقد ان الحزب في غيابها سيتحول الى مجرد منتدى للحوار وبنهايات مفتوحة، ولن يعود حزبا للعمل والنضال، موحد الصف في العمل والارادة.
وحين نقول ان القرار اتخذ باغلبية كبيرة، فاننا نعني ايضا ان هناك بين اعضاء الحزب من كان له رأي مغاير في شأن طريقة مشاركتنا في الانتخابات، فتحفظ على القرار او اعترض. وهذا حق له مصان، طالما مارسه وفقا للسياقات التنظيمية والتقاليد المعتمدة في حزبنا. وبعكسه وكما تبين تجارب الحزب السابقة، فانه قد يلحق به ضررا بالغا.
ونشير ايضا الى ان آليات عمل الحزب وما يملكه رفاقه من خِبَر وتجارب متراكمة، وما ترسخ عندهم منذ المؤتمر الخامس بنحو خاص من تقاليد، وما إشاعه في صفوفهم من روح التجديد والديمقراطية، لا تسمح لاحد على اي مستوى كان بالانفراد في القرار، وانما – على العكس – تشجع وتدفع نحو توسيع دائرة التشاور باشكال وأطر مختلفة، وترسيخ جماعية القيادة في جميع مفاصل العمل الحزبي. فاذا وقع خطأ هنا او حدث نقص هناك في الظروف غير العادية، فان ثمة من السياقات التنظيمية ما يكفل المعالجة والعودة بالامور الى مجراها السليم.

واخيرا نقول ان المشاركة الفاعلة في الانتخابات القادمة تستوجب رفع وتيرة العمل التحضيري والحث على المشاركة الواسعة فيها، والتوجه نحو المحتشدات الجماهيرية للعمل فيها بحماس وهمة الشيوعيين، للتعريف ببرنامج الحزب وبرنامج تحالف " سائرون" الانتخابيين والترويج لهما، وللسعي الى تكوين اصطفاف واسع وراءهما، يمكنهما من احراز تمثيل كبير للتحالف في مجلس النواب، يشكل رافعة لعملية الإصلاح والتغيير المنشودين .
وان في انتظارنا الكثير من العمل المثابر، من دون كلل او ملل، لفرض ارادة جماهير الشعب على الطائفيين والفاسدين ، وإجبارهم على التراجع.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل