/
/
/

رشيد غويلب
في الثاني والعشرين من تشرين الثاني 2015 عاد اليمين المحافظ الى السلطة في الارجنتين. واتخذ اجراءات حكومية متسارعة لاستعادة هيمنة رأس المال المدعوم من المراكز المالية العالمية. وانهاء السياسات الاقتصادية التي اعتمدتها حكومة اليسار، والتي استطاعت انهاء ملف الديون، واخضاع السياسات المالية الى الرقابة، وعدم دفع الديون غير الشرعية السابقة، التي ادت الى افلاس الارجنتين في عام 2001 .

وبعد ثلاث سنوات من حكم الرئيس اليميني المحافظ موريسيو ماكري، تقف الارجنتين اليوم مجددا على حافة الهاوية الاقتصادية. ولم يجد الليبراليون الجدد منقذا سوى صندوق النقد الدولي، الذي سارع الى تقديم القرض الاكبر في تاريخه حتى الآن، والذي بموجبه حصلت الارجنتين على 57 مليار دولار، والمصحوب كما هو معروف بوصفة التقشف القاسي التي تمس في الجوهر حياة الفئات الاشد فقرا من سكان البلاد.
ان سياسات الليبرالية الجديدة و فتح الاسواق، جاءت في المقام الأول لخدمة الاسواق المالية العالمية وانعاش آمالها. وبالتالي ادت الى احتجاجات جماهيرية حاشدة نظمتها النقابات والحركات الاجتماعية، مدعومة من قوى اليسار، دفاعا عن السياسات الاقتصادية التقدمية التي نفذتها حكومة كرستينا كيرشنر اليسارية. إن عدم نجاح ماكري في تحقيق تقدم اقتصادي، اعطى الحركة الاحتجاجية زخما اضافيا. وتعاني الأرجنتين أزمة عميقة، تتمثل بتضخم انفجاري، وارتفاع الدين الخارجي بالدولار ، وتراجع الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.
وهناك العديد من العوامل الخارجية والداخلية تعقّد الوضع الراهن: تعتمد الأرجنتين اقتصاديًا على تصدير المواد الخام والزراعة ، وقد أدت موجة الجفاف مؤخراً إلى انخفاض في صادرات فول الصويا بنسبة 30 في المائة تقريبًا.وفي الوقت نفسه ، رفع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أسعار الفائدة وقام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتخفيض الضرائب. والنتيجة هي سحب رؤوس الاموال من الأسواق الناشئة ، بما في ذلك الأرجنتين.وبما ان سكان الأرجنتين لا يثقون بعملتهم الوطنية والبنوك المحلية ، فقد تعمقت الأزمة. ولمواجهة العجز في الموازنة، سارعت الحكومة الى طلب قرض اضافي من صندوق النقد الدولي.

ثنائية التقشف والاحتجاج

لقد وافق صندوق النقد الدولي على تقديم قرض اضافي قدره 57 مليار دولار، مقابل حزمة من اجراءات التقشف القاسية. وفي نهاية تشرين الأول الفائت رافق مشهد صاخب اقرار موازنة 2019 ، تميز باحتجاجات حاشدة وصدامات امام مبنى البرلمان.
إن سياسة التقشف تصيب أكثر الفئات فقرا في المجتمع ، والتي لاتستطيع، بسبب التضخم الهائل، توفير احتياجاتها الاساسية من الأغذية والسلع اليومية. ووفقا للمعطيات الرسمية ، يعيش ما يقرب من 30 في المائة من السكان تحت خط الفقر. وينبغي على الاجنتين ادخار 10,6 مليار دولار، وخصوصا ﺧﻔﺾ اﻟﺪﻋﻢ ﻟﻠﻤﻮاﺻﻼت اﻟﻌﺎﻣﺔ ، ولإﻣﺪادات اﻟﻜﻬﺮﺑﺎء واﻟﻐﺎز والتدابير الخاصة بالبنى التحتية اﻷﺳﺎﺳﻴﺔ ﻟﻠﺪوﻟﺔ. ويجب كذلك خفض تخصيصات التعليم، الذي يعيش اصلا حالة مزرية، بنسبة 8 في المائة. وكانت الارجنتين قد شهدت قبل ذلك احتجاجات طلابية هائلة. وتمتد الأزمة الى القطاعين الصحي والثقافي ويجري اغلاق العديد من الوزرات.

حظوظ اعادة انتخاب اليمين محدودة

ستشهد الارجنتين في العام المقبل انتخابات رئاسية، واذا ما اعتمدنا تقييمات اليوم، فان فرص اعادة انتخاب مارسيو ماكري تبدو محدودة. ان تأثير اجراءات التقشف قاتلة، وتعيد الى الأذهان ذكريات عام 2001 ، عام افلاس الارجنتين، الذي شهد تقديم قرض من صندوق النقد الدولي، مقابل الإملاءات المعروفة. القروض لم تمثل حينها حلا، والملايين من السكان دفعو قسرا الى قاع الفقر. وعلى اثرها وصل اليساري نستور كيرشنر الى السلطة، وقام بتصفية الديون واعلان القطيعة مع صندوق النقد الدولي.
وعلى أية حال ، يرى مراقبون، إن الأرجنتين بحاجة ماسة إلى الاستثمار في البنية التحتية والخدمات العامة ، في قطاعي التعليم والصحة. البنك الدولي قدم هو الآخر مليارات إضافية بهدف تعزيز الاستثمارات، ولمواجهة الاثار السلبية للتقشف، ولدعم الاطفال غير المشمولين بالدعم الحكومي.
ان التوقعات الاقتصادية متشائمة، وسوف لا يحصل تحسن في المستقبل القريب. والامر يتعلق في المقام الأول بتسوية العجز في الموانة حتى عام 2020 . وشروط صندوق النقد الدولي تؤدي إلى مزيد من البؤس الاجتماعي وتخدم مصالح رأس المال. وتبقى الارجنتين بحاجة ماسة إلى نقلة نوعية.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل