/
/

عبد اللطيف السعدي
وهكذا، مضت الانتخابات السياسية الإيطالية، التي يفترض أن تقرر مصير البلاد المأزومة للسنوات الخمس القادمة. وكما توقع المراقبون وعلى أرضية أزمة معقدة متداخلة بين النظام السياسي والإقتصادي – الإجتماعي، من جهة، وطابع ومستوى الوعي الاجتماعي العام، من جهة ثانية، فإن نتائجها لم تفرز أغلبية حاسمة قادرة على حكم البلاد للفترة التشريعية القادمة، إلا إذا حصلت معجزة، بل قل مهزلة عقد تحالفات لا أساس لها إلا في عقول الباحثين عن تسلم الحكم بأي ثمن سياسي. ولحد اللحظة لا توجد أية قوة أو كتلة فازت بأغلبية المقاعد على إستعداد للمجازفة بهذا الأمر. أكدت ذلك تصريحات متعددة من قبل تلك القوى، وخاصة من قبل أحد الكاسبين في هذه الإنتخابات، والمقصود رابطة الشمال، الإيطالية اليمينية المتطرفة في عدائها للهجرة والمهاجرين، وللتنوع الثقافي في البلاد. وكانت تصريحات سكرتير الحزب الديمقراطي، المنحسرة أصواته بشكل كبير، الأخيرة خير دليل على ذلك، خاصة وأن بعض الاصوات خرجت من بين صفوف الحزب تدعو الى التحالف مع حركة 5 نجوم. فقد رفض أية وجهة أو تفكير للجوء إلى ذلك، مقراً بالهزيمة السياسية، وفي ضوء ذلك قدّم إستقالته من منصبه سكرتيراً للحزب الديمقراطي. ولكنه رهن تنفيذ الأمر بانعقاد مؤتمر الحزب.
وأصبح واضحاً ومؤكداً أن الحزب الديمقراطي الحاكم منذ العام 2013، هو الخاسر الأكبر في هذه الإنتخابات. فبعد تحقيقه نسبا متقدمة في الإنتخابات الرئيسية السابقة، سواء السياسية أم البلدية أم الأوروبية، تراجع هذا الحزب الذي فقد هويته، منذ أكثر من عقد من السنين. فلقد حصل في انتخابات مجلس النواب على 18,71في المائة، بمعنى أنه سيتمثل في مجلس النواب بـ 110 مقاعد، وفي مجلس الشيوخ(السيناتو) بـ 55 مقعداً. وهو الأمر الذي لم يحصل منذ تسعينات القرن الماضي.
ومعروف أن الحزب هو الوريث أوالإمتداد الشرعي للحزب الذي إنبثق عام 1991 عن المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي الإيطالي، تحت اسم الحزب الديمقراطي اليساري، وبعد ذلك بسنوات، تحول إلى حزب "ديموقراطيو اليسار" وبعد تحالفه مع قوى وسطية تعود أصولها إلى تشظيات الحزب الديمقراطي المسيحي، وهي وسطية بتوجهاتها الإقتصادية والإجتماعية، أصبح اسمه الحزب الديمقراطي. وشهد بعد ذلك جملة من الإنشقاقات والإنشطارات، كان آخرها تشكيل حزب "أحرار ومتساوون" برئاسة رئيس مجلس الشيوخ الإيطالي، حتى الشروع في الإنتخابات. بيترو غراسُو، مدفوعاً من الحرس القديم في الحزب، أعمدة يسار الوسط السابق، ماسِيمو داليما (لم يحقق نتيجة للعودة إلى حلبة السياسة، في منطقته إذ حصل على أقل من 3في المائة فقط)، وأمين الحزب السابق بير لويجي بيرساني.
وكان الحزب الأول بنتائجه في هذه الإنتخابات، هو حركة خمس نجوم الشعبوية، التي تأسست قبل أكثر من عشر سنوات، ومؤسسها هو الممثل الكوميدي بيبُو غريلُو. واستندت في حملاتها الانتخابية على المعارضة الشديدة لحكم الحزب الديمقراطي طيلة السنوات الخمس الماضية، مدعيةً بالدفاع عن حقوق الإيطاليين، وإجراء إصلاحات جذرية تلغي فيها إمتيازات السياسيين، إلى جانب العمل على تخفيف الأعباء الضريبية، ولهذا استطاعت كسب جماهير القاعدة الواسعة وخاصة في وسط وجنوب إيطاليا، بشكل أساس، كما تمكنت من الإستحواذ على أكثرمن مليون صوتٍ كانت في حيازة الحزب الديمقراطي. وقد حققت الحركة، فوزا بنسبة 32,64 في المائة وسيتمثل بـ 221 مقعداً في مجلس النواب، وبـ112 في مجلس الشيوخ. وفي الغرفتين لم تحقق الحركة الأغلبية المريحة التي تسمح لقادتها بتشكيل الحكومة.
والكاسب الآخر في هذه الإنتخابات، التي أضحت كابوساً إيطالياً، هو حزب رابطة الشمال اليميني المتطرف، بزعامة ماتِيو سالفيني، والذي كانت مسيرته تتركز في مناطق يعتبرها مؤهلة للإنفصال وتشكيل جمهورية مستقلة، باسم "بادانيا" في شمال وشمال شرق البلاد. ولقد لعب هذا الحزب وزعيمه، في الحملة الإنتخابية على توظيف قضية الأمن، والترهيب من ظاهرة الهجرة،، وثم معاداة قواعد إعتبرها مضرة بإيطاليا، في إطارالإتحاد الأوروبي. والغريب أن حزب رابطة الشمال تمكن من تحقيق تقدم حتى في العاصمة الإيطالية روما، حيث حقق ما بين 8 – 12في المائة، في حين نال في آخر انتخابات بلدية 2,7في المائة فقط. وهذا أمر يؤكد حقيقة هزيمة وأزمة الحزب الديمقراطي. كما أنه تقدم، لأول مرة،على حليفه حزب بيرلسكوني "فورتسا إيطاليا- إيطاليا للأمام" ، الأمر الذي أكد أن سالفيني سيكون هو مرشح اليمين واليمين المتطرف. وحقق نسبة 17,4في المائة وستمثل بـ 73 نائباً فقط في خانة التمثيل النسبي.
رئيس الوزراء الاسبق بيرلسكوني، رجل التلفزيونات والفضائح الضرائبية والأخلاقية، زعيم حزب "فورتسا إيطاليا- إيطاليا للأمام"، وبعد دخوله في الحملة الإنتخابية، ومحاولته لأن يعيد حزبه إلى المرتبة الأولى، تراجعت أصواته حيث خسر مايقرب من مليون صوت لصالح حليفه حزب رابطة الشمال"، وحقق نسبة تعلو قليلاً على الـ 14في المائة.
وتمكنت كتلة "أحرار ومتساوون" المنشقة عن الحزب الديمقراطي، بوقت قصير نسبياً عن موعد الإنتخابات، من تجاوز معيار الـ 3في المائة وحصل على 3,38. أي حصل على 14 مقعداً في مجلس النواب، وعلى 4 مقاعد في الشيوخ.
وفي المحصلة النهائية، تقدم تحالف اليمين واليمين المتطرف بزعامة سالفي- بيرلسكوني، بحصوله على نسبة 37,07في المائة، أي أقل من النسبة التي تؤهله لتشكيل الحكومة، التي تحتاج إلى أغلبية في غرفتي البرلمان. ففي مجلس النواب حصل على 260 مقعداً، في حين أن الغالبية تتمثل بـ 315. وفي مجلس الشيوخ حصل التحالف على 135، في حين أن الأغلبية تحتاج إلى تجاوز الـ 159 مقعداً.
ومن مفارقات هذه الإنتخابات، بل من مؤشرات أزمة النظام السياسي التي أدت إلى تعقد نتائجها، ظهور كتلة جدية شابة وتحمل إرث اليسارالإيطالي التأريخي (الإرث الشيوعي تحديداً). ففي وقت متأخر جداً من موعد الإنتخابات، وربما قبل أكثر من أربعة أشهر على إجرائها، انبثقت كتلة "السلطة للشعب- بوتيري آل بوبولو"، التي تأسست بمبادرة من قوى شبابية في نابولي تمثلت بشكل أساسي، في مراكز إجتماعية. وانضم إليها بل دعمها بشكل كبير حزب "إعادة التأسيس الشيوعي" الوريث الحقيقي للحزب الشيوعي الإيطالي العتيد، منذ إنشطاره في المؤتمر العشرين عام 1991 من القرن الماضي، والذي شهد فيما بعد إنشطارات متنوعة. وكان الأمل معقوداً وسط جماهير واسعة من اليسار الجذري. ولكنه ولأسباب عديدة، تعود في أصولها لأزمة اليسار وتشتت قواه، وثم لمحاصرته في الحملة الإنتخابية، وقلة موارد قادته، لم يحقق إلا نسبة 1.12في المائة. أي أقل من نسبة الـ 3في المائة التي تسمح له بالتمثيل في البرلمان الإيطالي.
اللافت أن تحالف "اليمين واليمين المتطرف" استحوذ على مساحات واسعة تبدأ من شمال وسط إيطاليا نحو الشمال، واستند إلى مخاوف وهواجس الناخبين الأمنية، وخاصة في ما يتعلق بالترهيب من ظاهرة الهجرة في البلاد. وتخللت هذه المناطق بقع أو جزر صغيرة متناثرة للون الأحمر في إشارة إلى ما يطلق عليه إعلامياً "يسار الوسط" وهو في الواقع يمثل قوى تقف إلى يمين اليسار، ممثلة بشكل أساس بالحزب الديمقراطي.
وفي المقابل فإن حركة خمس نجوم إكتسحت مساحات واسعة من وسط وجنوب إيطاليا، وهي مناطق أقل تطوراً من الشمال، حيث سيطرت على مشاعر الناخبين وجهة المساعدة وتحسين الأوضاع المعاشية للمواطنين.

أسباب وعوامل بؤس وأزمة النتائج الإنتخابية

ان رؤية شاملة للأوضاع الإيطالية، ومنذ أكثر من عقدين من السنين تشير إلى تراجع كبير وفاضح في إلتصاق المواطن الإيطالي بجدوى الإنتخابات في الخروج من الأزمات، وخاصة خلال السنوات العشر الماضية، وخاصة الأزمة الإقتصادية- المالية. حيث بقيت نسبة البطالة مميزة، وهي وإن تراجعت نسبتها خلال السنوات الخمس الأخيرة، إلاّ أنها بقيت مشكلة بارزة، وخاصة بين الشباب الذين صاروا يلجؤون إلى الهجرة للحصول على مواقع وفرص للعمل. ونسبة البطالة العامة في إيطاليا تقترب من 11في المائة وبين الشباب تعلو عن نسبة 30في المائة.
كما أن من الأسباب الجوهرية أيضاً، ضعف وتشتت قوى اليسار الإيطالي، وبالأخص قوى يعود إرثها إلى تأريخ الحركة الشيوعية في إيطاليا. ولقد نزلت هذه القوى في قوائم متعددة. فإلى جانب كتلة "السلطة للشعب" المدعومة من حزب "إعادة التأسيس الشيوعي"، نزل الحزب الشيوعي الإيطالي، الذي تأسس قبل أكثر من سنتين، وقوامه حزب "الشيوعيين الإيطاليين" وقوى أو مجموعات شيوعية وماركسية، متناثرة. كما شاركت قائمة أخرى مثلت قوى إلى يسار الشيوعيين ولم تحقق أي نسبة تذكر في الإنتخابات. وهذا الواقع، ترك آثاراً نفسية وفكرية كبيرة ومؤثرة على خيارات الناخبين التقليدين لليسار الإيطالي.
هذه الأسباب وعوامل أخرى، سياسية وثقافية، أدت إلى سيادة مواقف اللاأبالية والأنانيات الضيقة، بل والسطحية في التعامل مع أمور الحياة، وخاصة مع الواقع والتطورات السياسية. وهذا يشير في أحد أوجهه إلى التقدم في طابع المجتمع الإستهلاكي، والإيغال في انتشار الشخصانية في الحياة اليومية، والتي ألغمت حتى الحياة العائلية. تشير لذلك أيضاً دوام نقل أخبار الضحايا قتلى الخلافات العائلية في ظل ضائقة إقتصادية، وتحلل العلاقات الإجتماعية. فلا تكاد أية نشرة أخبار تخلو من العديد من حالات القتل والإنتحار.
ونتيجة لذلك اتسعت ظاهرة اللاأبالية، والمسؤولية إزاء مصير ومستقبل الأوضاع، بل هو اليأس من جميع القوى يمينها ويسارها. وتمثل ذلك بظاهرة الأمتناع عن التصويت. رغم أن نسبة التصويت هذه المرة بلغت أكثر من 72في المائة. وهي الأقل من نسب الإنتخابات السابقة. ولكن الأهم هو عدم الوعي بالمسؤولية، والخضوع أو الاستسلام لحملات التوظيف للمواضيع الأمنية والإقتصادية والضرائبية في الحملات الإنتخابية، دون بذل جهد ذاتي أو جماعي يعي طابع القوى المتنازعة أو المتصارعة. وربما يوضح هذا الأمر، أن سيلفيو بيرلسكوني بقي شخصية نافذة في السياسة الإيطالية، على الرغم من أن دوره إنتهى، أو هكذا يفترض بعد فضائحه المالية- الضريبية، والأخلاقية الفاضحة. ومنذ العام 2013..!.
إنتهت الإنتخابات الإيطالية، وقد أبرزت حالة المأزق في تشكيل الحكومة. والجميع وحتى في الإتحاد الأوروبي، يراهنون على دور وحنكة رئيس الجمهورية في تكليف التشكيل. ولكن الأمر أكثر تعقيداً وصعوبة في بلوغ ذلك، وهو يحتاج ربما لأشهر، ستضيف عاملاً أخر للأزمة الشاملة وخاصة في البنى الاساسية للنظام السياسي. وربما سيضطر الرئيس الإيطالي، سيرجو ماتّاريلّا إلى الدعوة الى انتخابات جديدة، الأمر الذي سيفتح الابواب مجدداً للإتفاق على قانون إنتخابات جديد..!. والأشهر القريبة القادمة، ستبين خياراته وهي مفتوحة على جميع الإحتمالات ..!.

تنزیل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل