/
/

رشيد غويلب
ضيفت مدينة "سلفادور دا باهيا" البرازيلية في الفترة من 13 الى 17 اذار الفائت الدورة 14 من المنتدى الاجتماعي العالمي. وتحت شعار "المقاومة تعني البناء، المقاومة تعني التحول". تضمن برنامج المنتدى 1600 فعالية، شارك فيها 20 الف مشارك وعشرات الآلاف من الزوار اليوميين.
وشارك الالاف في مسيرة الافتتاح التي طافت شوارع المدينة، ولم تحمل المسيرة شعارها المعروف "عالم آخر ممكن"، بل حملت شعارا برازيلياً "ارحل تامر"، الذي يطالب برحيل رئيس الانقلاب البرلماني ميشيل تامر. ويأتي الشعار للتضامن مع الحركة الاجتماعية البرازيلية التي تناضل ضد حكومة الانقلاب البرلماني، ولدعم مرشح قوى اليسار البرازيلي، ورئيس الجمهورية الاسبق "لولا دي سلفيا".
وواجه انعقاد المنتدى هذه المرة بعض الصعوبات، بسبب المناقشات الحادة المستمرة، منذ دورته السابقة في مدينة مونتريال الكندية، والتي تدور حول طبيعة المنتدى ، وحتى معنى وجوده. ومن المعروف ان فكرة المنتدى الاجتماعي انطلقت مع بداية القرن الـ 21 ، لحاجة الحركات الاجتماعية وقوى اليسار، الى فضاء للحوار المفتوح، خصوصا في امريكا اللاتينية، التي كانت تقف على عتبة انتصار قوى التقدم واليسار فيها ، وهو ما حدث لاحقا.
وخلال السنوات الاخيرة، طالبت أصوات كثيرة بضرورة المضي قدما بالتجربة، وشكت تحول المنتدى الاجتماعي العالمي إلى مجرد تجمع للمنظمات غير الحكومية. ولم تنجح دورة المنتدى في مونتريال في حسم النقاش.
وفي عام 2017 قررت قطاعات واسعة في حزب العمل البرازيلي ، والعديد من الحركات الاجتماعية في البلاد، وعدد من المنظمات الاعضاء في المجلس العالمي للمنتدى، المضي قدمًا وتنظيم المنتدى في مدينة" سلفادور دي باهيا"، عاصمة ولاية اتحادية يحكمها حزب العمل ، وقدمت جامعتها الدعم المطلوب. بالإضافة إلى توفر إرادة سياسية واضحة لاستعادة زخم اليسار السياسي في أعقاب عزل رئيسة الجمهورية المنتخبة ديمقراطيا ديلما روسيف، وتصاعد حملة اليمين لإيداع "لولا دي سلفيا في السجن، وهو ما تحقق في 8 نيسان الحالي. وشارك في التحضيرات حركات مناضلة مؤثرة في البرازيل منها حزب العمل، الحزب الشيوعي في البرازيل، وأكبر الاتحادات النقابية.
لقد كان المنتدى هذه المرة أصغر من سابقاته، على الرغم من مشاركة 80 الف ناشط. ولم يغيّر الحضور الأممي في فعالياته، من حقيقة كونه برازيليا، لذلك تمحورت جميع المناقشات على ثلاث قضايا برازيلية: حملة اليمين ضد "لولا" ، اغتيال المناضلة اليسارية مارييل فرانكو الذي فرض نفسه على اجواء المنتدى، والمطالبة الجماعية برحيل رئيس الانقلاب البرلماني.
طبيعة المدينة المضيفة جعلت قضايا العنصرية، ونضال الحركة النسوية، محطة مناقشات مهمة. وتمتاز المدينة بوجود اكبر نسبة من السكان السود فيها،وتعد مهد الثقافة الأفريقية البرازيلية. وكان لنبأ اغتيال المناضلة اليسارية السوداء، وعضو مجلس بلدية مدينة ريو دي جانيرو ، مارييل فرانكو، في 14 اذار، وقع كبير في مدينة تعاني العنصرية المنظمة، جعلت المنتدى ساحة للغضب ضد الجرائم بحق النساء، ولمواجهة العنصرية.
وفي اليوم التالي تحدث "لولا" في ملعب المدينة، وكان واضحا ان حملة مؤسسات الاعلام اليمينية قد اثرت على نسبة الحضور, ويقول متابعون ان ذلك لم يؤثر على التأييد الانتخابي الذي يحظى به "لولا". وبالرغم من ذلك ، كان اجتماعا كبيرا . شدد فيه "لولا" على براءته ودعا السكان إلى عدم التراجع امام الانقلابيين اليمينيين. وبعد "لولا" تحدثت مانويلا دافيلا مرشحة الحزب الشيوعي في البرازيل لانتخابات الرئاسة في جولتها الأولى، وفي جولة الانتخابات الثانية سيصوت ناخبوها تنفيذا لقرار الحزب لصالح مرشح اليسار المشترك "لولا".
والمعروف عن مانويلا دافيلا، انها خطيبة بارعة جدا، وجذرية جدا في مواقفها ومقترحاتها، وقد شاركت في جميع فعاليات المنتدى وركزت في مداخلاتها على رفض الظلم، والدعوة الى العدالة الاجتماعية.
والآن يدور الجدل حول كيفية تعميق طابع المنتدى السياسي. وهناك اتفاق واسع على هذا التوجه، وعلى ضرورة تعزيز تحالفات المقاومة، في لحظة هجوم صعب لقوى اليمين والمراكز الراسمالية.
ويحتفظ المنتدى الاجتماعي بأهميته كفضاء للّقاء ، ولكن التوجه هو تجاوز هذه الحدود والعمل على مشاريع مشتركة مستقبلية. وهذا ما تعكسه المحطات المقبلة: المنتدى العالمي للمهاجرين في تشرين الاول في المكسيك، القمة المضادة لقمة العشرين في كانون الأول في الارجنتين. وسينظم المنتدى الاجتماعي العالمي 2019 ، في احد البلدان التالية: البرتغال ، المكسيك ، سويسرا أو البرازيل.
ويعتقد الكثير من قوى اليسار العالمي، ان تجربة المنتدى الاجتماعي اكدت ضرورة استمراره، لحاجة قوى اليسار الاجتماعي والسياسي الى جميع الساحات لتنظيم تحالفات المقاومة، في وقت تترك فيه عدوانية الرأسمالية الملايين من الناس دون أمل منظور. والمنتدى هو ليس الفضاء الوحيد او الأفضل، ولكنه ساحة اساسية للّقاء، لكي يتعزز الفهم بأن "عالم آخر ممكن"

تنزیل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل