/
/

أعلن بيير موسكوفيتشي مفوض الشؤون النقدية في الاتحاد الأوروبي في السادس من آب الحالي عن صرف آخر دفعة  بقيمة 15 مليار يورو إلى اليونان.

وتساءلت وسائل اعلام يسارية يونانية عن امكانية اعتبار هذا الخبر مناسبة الاحتفال، ولكنها وفي غالبيتها اجابت: ان المبلغ المسلم هو عبء آخر على أكتاف اليونانيين، وبموجبه ترتفع مديونية اليونان  إلى 203,77 مليار يورو ، فضلا عن 5,5 مليار يورو ستحول الى حساب منفصل لخدمة الديون ، أما المبلغ المتبقي وقدره 9.5 مليار يورو فسيحول الى حساب خاص لبناء احتياطي نقدي.

 ويتجاوز مبلغ مديونية اليونان الناتج الاجمالي المحلي المتوقع في عام 2018 . وبهذا تصبح صناديق الاستقرار الأوربي اكبر دائني اليونان.

الخبر الجيد  بالنسبة لليونان هو انتهاء "عمليات الإنقاذ" و "مساعدات اليونان". لكن الخبر السيئ هو  أن الأزمة لم تنته بعد. وقد تفاقم الوضع الاقتصادي والاجتماعي بسبب سياسات التقشف في السنوات الأخيرة، ولا يزال الدين العام مرتفعاً بشكل كبير. وحتى إذا كان الوضع الاقتصادي يتحسن ببطء، فلا تزال هناك تحديات كبيرة امام الحكومة اليسارية في اثينا.

يجب على اليونان، حتى عام 2060،  أن تحقق فائضاً أساسياً في الميزانية لا يقل عن 2,2 في المائة  من الناتج الإجمالي المحلي. وبدأت مفوضية الاتحاد الأوروبي بالفعل "تعزيز المراقبة" عبر أداة تستخدم للمرة الأولى. هل هي "مذكرة" جديدة؟ تجيب  بروكسل بالنفي ، لان الشروط " تهتم فقط بانجاز بعض الإصلاحات التي شرعت بها اليونان بالفعل في إطار برنامج دعم الاستقرار وتوفير الحوافز وإعادة التأمينات اللازمة، لمعالجة إجراءات تخفيض الديون المخطط لها في الأشهر والسنوات القادمة".

تسيبراس: العدالة الاجتماعية تحل محل التقشف 

وفي العاصمة أثينا، يأمل المرء في الحصول على مساحة لتحقيق "مكاسب اجتماعية". وقال رئيس الوزراء الكسيس تسيبراس: "اليونان أصبحت بلدا طبيعيا مرة أخرى وهي تستعيد سيادتها السياسية والاقتصادية واليونان تقف على قدميها وقد نجحنا حيث فشلت حكومات أخرى." وشدد على أن المراقبة بعد آب 2018 لن تكون نفس "المراقبة التي مررنا بها أثناء عملية الإنقاذ". واعتبارا من عام 2019 ، " ستحل العدالة الاجتماعية محل التقشف".

اليسار والتجربة الصعبة في اليونان

الصحفي اليساري الالماني المعروف، رئيس تحرير جريدة "نويز دويجلاند" السابق، توم شتروشنايدر توصل في مقال حديث له عن التجربة اليونانية، ضمن امور أخرى، الى تصورات بشأن الدورس التي يمكن لليسار ان يتعلمها من التجربة اليونانية. وقد اشار فيها الى ان مثل اليونان يمكن أن يساعد في جعل السياسات التقدمية أكثر حكمة، واكثر تنوعا في التعامل مع التناقضات المجتمعية، التي لا تختفي لمجرد تجاهلها ببساطة أو إغراقها بشعارات عالية الصوت. و الواقع لا يتطابق مع تشكيلات بسيطة في رقعة شطرنج  الصراعات السياسية على قاعدة التفريق بين الاسود والابيض.

ان الأمر أكثر تعقيدا من حصر  الفشل في  تحقيق تحول تقدمي في اليونان، في سياسة الاتحاد الأوروبي أو صندوق النقد الدولي أو الدائنين، والمتحدثين بلسانهم في مؤسسات الاعلام الليبرالية الجديدة، رغم قسوة وعمق الأذى الذي تحمله الشعب اليوناني جراء هذه السياسات.  فمن الضروري ايضا عدم اهمال الفساد، والتهرب الضريبي، والبيروقراطية، والبنى التحتية العامة غير الكفوءة، والتقاليد الزبائنية، التي ادت الى عدم تواؤم اجتماعي واقتصادي.

 ان التحدي المتمثل في اجراء إصلاح أساسي للدولة، لم يهتم به الكثير من المراقبين اليساريين، رغم انه كان منطقيا جدا.وقد فشل التحول التقدمي الفعال في اليونان لأن اليسار في بلدان الأخرى بقي ضعيفا، ولم يستطع تغيير موازين القوى في أوروبا، وكسر خرسانة الليبرالية الجديدة  في القواعد التي يعتمدها الاتحاد الأوروبي وفي هياكله.

فهل تمت خسارة كل شيء؟ اطلاقا لا، وربما يحاول اليسار مجدداً مع شيء من الصفاء الجدلي. وبالطبع، ليس من السهل الحفاظ على هذا الصفاء، عندما تكون أسباب التغيير ملحة للغاية، ويبدو وكأن العقبات التي تحول دون تحقيقه لا يمكن التغلب عليها. وهذا  لا ينفصل عن القاء نظرة على  الوضع الاجتماعي والاقتصادي في اليونان.

 وستكون هناك حاجة لمزيد من الوقت للمراجعة، وسترتكب اخطاء جديدة، وتدور مناقشات جديدة، تصاحبها بالتأكيد قرارات منهجية خاطئة. ولكن كيف سيتحقق البديل من دون مواصلة الطريق الصعب والشاق.

 ويمكن لتجربة اليونان أن تعلمّنا أيضا القبول بالشك بالذات، وشجاعة الاعتراف بنقاط الضعف، وليس تقديم الاجابات االجاهزة والنهائية دائما. 

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل