/
/
/

يبقى ماركس الناقد الأعظم للرأسمالية. وقد رآها نظاماً يستغل الشغيلة، ولا يمكنه تجنب معضلاته المتأصلة المتكررة، وهي سر سقوطه حين ينهض الشغيلة لتحرير أنفسهم من الاستغلال والطغيان. كانت تحليلات وتوقعات ماركس ثورية، اذ أظهرت أن عالماً بدون رأسمالية أمر ممكن، وأن البشر لن يكونوا أحراراً ما لم يتحقق مثل هذا العالم. وربما لهذا السبب ما من مفكر آخر، منذ ولادته قبل 200 عام، كان ينبوعاً للالهام، واستحق الاعجاب والشغف والغضب والشك، كما فعل ماركس.

بديل لنظام الاستغلال

تميل المؤسسة القائمة الى اعتبار الماركسيين إما خطرين أو عبثيين، وإما ثوريين أشراراً أو مثاليين ساذجين. وفي أعقاب نهاية الحرب الباردة وظهور "الطريق الثالث" في سنوات تسعينات القرن الماضي، بدا، لوهلة، كما لو أن الماركسية ماتت، والرأسمالية انتصرت، وحلت نهاية التاريخ، وأنه "ما من بديل" كما قالت رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت ثاتشر.
واليوم يبدو المشهد مختلفاً تماماً. فالماركسية تعود، والرأسمالية، التي جرى النظر اليها لفترة معينة، باعتبارها متماثلة مع قوانين الطبيعة، ونظاماً خالداً لا يمكن تغييره، يجري الآن نقدها من جانب أنصارها وأبطالها.
ومن الملاحظ أنه في الدول التي ولدت الرأسمالية (أوروبا، اميركا الشمالية، اليابان) لم ترتفع الأجور منذ عقود من الزمن، بينما ظل العمل غير ثابت على نحو متزايد، واستمرت المشاكل الاجتماعية على أكثر من صعيد. وفي غضون ذلك يزداد ثراء أولئك الذين يقفون في القمة.
وبوسعنا القول إنه اذا ما أحس المرء بأنه مخدوع فانه سيجد ماركس، وهو يظهر له أنه يخلق مزيداً من القيمة لصالح رب العمل أكبر مما يدفعه رب العمل.
واذا ما أحس المرء بأنه لا يستطيع التحكم بحياته، وأنه مثل سن في عجلة، وأن العمل الذي يقوم به لا يمثله في كل حال، وأنه مسحوق بالمنافسة، فانه سيجد ماركس، مرة أخرى، وسيجد نظريته في الاغتراب.
واليوم بات من الجلي أن الرأسمالية عاجزة عن حل مشكلاتها. فهناك بطالة في كل أنحاء العالم. ويبيت ثلاثة مليارات شخص ليلتهم جياعاً. وما من حل لهذه المشاكل في اطار فكر وسياسة مملكة الرأسمالية.
وفي المقابل يقدم ماركس وعمله فكرة البديل لنظام الرأسمالية الاستغلالي عبر خلق عالم آخر خالٍ من الاستغلال. واذا كانت الماركسية قد عوملت كعقيدة، فان هذا هو أحد الأسباب التي جعلت ماركس مصدراً للمخاوف وتشويه السمعة، ارتباطاً بنقده للتفكير الأورثودوكسي، وبالتهديد الذي انطوى عليه عمله ضد النظام القائم.
ان نقد الرأسمالية يمتد من التعبير عن الاختلاف مع مباديء الرأسمالية بكليتها، الى التعبير عن الاختلاف مع حصيلة معينة للرأسمالية. وفي مناقشة القضايا السياسية في العالم ليس من غير المألوف بالنسبة للماركسية أن يجري تجاهلها باعتبارها تهتم بالاقتصاد لا بالسياسة.
غير أن الحقيقة هي أن النظرية الماركسية تهدف الى تحليل نقدي للرأسمالية كطريقة تاريخية لتنظيم الحياة الاجتماعية. فقد كان ماركس واحداً من النقاد ثاقبي البصر للشكل الحديث للحياة الاجتماعية، أي للرأسمالية. وبالنسبة لماركس لا يمكن خلط الرأسمالية بالأسواق أو التبادل، التي سبقت الرأسمالية منذ زمن بعيد. فقد مثلت الرأسمالية، في الواقع، شكلاً من أشكال الحياة الاجتماعية تقدم فيه التسليع الى درجة معينة بحيث أن العمل الانساني يباع ويشترى في السوق.
وكانت احدى أفكار ماركس الرئيسية تتمثل في أن هذا الوضع يستلزم تطور علاقات وقوى طبقية محددة تاريخياً: التطور المتزامن للرأسمالية، ووسائل الانتاج الضرورية اجتماعياً، التي يعاد تشكيلها باعتبارها الملكية الخاصة المقصورة على فئة قليلة، والعمل المأجور باعتباره النشاط الالزامي للأكثرية.
وفي ظل العلاقات الطبقية الرأسمالية لا يرتبط المنتجون المباشرون شخصياً بمن يستغلهم، كما كان الحال مع العبيد في ارتباطهم بسادتهم أو الاقنان في ارتباطهم بالاقطاعيين.
وبمعنى تاريخي واقعي، بالتالي، فان الرأسمالية تحرر الشغيلة ليتعاملوا مع عملهم باعتباره ملكية خاصة غير أن هذه الحرية تستكمل بنمط رأسمالي معين من اللاحرية. وطالما أن وسائل الانتاج هي تحت هيمنة طبقة من المالكين الخاصين، يجري ارغام الشغيلة على بيع عملهم لأفراد الطبقة الحاكمة من أجل الوصول الى وسائل الانتاج تلك، والعمل في النشاط الانتاجي الاجتماعي، وضمان الحاجات الضرورية لحياتهم عبر الأجور.

ماذا يعني نقد الرأسمالية

يظل نقد ماركس للرأسمالية هاماً في تطور الاقتصادات المعولمة. وينطلق نقد ماركس للرأسمالية من نظرته الى أن الرأسمالية تجديد مدهش، لكنها استغلالية على نحو لاأخلاقي. ولهذا فان نقد ماركس للرأسمالية يهدف الى تبرير هذه المسألة وتقديم شكل بديل لنظام سياسي واقتصادي. ويتساءل بعض الباحثين الماركسيين عن حق: هل أفلح ماركس في تقديم نقد فعال للرأسمالية ؟ أم أن انهيار الاتحاد السوفييتي وتعاظم الرأسمالية المعولمة خلقا نهاية الخطاب الرسمي حول الماركسية ؟ أم هل أن أزمة الركود المالي في السنوات الأخيرة جددت شباب النقد الماركسي للرأسمالية ؟ هذه الأسئلة الملحة، وسواها، تتطلب اجابات لكي نتوصل الى استنتاج حول ما اذا كان النقد الماركسي دقيقاً، ومايزال ينطبق على الرأسمالية.
ان نقد ماركس للرأسمالية لم يكن فقط ذا تأثير على الفلسفة والاقتصاد، وانما، أيضاً، على العالم المعولم. لقد كان ماركس شخصية تأثرت بالكتاب البارزين في عصره، وخصوصاً فريدريك هيغل. فقد بدأ ماركس كتاباته الأكاديمية بنقد نظرية هيغل في الروح، وواصل نقد فكرة هيغل القاضية بأن الدولة فوق المجتمع المدني. وفي عام 1884 بدأ تطبيق فلسفته على تحليل الحياة الاقتصادية. وكتب ماركس في (مخطوطات باريس) ان "الدين لا يظهر الا في مملكة الوعي، بينما اغتراب الاقتصاد هو اغتراب الحياة الواقعية".
ان فكرة ماركس عن الرأسمالية هي أنها أسلوب انتاج محدد تاريخياً، يكون فيه رأس المال وسيلة للانتاج. وبالنسبة لماركس فان هذا الانتاج لا يمكن تحديده بالتكنولوجيا، وانما بالطريقة التي يجري فيها امتلاك الانتاج أو التحكم به، وبالعلاقات الاجتماعية بين كل الأفراد المشخصين بعملية هذا الانتاج. وهذا يعني أن التطور الاجتماعي والتاريخي يمكن تفسيره بوسائل اقتصادية وطبقية. وفي نظر ماركس تستند العوامل الاقتصادية على فكرة التبادل، وذلك التبادل في الرأسمالية يتخذ شكل تبادل الملكية.
ان الملكية الخاصة سمة أساسية من سمات الرأسمالية. وماركس ينتقد فكرة الرأسمالية من أن مفهوم "الملكية الخاصة" هو النظام العقلاني للتبادل. ويؤكد ماركس على أن الملكية الخاصة يجري الحفاظ عليها في المجتمعات الرأسمالية عبر نظام قوانين دقيق تدعمه سلطة الدولة. وبالنسبة لرأسمالي سوق حرة مثل آدم سميث فان الاستحواذ على الملكية الخاصة هو الذي يدفع الناس لانتاج الثروة، ولكن هذا الاستحواذ سيؤدي الى انهيار العلاقات الاجتماعية الحقيقية.
لماذا يعتقد ماركس بهذا ؟ الجواب الذي يقدمه جواب منطقي: ان ملكية شخص لشيء يمنع فائدته لآخر تخلق صراعاً ومنافسة ضارية حول الموارد. ويوضح ماركس إنه في حال أن تكون الملكية في الواقع نتاج عمل شخص آخر، فانها تصبح اغتراباً انسانياً. وفي مثل هذا السيناريو في ظل الرأسمالية يختزل العمل، على نحو فعال، الى مجرد سلعة، ويصبح مستلباً. وتتسم فاعلية العمل بأهمية خاصة تعد جوهرية بالنسبة للبشر، غير أنه في ظل شروط اغتراب العمل يجري نكران هذا. ان الحجة الرأسمالية من أن الملكية الخاصة تشكل دافعاً تحولت على يد ماركس باعتبارها، ببساطة، نتيجة لاغتراب العمل.
واغتراب العمل مسألة هامة في فهم نقد ماركس للرأسمالية، غير أن المسألة الأساسية في نقد ماركس للرأسمالية هي الصراع الطبقي. فقد أكد ماركس في (البيان الشيوعي) أن "تاريخ كل المجتمعات القائمة حتى يومنا هو تاريخ صراع الطبقات". وفي المجتمع الرأسمالي ينبثق الانقسام من وجود الملكية الخاصة. فهناك انقسام بين البرجوازية، التي تمتلك وسائل الانتاج، والبروليتاريا، طبقة العمال، الذين يعيشون فقط عندما يجدون عملاً، هؤلاء العمال الذين يتعين عليهم أن يبيعوا أنفسهم سلعة. وفي المجتمعات السابقة والمعاصرة نجد هذا التقسيم جلياً.
وقد اعتقد ماركس أن الاضطهاد المتأصل في الرأسمالية يعني، بالتالي، أنه سيكون حفّار قبرها. ورأى أن أزمة خطيرة تتجلى في الافراط في الانتاج ستؤدي الى ثورة بروليتارية. ومعلوم أن الثورة ضد البرجوازية تمر بمراحل هي أولا الصراع الطبقي ضد البرجوازية، الذي لا يستهدف شروط البرجوازية في الانتاج، وانما الفرد الذي يستغل البروليتاري، أو قد يتخذ شكل هجوم على وسائل الانتاج، كتحطيم الآلات على سبيل المثال. ولكن ارتباطاً بتطور الصناعة فان البروليتاريا لا تزيد عدداً حسب، وانما تصبح متركزة في محتشدات جماهيرية أوسع، وتتعاظم قوتها وهي تشعر بتلك القوة على نحو متزايد.
ان سقوط جدار برلين عام 1989 وانهيار الاتحاد السوفييتي في أعقاب ذلك جرى تصويره باعتباره انتصاراً لرأسمالية السوق الحرة. وقد غيّر صعود السياسات الاقتصادية الليبرالية الجديدة في سبعينات القرن الماضي المشهد الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الدولي. فالسياسات الاقتصادية النيوليبرالية قد ميزت الوحدة النقدية في أوروبا، والنمو المتواصل لليابان، وبروز كوريا الجنوبية وسنغافورة كقوى اقتصادية. وهذه العوامل أدت بأكاديميين الى القول بأن "الماركسية ماتت، ولم تعد نظرية قابلة للتطبيق، أو نظرية سياسية تصلح لعصرنا الراهن". فقد جادل فرنسيس فوكوياما في (نهاية التاريخ) بأن "الماركسية أخفقت ... وهي تعزز، على نحو متطرف، شكلاً من أشكال المساواة الاجتماعية على حساب الحرية". وبالنسبة لفوكوياما فان رأسمالية السوق الحرة توفر نقطة التوازن المثالية بين الحرية والمساواة.

تنبؤات ماركس

جلي أن هناك الكثير من الأحاديث عن ماركس في أيامنا، لكن هناك قليل من الناس ممن يفهمون نقد ماركس للرأسمالية. فمعظم الناس يدركون، في الغالب على نحو ملتبس، تنبؤه من أن الرأسمالية ستنتهي في خاتمة المطاف، ليحل محلها نظام اجتماعي آخر، لكنهم غالباً ما يسيئون فهم جوهر ما قاله ماركس. ان كتابات ماركس (وكثير منها سبق الحرب الأهلية الأميركية) تنبأت، على نحو دقيق، بالعديد من نواحي الرأسمالية المعاصرة، ابتداءاً من الركود العظيم وصولاً الى جهاز الآيفون.
وسنذكر هنا خمس حقائق من الحياة أوردها باحثون ماركسيون في العقد الأخير، وهي حقائق تنبأ بها تحليل ماركس للرأسمالية قبل ما يقرب من قرن ونصف:

الركود العظيم (طبيعة الرأسمالية الفوضوية)

كانت الطبيعة المتأصلة للرأسمالية، التي تتسم بالفوضى والتعرض للأزمات، جزءاً أساسياً من كتابات ماركس. فقد جادل بأن الدافع القوي نحو الأرباح سيؤدي بالشركات الى مكننة مواقع العمل، وانتاج المزيد من السلع، وفي الوقت نفسه ضغط أجور العاملين الى الحد الذي لا يستطيعون فيه شراء السلع التي أنتجوها. ومن المؤكد أن الأحداث التاريخية المعاصرة من الكساد الكبير الى مسألة الـ (دوت.كوم) يمكن اعادتها الى ما سماه ماركس "رأس المال الزائف" – الأدوات المالية مثل الأسهم وتبادل الائتمان الاقتراضي. فنحن ننتج وننتج حتى لا يكون هناك، ببساطة، من يشتري سلعنا، ولا أسواق جديدة، ولا ديون جديدة. ان الدورة ما تزال تحدث أمام أنظارنا. وبشكل عام فان هذا هو ما خلق انهيار سوق العقارات عام 2008.

جهاز الآيفون (نزعات خيالية)

حذر ماركس من أن ميل الرأسمالية لتركيز قيمة عالية على منتجات "اعتباطية" أساساً سيؤدي، بمرور الزمن، الى ما سماه استبعاداً وخنوعاً لنزعات لاانسانية، متطورة، غير طبيعية، وخيالية. انها طريقة قاسية ولكنها دقيقة لوصف أميركا المعاصرة، حيث يجري الاستمتاع بالترف الخارق، ومع ذلك نبقى مدفوعين بحاجة دائمة الى مزيد ومزيد من السلع لشرائها. ليتأمل المرء جهاز الايفون 7s الذي يمكنه الحصول عليه. هل هو أفضل كثيرا من آيفون 7 الذي كان لديه العام الماضي، أو الموديل الأقدم قبل عام من ذلك ؟ وسط هذا الهدر العجيب تقوم الشركات العظمى بحملات اعلان هائلة حول فكرة أننا ينبغي أن ندمر المنتجات الجيدة دون مبرر. ولو كان بوسع ماركس أن يرى هذا، لكان سيوميء بالاعتراف بالاستعباد والخنوع الذي تفرضه طبيعة الحياة في ظل الرأسمالية المتطورة.

صندوق النقد الدولي (عولمة الرأسمالية)

ان فكرة ماركس حول الافراط في الانتاج قادته الى تنبؤ ما يسمى الآن العولمة، أي انتشار الرأسمالية في مختلف أنحاء العالم بحثاً عن أسواق جديدة. وقد كتب إن "الحاجة الى سوق متسع على الدوام تلاحق البرجوازية في مختلف أنحاء العالم. انها يجب أن تعشعش في كل مكان، وتستقر في كل مكان، وتؤسس شبكات في كل مكان". وبينما قد يبدو هذا أشبه بمسألة جلية الآن، فان ماركس كان قد كتب هذه الكلمات عام 1848، عندما كانت العولمة بعيدة عنا بما يزيد على قرن من الزمان. كان على حق في سبب حدوثها: البحث المضني عن أسواق جديدة، وعن عمل رخيص، وكذلك الحاجة المتواصلة لمزيد من الموارد الطبيعية، وهذه وحوش كاسرة بحاجة دائمة الى اشباعها.

والمارت (الاحتكار)

كانت النظرية الكلاسيكية في الاقتصاد تفترض أن المنافسة طبيعية، وبالتالي، تتسم بالاكتفاء الذاتي. غير أن ماركس جادل بأن قوة السوق ستكون متمركزة، في الواقع، بشركات احتكارية كبرى، طالما أن مشاريع البزنس تفترس بعضها بعضاً. وربما كان هذا يصدم قراءه في القرن التاسع عشر باعتباره شيئاً غريباً. وكما كتب المؤرخ الأميركي ريتشارد هوفستادتر فان "الأميركيين اعتبروا انتشار الملكية على نطاق واسع أمراً مفروغاً منه، وأن القوة الاقتصادية والسياسية ستكون لامركزية". وفقط في وقت لاحق من القرن العشرين بدأ الاتجاه الذي تنبأ به ماركس بالتسارع. واليوم يجري استبدال المحلات الصغيرة بمتاجر كبرى مثل والمارت، والبنوك الصغيرة ببنوك عالمية مثل جي. بي. مورغان تشيز، والمزارعين الصغار بشركات عظمى مثل أرتشر دانيلز مدلاند. وبات عالم التكنولوجيا، الآن، متمركزاً، حيث الشركات الكبرى تبتلع الشركات الصغيرة المبتدئة بأسرع ما يمكن.
أجور متدنية وأرباح كبيرة (الجيش الاحتياطي للعمل الصناعي)
كان ماركس يعتقد أن الأجور ستتدنى عبر "جيش العمل الاحتياطي" الذي أوضحه ببساطة مستخدماً أساليب اقتصادية كلاسيكية: الرأسماليون يرغبون في أن يدفعوا أقل ما يمكن مقابل العمل، ويكون تحقيق هذا أكثر سهولة عندما يكون هناك الكثير من العمال معوّمين. وهكذا فانه بعد الركود، اذا ما استخدمنا تحليل ماركس، يمكن أن نتنبأ بأن البطالة الواسعة ستجعل الأجور راكدة بينما بينما تتعاظم الأرباح، لأن العمال في خشية هائلة من البطالة، والتخلي عن مهنهم الشاقة والمستغَلة. ومن بليغ الدلالة في هذا السياق ما حذرت منه (وول ستريت جورنال) مؤخراً، عندما أشارت الى أن الانتعاش في الولايات المتحدة كشف عن بعض المآثر الماركسية. فأرباح الشركات متصاعدة، وسمحت الانتاجية المتزايدة للشركات بأن تنمو بدون أن تفعل الكثير لتقليص صفوف البطالة الواسعة، ذلك أن العمال يخشون من إضاعة فرص عملهم.
إن نقد ماركس الأخلاقي للرأسمالية، وبصيرته الحادة في قضاياها الداخلية وسياقها التاريخي ماتزال جديرة بأن نوليها الاهتمام. وكما يقول المؤرخ والاقتصادي الأميركي روبرت هيلبرونر فاننا "نعود الى ماركس، بالتالي، ليس لأنه معصوم، وانما لأنه لا مناص منه". واليوم في عالم ثروة غير مسبوقة وبؤس مروع حيث 85 شخصاً يمتلكون ثروة تزيد على ما يمتلكه 3 مليارات فقير، فان الصرخة المدوية: "يا عمال العالم اتحدوا .. ليس لديكم ما تخسرونه سوى أغلالكم" لن تفقد قوتها.

ماركس والعولمة

قبل 160 عاما، وفي وقت لم يبتكر فيه المصباح الكهربائي بعد، تنبأ ماركس بأن الانسان الآلي سيحل محل البشر في مكان العمل.
وقد كتب ماركس في (أسس نقد الاقتصاد السياسي) من أنه "ما أن تعتمد عملية انتاج رأس المال، فان وسائل العمل تمر بتحولات مختلفة تكون ذروتها الآلة أو النظام الأوتوماتيكي للآلات. والعمال أنفسهم لا يشكلون سوى علاقاتها الواعية".
وتدريجياً، في القرن والنصف منذ أن كتب ماركس تلك الكلمات، ظلت الآلات تأخذ المزيد من المهن التي كان يقوم بها البشر سابقاً. واذا كانت الحركات السياسية في القرن العشرين، التي حاولت أن تجعل من أفكار ماركس واقعاً، قد أخفقت، فان بصيرته وتحليله أثبت صحته مرة تلو أخرى. وها نحن اليوم نعيش، بأشكال مختلفة، في العالم الذي تنبأ به ماركس.
لقد أظهر ماركس أن الأزمات المتكررة لم تكن أعراضاً جانبية، وانما سمة متأصلة، كما يشير نيك نيسبت، أستاذ الفرنسية والايطالية في جامعة بريستون، ومحرر كتاب (المفهوم في أزمة: قراءة رأس المال اليوم) – الصادر عام 2017 – وهو يظهر أن مصدر القيمة في الرأسمالية هو العمل الحي، كما يظهر أن الرأسمالية تميل، مع ذلك، الى تقليص العمل الحي كبعد لتطورها. وذلك التناقض يعني أن الرأسمالية ليست مستقرة على الاطلاق، وانما تتحول دائماً داخل وخارج الأزمة. فالنظام يعتمد على العمل البشري بينما، في الوقت ذاته، يجتثه. لقد حلل ماركس الرأسمالية باعتبارها نظاماً اجتماعياً، وليس مجرد نظام اقتصادي صرف. ويقول نيسبت إن البشر والعلاقات بينهم يعتمدون على موقعهم في نظام الرأسمالية ذاته. فاذا لم نجد مكاناً داخل النظام كأفراد وكائنات انسانية، فاننا نعيش، من ثم، في ظل الاقصاء، ذلك أن الراسمالية لا تقرر، فقط، مصدر دخلنا، وانما الكيفية التي نتواصل فيها مع بعضنا البعض، ومع أنفسنا، وما يحيط بنا. وأن نصبح فائضين بسبب النظام فمسألة مرتبطة بالرفاه الاجتماعي، وكذلك بأسباب العيش الاقتصادية.
لقد اشتهر ماركس بتعميمه شعار "من كلّ حسب قدرته، لكلّ حسب حاجته"، وهو ما يعني أن الجميع سيمتلكون الفرصة للوصول الى أقصى امكانياتهم، ويتلقون السلع التي يحتاجونها كالغذاء والمسكن بالمقابل. ولكن كما تلاحظ كارول غولد، أستاذة الفلسفة في كلية هنتر بجامعة السيتي في نيويورك، فان ماركس لم يقل الكثير حول ما سيكون عليه هذا الشعار في الواقع.

هوة أكثر اتساعاً

لم يكن ماركس على حق بشأن ظهور الأتمتة حسب. فقد تنبأ بالعولمة، أيضاً، واللامساواة المتعاظمة في عصرنا كما تلاحظ غولد. وتقول "كان على حق في أن الهوة بين العمل ورأس المال ستكون أكثر اتساعا". وقد تنبأ ماركس بأن الرأسمالية ستؤدي الى "الفقر وسط الوفرة"، وهو السيناريو المألوف اليوم على نحو مثير للكآبة. وتقدر وزارة الاسكان والتنمية الحضرية الأميركية بأن هناك حوالي نصف مليون من المشردين في الولايات المتحدة في أية ليلة، في بلد يقدر أن فيه 18 مليون مسكن فارغ كما تقول ويلز.
وفي غضون ذلك، وكما تشير (هارفارد بيزنس ريفيو) فان المجتمع المعاصر يتميز بحس الاغتراب بين الشغيلة المبعدين عن نتاج عملهم، وصنمية السلع، وكلا الأمرين توقعهما ماركس.
وتعتقد ويلز أن الثورات التي وصفها ماركس يمكن أن تحدث يوماً ما وإن ليس قريباً. وتقول إنه بين الكثير من العوامل الضرورية فان الطبقة العاملة في البلدان الأكثر تطوراً اقتصادياً تحتاج الى أن تظهر استقلالاً سياسياً أكبر عن الطبقات الرأسمالية في تلك البلدان. ونحن، أيضا، بحاجة الى رؤية ظهور آراء سياسية مناهضة للامبريالية أكثر مبدئية تناهض الحرب والعنصرية وتعزز التضامن بين شغيلة جميع البلدان. ولكن ليست هناك مؤشرات كثيرة على ما هو ضروري لخلق مثل هذه التحولات السياسية الراديكالية.
ومايزال هناك الكثير من الحركات السياسية المعاصرة التي تواصل العودة الى ماركس بدرجات متباينة من الدقة. فقد سلمت الحكومة الصينية تمثالاً لماركس الى بلدية مدينته بألمانيا بمناسبة الذكرى الـ 200 لميلاده، ومن المشكوك فيه أن المفكر كان سيكون متحمساً بشأن الدول الاستبدادية. وكتب الاقتصادي ووزير المالية اليوناني السابق يانيس فاروفاكيس، مؤخراً، مقدمة جديدة مؤثرة لـ (البيان الشيوعي)، محدداً، بالتفصيل، لماذا يعد ماركس أساسياً اذا ما أردنا أن نحكم على الهوة المتزايدة بين الأغنياء والفقراء. وفي غضون ذلك فان الشغيلة في سائر أنحاء العالم رفعوا عالياً صور ماركس في الأول من أيار، يوم العمال العالمي. إن عمله مايزال مرجعية لأولئك المحتجين على مظالم الرأسمالية والمطالبين بتغيير لصالح الـ 99 في المائة.
وقد لا يمكن حل الأزمات الراهنة التي تطرحها الأتمتة بالسهولة ذاتها كما حدث في الماضي. ويقول نيسبت إن الوضع "مختلف تماماً" ويتطلب تحليلاً دقيقاً لطبيعة الرأسمالية. ويضيف أن "هذا هو الذي يجعل (رأس المال) عملاً نظرياً ونقدياً غير محدود بالقرن التاسع عشر. وفي خاتمة المطاف فان النظام الرأسمالي هو العالم الذي نواصل العيش فيه".

مباديء مرشدة .. لا مسلمات

هكذا يصبح جلياً أنه بعد 200 عام ميلاده يبقى نقد ماركس للرأسمالية مدهشاً في سياق ما يسمى "تجديد ماركس". وبالنسبة لأولئك الذين اعتقدوا أن الماركسية ماتت بسقوط جدار برلين وحلت "نهاية التاريخ"، يكفينا، هنا، أن نذكّر بما كتبه الاقتصادي النمساوي المحافظ الكبير جوزيف شومبيتر عام 1942، خلال ما سماه، في ذلك الحين، "التجديد الماركسي". فقد كتب يقول: "إن معظم ابداعات العقل الانساني أو الخيال تزول نهائياً بعد فترة قصيرة تتراوح بين ما لا يتعدى وقت الغداء وجيل من الزمن. غير أن بعضها لا يزول. انها تعاني من كسوف، لكنها تعود ثانية. وهي تعود ليس كعناصر للارث الثقافي لا يمكن التعرف عليها، وانما في زيها الفردي وندوبها الشخصية التي يمكن للناس رؤيتها ولمسها. وهذه يمكن أن نسميها الابداعات العظمى. وليس من سلبيات هذا التعريف أنه يربط بين العظمة والحيوية. وبهذا المعنى فان هذا ينطبق، بلا ريب، على رسالة ماركس".
سنجادل بأن "عظمة" و"حيوية" العلم الاجتماعي الماركسي التي لاحظها شومبيتر مستمدة، أساساً، من منطقها الداخلي كشكل من أشكال البحث العلمي المنفتح. وهذا الانفتاح يمكن رؤيته في قدرة الماركسية المتواصلة على تجديد نفسها عبر توسيع محتواها التجريبي وكذلك النظري، لكي تستوعب النواحي الأعظم للواقع التاريخي في عالم مترابط على نحو متزايد.
ان انفتاح المادية التاريخية هذا قد جرى فهمه منذ أمد بعيد من جانب المفكرين الانتقاديين – الماركسيين وغير الماركسيين – وظل الأساس للتوسع في رؤيتها الديالكتيكية على يد مفكرين من أمثال: لينين، وروزا لوكسمبورغ، وغرامشي. غير أنه في العقود الأخيرة مارس نشر المخطوطات الكاملة لماركس وانجلز، في اطار مشروع يحمل اسم (ميغا)، تأثيراً أكبر على الباحثين، وأضاء ما كان ناقصاً في نقد ماركس للاقتصاد السياسي.
لقد كشف عمل ماركس، كما يرى جون بيلامي، الباحث السوسيولوجي الماركسي الأميركي، عن ثلاثة مستويات من عدم الاكتمال:
1. (
رأس المال) نفسه، طالما أن الجزء الأول وحده طبع في حياته، أما الجزءان الثاني والثالث فقد حررهما انجلز من دفاتر ملاحظات ماركس (كانت هناك مسودات كثيرة لنقده الاقتصاد السياسي تشتمل على 15 جزءاً من المخطوطات الكاملة ضمن مشروع ميغا).
2.
نقده الشامل ("رأس المال" أعد ليكون الكتاب الاول من ستة كتب، بما في ذلك أجزاء حول ملكية الأرض، العمل المأجور، الدولة، التجارة الخارجية، السوق العالمية والأزمات).
3.
ان مشروعه التاريخي الشامل، ماعدا نقد الاقتصاد السياسي، جرى التعبير عنه عبر كرونولوجيا (تسلسل زمني) هائلة للتاريخ العالمي، امتدت على نحو 1500 صفحة. وفضلاً عن ذلك ترك ماركس خلفه ما يزيد على 200 من دفاتر الملاحظات الكبيرة، تتضمن مقتطفات من كتاب آخرين، مما يكشف عن مدى أبحاثه التي تشتمل على العلوم الاجتماعية، والاقتصاد، والفلسفة، والأنثروبولوجيا، والعلوم الطبيعية، والرياضيات، وجماليات الأدب والفن. وقد جرى استكمال الكثير من هذه الأبحاث بعد طباعة (رأس المال)، وهي تكشف عن جهوده الدؤوبة لتوسيع تحليله في ميادين مختلفة.
وهكذا فان ما تركه ماركس خلفه كان أجزاء أساسية هائلة، غير مكتملة، تعكس طيفاً واسعاً، من الدراسات العلمية، تتعاظم عندما يضاف اليها عمل انجلز. ومما يثير دهشة الباحثين الذين يدرسون هذه المادة الهائلة أن ماركس اعتبر مفاهيمه النظرية "مباديء مرشدة"، كما ورد في مقدمة (مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي) عام 1859، وليس "مسلمات" بديهية.
ان دراساته تكشف عن الحاجة الدائمة لتحويل فرضياته في ضوء الدلائل المتغيرة. وهذا ما يعنيه كون أبحاث ماركس منفتحة علمياً.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل