/
/
/

ادلى وزير الموارد المائية الدكتور حسن الجنابي بحديث الى مجلة "مفاهيم السياسة الخارجية" الامريكية حول أزمة المياه في العراق وبعض التدابير التي اتخذتها الحكومة العراقية للتخفيف من التحديات التي تواجهها البلاد في هذا المجال.
ونظرا لاهمية الحديث نعيد نشره في ادناه.
 
لقد تقلص تدفق حوض نهر دجلة والفرات بشكل كبير. ما هي الآثار الجيوسياسية وغيرها من آثار هذا التحدي؟

- تعلمون إن 70 في المائة من المياه المتدفقة إلى العراق تنبع من خارج حدود العراق الوطنية، والعراق هو دولة المصب الأدنى في حوض نهر دجلة والفرات. وعلى هذا فهو في الطرف المتلقي لكل ما يتعلق بالمشاكل التي تؤثر على موارد المياه في المنطقة.
كان الانخفاض في تدفقات المياه إلى بلدنا مأساويا. وإحصائيا، كان متوسط التدفق السنوي في السنوات العشر الأخيرة يعادل 45بالمائة من المتوسط على المدى الطويل في حوضي نهري دجلة والفرات، وهذا لا يشمل النهرين الرئيسيين في الجزء الجنوبي من العراق اللذين ينبعان من جمهورية إيران الإسلامية، وهما نهرا الكرخة وقارون. من الناحية التاريخية، كان هذان النهران يفرغان مياههما في شط العرب، بشكل مباشر أو غير مباشر، ولكنهما توقفا عن التدفق إلى العراق بسبب بناء السدود الكبيرة وهياكل التحكم والتحويل في الجارة إيران.
ولم تتوقف أنشطة بناء السدود في الجارة تركيا منذ منتصف السبعينيات. وقد أنجِزَ العديد من السدود في الروافد العليا لنهري دجلة والفرات. وتأثر العراق بشدة، بصفته بلد المصب الأدنى، بهذه الاعمال التمهيدية، كذلك ببناء السدود على الجانب الإيراني من نهري الزاب الأسفل وديالى. ويتمثل الأثر الرئيسي لهذا في الانخفاض الحاد لتدفقات المياه إلى بلدنا.
وتعتبر المياه بالطبع مصدرا حيويا في هذه المنطقة بسبب الاحتياجات المتزايدة اليها من أجل التنمية الاقتصادية، ناهيك عن عواقب الاحترار العالمي وتغير المناخ على الموارد المائية في نهري دجلة والفرات. لذلك، فإن انخفاض الموارد المائية يمثل تحديا حقيقيا للعراق، لا سيما في غياب أي اتفاقيات طويلة الأجل بشأن تقاسم المياه مع البلدان المجاورة.

 وبالنظر إلى عدم وجود مثل هذه الاتفاقات بين الدول المطلة على حوضي نهري دجلة والفرات، ما هي خطط العراق للتعامل مع نصيبه المتناقص من المياه من نهريه الرئيسيين؟

- العراق يسعى إلى إيجاد الوسائل السلمية لتأمين حصته المشروعة من المياه العابرة للحدود استنادا إلى مبادئ القانون الدولي والاستخدام المنصف والمعقول للموارد المائية المشتركة.
وفي الوقت الذي ندرك فيه احتياجات جيراننا المتغيرة لتطوير مواردهم المائية بطريقة مستدامة، فإننا نطالب باحترام احتياجاتنا من المياه، وأن يُعتَرَف بحقوقنا في حصة عادلة من موارد المياه المشتركة. وموقفنا هو أن العمل الإنمائي بشأن الموارد المائية المشتركة أو العابرة للحدود يجب أن يتم بالاتفاق مع جميع البلدان المتشاطئة لتجنب الآثار الاقتصادية والبيئية الضارة. وهذا يتفق مع "قاعدة عدم الإضرار" التي تعتبر مبدأ هاما في القانون الدولي للمياه العابرة للحدود.

إعادة تأهيل الأهوار العراقية

لدى وزارتي، وزارة الموارد المائية العراقية، ووزارة الغابات وشؤون المياه في تركيا، مذكرة تفاهم مهمة في مجال المياه. ونحن ملتزمون بتنفيذ مذكرة التفاهم على أمل أن يتم التقريب بين الجانبين واستخلاص المنافع المتبادلة من مشاريع المياه المشتركة وتبادل المعارف والخبرات. وسنعالج سريعا موضوع "اختبار" مستوى جديد من التعاون الثنائي، في كيفية قيام تركيا بملء سد أليسو الذي أنجزته حديثا على نهر دجلة.
لقد قدم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تأكيدات لرئيس مجلس الوزراء العراقي الدكتور حيدر عبادي خلال زيارته إلى أنقرة في تشرين الأول 2017 بأن أي ضرر لن يلحق بالعراق عندما تبدأ تركيا بملء السد في آذار 2018. وهذا التزام كبير ونحن نعتقد أن أفضل طريقة لترجمته إلى واقع هي في إعادة جدولة ملء السد ليبدأ في حزيران 2018، مما يسمح للعراق بتخزين ما يكفي من المياه لموسم الصيف القادم، والذي عادة ما يكون فترة الحد الأقصى للطلب على المياه في بلادنا .
لدينا أيضا آمال مماثلة في التعاون بشأن موارد المياه العابرة للحدود مع جارتنا الشرقية، إيران. وفي الوقت الراهن، فإن العلاقات الثنائية بين العراق وإيران جيدة بشكل استثنائي، مما يمهد الطريق أمام التعاون عبر الحدود من أجل الحفاظ على هور الحويزة، وهو موقع قائم للتراث العالمي.
ومن شأن تأمين تعاون طويل الأجل للمياه مع البلدان المتشاطئة لنهري دجلة والفرات أن يكون خطوة كبيرة إلى الأمام من أجل التنفيذ الناجح لاستراتيجية العراق في مجال المياه والأراضي، التي تمتد لعشرين عاما والتي من المقرر الانتهاء منها بحلول عام 2035.

 شهد العراق هجرة داخلية هائلة من المناطق الريفية إلى المناطق الحضرية منذ الخمسينات. ما هي انعكاسات هذا الاتجاه على الاقتصاد الهيدرولوجي العراقي؟

- صحيح. هذا هو الحال منذ عقود وحتى الآن، للأسف. وأدى تدهور ظروف المعيشة في المناطق الريفية، إلى جانب سوء إدارة الموارد الطبيعية والسياسة السيئة في للنظم السابقة، إلى إفقار كبير وتشريد لسكان الريف في نهاية المطاف إلى المدن والمناطق الفرعية، مما تسبب في اختلالات اجتماعية وسياسية أعمق.
في الخمسينيات من القرن الماضي، وحتى قبل ذلك، كان ما يقرب من 70 في المائة من سكان العراق يعيشون في مناطق ريفية ذات إنتاجية معقولة ومكتفية ذاتيا من ناحية الاقتصاد. اما في الوقت الراهن، فإن من الحكمة القول إن هذه النسبة المئوية معكوسة. إذْ يعيش ما يقرب من 70 في المائة من سكان العراق في المناطق الحضرية والمدن. وتحول السكان الريفيون الذين ينتجون الأغذية عادة إلى مستهلكين للغذاء عاطلين عن العمل أو أقل إنتاجا، مما أدى إلى نشوء فئات بائسة على هوامش المدن. وفي ظل النظام السابق، أصبح هؤلاء الناس ضحايا حروب مغامرة ومدمرة. واستخدمهم صدام حسين كطعام للمدفعية في الصراعات التي خاضها ضد الآخرين. كما أطلق الدكتاتور برنامجا شريرا لتجفيف الأهور في الجنوب، مما دفع المزيد من سكان الريف الأصليين إلى هجرة قراهم القديمة الشبيهة بالقرى السومرية، فسقطوا في حياة انعدام الأمن، والفقر والجوع.
وقد أثرت الهجرة من الريف إلى المدن تأثيرا سلبيا عميقا على موارد المياه في العراق. وأدى تحويل الأراضي الزراعية حول المدن الكبرى إلى مناطق سكنية إلى تفاقم عواقب انخفاض الموارد المائية على الإنتاجية الزراعية. وهناك أيضا حوافز أقل للاستثمار في الزراعة والمدخلات الزراعية، بما في ذلك الموارد المائية.
وبينما كانت هذه العواقب تتكاثف، ركزت السياسات الحكومية بعد عام 2003 على استعادة الأهوار وعلى السياسات المتكاملة لإدارة المياه. غير أن الدمار الناجم عن الحروب المتتالية والهجمات الإرهابية وبناء شبكات واسعة من السدود في البلدان المجاورة، جعل من الصعب الحصول على اقتصاد مائي يتسم بالمرونة والاكتفاء الذاتي في العراق.

 في ضوء الندرة الحالية المتصاعدة في المياه، ما هي خططكم للتوزيع والحفاظ على المياه في ارجاء البلاد المختلفة؟

- يواجه البلد حاليا ندرة حادة في المياه تكثفت بسبب تدابير التحكم المفرطة في الروافد العليا لحوض دجلة والفرات، والقلق الذي تسبب فيه إعلان تركيا عن نيتها ملء سد إليسو من مياه دجلة. ونحن لدينا موسمان للري في كل عام: موسم الشتاء وموسم الصيف. الموسم الشتوي في تشرين الأول - كانون الأول، وقد حاولنا جاهدين أن نعدل خطط الري الخاصة بنا، لكي نضع في الاعتبار الظروف الجديدة الناجمة عن انخفاض هطول الأمطار، بالإضافة إلى الإعلان التركي عن خطة ملء سد إليسو. ومع ذلك، فإن نظام المياه لدينا، على الرغم من كل شيء، متطور ومرن إلى حد معقول، لكن من الواضح أنه لا يمكن أن يستجيب لتدابير إدارة مياه غير معروفة في البلدان المجاورة.
وفي فصل الشتاء هذا، ظهرت مشكلة ندرة المياه بشكل واضح في المحافظات الجنوبية، بسبب الإفراط في استخدام المياه من قبل مختلف مستخدمي المنبع داخل البلد. وقامت وزارة الموارد المائية، بالتعاون مع المؤسسات الحكومية الأخرى، بوضع خطة لمواجهة الجفاف في موسم الصيف المقبل لتلبية الالاحتياجات الى مياه الشرب والري. ويبدي رئيس الوزراء الدكتور العبادي اهتماما شخصيا ويوافق في نهاية المطاف على تعامل الحكومة مع الصعوبات المحتملة التي تواجه مختلف مستخدمي المياه في الظروف الهيدرولوجية السائدة حاليا. على أي حال، نود أن نكون متفائلين بشأن إنشاء نظام توزيع عادل للموارد المائية الشحيحة محليا وكذلك حول التعاون مع الدول المتشاطئة للحد من العواقب الضارة لتدابيرها على العراق.

 كنت عضواً في وفد رئيس الوزراء حيدر العبادي خلال زيارته الأخيرة لتركيا وإيران. ما هي طبيعة مناقشاتكم مع المسؤولين الأتراك والإيرانيين حول تفاقم ندرة المياه في حوض دجلة والفرات؟

- جاءت الزيارة إلى تركيا تتويجا للتحسن التدريجي في العلاقات الثنائية نتيجة لتغير الحراكات السياسية والأمنية في المنطقة، وأبرزها الحملة العراقية المظفرة ضد تنظيم داعش الإرهابي. وكان الاستفتاء الكردي حافزا آخر لتحريك العلاقات الثنائية إلى ما فوق "العمل كالمعتاد". غير أن رئيس الوزراء العراقي أوضح للرئيس أردوغان أن المياه هي شريان الحياة بالنسبة للعراق، مما يضع قضية المياه في قائمة الأولويات في العلاقات العراقية التركية. وأعلن الرئيس التركي، وكذلك رئيس وزرائه ووزير شؤون الغابات والمياه، بوضوح، التزام تركيا بعدم التسبب في أي ضرر للعراق.
أما بالنسبة للزيارة التي قمتُ بها إلى جمهورية إيران الإسلامية، فقد جاءت في الوقت المناسب في ضوء العلاقات الثنائية المتطورة. وقد نوقشت خلالها قضايا المياه بصورة مستفيضة مع نظرائنا الإيرانيين. وأعرب الجانبان عن اهتمامهما بتطوير حوار مشترك وزيارات وتبادل خبرات بشأن مكافحة الجفاف، وعواصف الغبار، ومشاريع التنمية الأخرى. ونتطلع الى العمل مع نظرائنا الإيرانيين في مواجهة هذه التحديات المشتركة.

 كيف يمكن لقرار اليونسكو اعلان أهوار جنوب العراق موقعا تراثيا عالميا ان يساعد جهودكم لاستعادة الأهوار التي دمرها نظام صدام حسين؟

- من المؤكد أننا نأمل أن تساعدنا اليونسكو في جهودنا في هذا الصدد. ولكن الواقع مختلف قليلا. ومع ذلك، فإن البلدان المتشاطئة أطراف في عدة اتفاقيات دولية ملزمة، من شأن تنفيذها أن يضمن الوصول المنصف والعادل إلى المياه، وحماية التنوع البيولوجي، وتنسيق البرامج الإقليمية لمكافحة التصحر، وتيسير التكيف مع التغير المناخي. ونحن ندعوها إلى ضمان عدم انتهاك تدابير إدارة المياه، وتنفيذ الاتفاقيات الدولية التي تنظم موارد المياه العابرة للحدود وأحواض الصرف. وتمثل قائمة اليونسكو للتراث العالمي فرصة قيمة للبلدان المتشاطئة للحفاظ على الأهوار العراقية ليس فقط للعراقيين بل أيضا وللبشرية جمعاء.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*
الدكتور حسن الجنابي، وزير الموارد المائية شغل سابقا منصب سفير العراق لدى اليابان ولدى وكالات الأمم المتحدة التي تتخذ من روما مقرا لها مثل منظمة الأغذية والزراعة وبرنامج الأغذية العالمي والصندوق الدولي للتنمية الزراعية. وقد عمل أيضا مستشارا للحكومة العراقية مكلفاً بالإشراف على مشاريع المياه والأشغال العامة المقدمة من الدول المانحة في العراق بعد عام 2003. وخلال حياته المهنية الطويلة في إدارة وتخطيط المشاريع الكبرى في مجالات الموارد الطبيعية والبيئة، قام بتطوير فهم عميق لهيدرولوجيا أحواض الأنهار، وإدارة النهر العابر للحدود، والنظم الإيكولوجية، وإدارة مجمعات المياه، والنمذجة الهيدروليكية، وتطبيقات نظم المعلومات الجغرافية.
يحمل الدكتور الجنابي درجة البكالوريوس من كلية الهندسة في جامعة بغداد. وحصل على مؤهلات الدراسات العليا من جامعة وارسو في بولندا وجامعة التكنولوجيا في سيدني بأستراليا.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل