/
/
/

تتواصل، في أنحاء العالم المختلفة، فعاليات احياء الذكرى الـ (200) لميلاد ماركس. ومن أجل هذا أقيمت وتقام، منذ ذكرى يوم ميلاده التي مرت في الخامس من أيار من العام الحالي 2018، الندوات واللقاءات الفكرية والمهرجانات الثقافية التي نظمتها مراكز أبحاث ومؤسسات أكاديمية، فضلاً عن أحزاب ومنظمات يسارية. وصدرت كتب عدة مكرسة لهذه المناسبة، كما نشرت المئات من الأبحاث والدراسات والمقالات بلغات العالم المختلفة، في سياق الاحتفالات التي تتواصل حتى أوائل أيار من العام المقبل.

وإسهاماً منا في هذا الحدث التاريخي الجليل ننشر طائفة من المقالات الأسبوعية تحت عنوان (مساهمة في إعادة قراءة ماركس)، وفيها نضيء، بالبحث والدراسة والتحليل، موضوعات مختلفة بينها: عودة ماركس الى المشهد الفكري والسياسي العالمي، وراهنية أفكار ماركس، ونقده للرأسمالية، ومنهجيته في تحليل ظواهر الواقع والتاريخ، وسبل تغيير العالم، وجماليات الأدب والفن لدى ماركس، وسوى ذلك من موضوعات فكرية وفلسفية هامة. وفي سياق مساهمتنا في إعادة قراءة ماركس سنقدم عروضا تفصيلية لعدد من الكتب الهامة التي أصدرها باحثون ماركسيون بارزون في السنوات الأخيرة.

ويحدونا الأمل، في هذا المسعى، في أن نحتفي بمعلمنا الأول على النحو الذي يليق به، وبما يعزز التوجه لاستيعاب الماركسية على النحو السليم، وتثقيف الأجيال بها، وبتراثها الملهم، ودروسها الثورية الغنية.

ويهمنا التأكيد هنا، وعلى نحو وجيز (سنفصله لاحقاً)، على أن الماركسية هي، في الجوهر، نظرية لنقد الرأسمالية، ومنهجية ضد تأبيد الواقع والثقافة السائدة، وهو التأبيد الذي يستخدمه الخصوم الطبقيون للحفاظ على امتيازاتهم، ومن هنا الأهمية الفائقة لموضوعة ماركس حول أن الفلاسفة فسروا العالم بينما المهمة تكمن في تغييره.

والماركسية، النظرية العلمية التي توفر أداة لتحليل الواقع الاجتماعي والصراع الطبقي وترسم آفاق التغيير، هي سلاح نظري بيد الطبقة العاملة وسائر المستغَلّين، ودليل عمل يدعو الى الكفاح الثوري ضد الظلم ومن أجل العدالة الاجتماعية.

وعلى الرغم من التباينات في تقييم الماركسية والتجارب التي اعتمدتها، ومآل هذه التجارب، فان الباحثين الماركسيين يتفقون على أنها ظلت التحليل الأشمل للتاريخ والواقع ومصائر الرأسمالية ونتائج الصراع الطبقي.

ومن الطبيعي أن الهجوم على ماركس وتشويه الماركسية لم ولن يتوقف. فقد تنبأ كثيرون بموت "المناهج" الماركسية بعد انهيار الاشتراكية، غير أن الماركسية انبعثت من جديد، وانبعث معها أمل الاطاحة بعالم رأس المال وبناء العالم الجديد.

وجلي أن أزمات الرأسمالية، الاقتصادية والاجتماعية العميقة، هي التي أسهمت، من بين أسباب أخرى، في إعادة ماركس الى الواجهة، وجعلت استفتاء الـ (بي بي سي ) يمنحه لقب (فيلسوف الألفية الثانية)، ومجلة (النيويوركر) تصفه بـ (المفكر الأعظم المقبل)، مثلما جعلت صحف العالم الرأسمالي تضيء انبعاث الاهتمام المتسع بالماركسية.

إننا إذ نحيي الذكرى الـ (200) لميلاد ماركس، فاننا نتوثق، من جديد، من أننا ممن يتعين عليهم أن يسيروا في طليعة من قال عنهم ماركس إنهم يخسرون أغلالهم ليربحوا عالماً بأسره !

وفي هذا السياق نرى أن أفضل إحياء لذكرى ميلاد ماركس يتجسد في قراءة مؤلفاته وكتاباته بروح نقدية عميقة، وتثقيف الأجيال الشابة بالفكر والتراث الماركسي، وبانجازات المفكرين الماركسيين المعاصرين الذين ساهموا ومازالوا يساهمون في الدفاع عن الماركسية، وتقديمها بصورتها الصحيحة والمضيئة والملهمة، وتجسيد كل هذا في كفاحنا الفكري والسياسي. 

*       *      *

لماذا نقرأ ماركس ؟ لماذا نعيد قراءته ؟

لماذا هذا الموضوع ؟ بايجاز لأنه  قائم في الواقع .. لأن التاريخ العالمي تبدل .. لأن "الاشتراكية الفعلية" كانت تشويها للماركسية .. لأننا بحاجة الى مرشد في النظرية والعمل .. لأننا ينبغي أن نعود الى جوهر منهجيتنا الماركسية .. الى الينابيع بعد أن اكتشفنا أننا ابتعدنا عن المياه الصافية ..

وفي التحليل علينا أن نتمسك بمنهج ماركس نفسه، الذي يحلل وينتقد ويقيم الظواهر وينظر اليها في حركتها لا في سكونها. علينا أن نتذكر دائماً حديث انجلز عن الأشياء التي تشيخ في الحياة وضرورة اتخاذ موقف التجديد لمواكبة الجديد في الحياة.

هناك تباينات واختلافات في المستويات والقدرة على التحليل والتفسير والتأويل والاستنتاج، وهذا أمر طبيعي. المهم قدرتنا على تبادل الرأي بطريقة منفتحة لا طريقة منغلقة وجامدة.

حقائق عن العودة الى الماركسية

قالت (بي بي سي) في 26 تشرين الثاني 2008 إنه "عاد المفكر الاقتصادي وأحد آباء الشيوعية كارل ماركس الى الواجهة حسب احدى أكبر دور النشر اليسارية في ألمانيا".

وأفادت دار "ديتز" للنشر بأن الطلب ازداد بقوة على الكتب الرئيسية لماركس منذ أن بدأت الازمة الاقتصادية العالمية الحالية.

وكانت صحيفة (التايمز) اللندنية قد تطرقت للأزمة الاقتصادية بنبرة تهكمية عندما استعارت صيغة عبارة "يا عمال العالم اتحدوا" التي افتتح بها ماركس كتابه "البيان الشيوعي"، وحولتها الى "يا مصرفيي العالم اتحدوا".

وتابعت الصحيفة متوجهة الى المصرفيين: "لم يعد لديكم اليوم ما تخسرونه سوى مكافآتكم المالية الكبيرة ومنازلكم الشاسعة واجازاتكم على الشواطئ الكاريبية، والآن وبينما سرح الكثيرون من بينكم من وظائفهم، أصبح لديكم الوقت لقراءة تحذيرات ماركس البالغة الجدية من الرأسمالية".

وقال يورن شوترومف مدير دار النشر إن الاقبال على كتب ماركس منقطع النظير، وإن الكتاب الأكثر مبيعاً لديه هو كتاب الماركسية الأساسي "رأس المال" الصادر عام 1867.

كما أشار الى أنه "يرصد ظاهرة العودة إلى قراءة ماركس بين الشباب"، مشيراً إلى أن "اقتناء كتبه أصبح ظاهرة وموضة بين الأجيال الصاعدة".

ولكن الناشر ختم حديثه لوكالة الأنباء الفرنسية بالقول إن "مجتمعاً يشعر مجدداً بضرورة قراءة ماركس هو مجتمع لا يشعر أنه بخير".

قد يبدو البحث في إعادة قراءة واكتشاف ماركس من باب "البطر". فمن يبحث في ما لم يعد ذا صلة باالواقع ؟ غير أن هناك تطوراً في أواخر التسعينات، فقد تجدد الثناء على ماركس فجأة باعتباره عبقرية من جانب الرأسماليين البرجوازيين القدامى أنفسهم. وظهرت الدلالة الأولى على إعادة تقييمه في أكتوبر 1997، عندما ظهر عدد جديد من (النيويوركر) واصفاً كارل ماركس بـ "المفكر الأعظم المقبل"، انسان لديه الكثير لنتعلم منه بشأن الفساد السياسي والاحتكار والاغتراب والجور الاجتماعي والأسواق العالمية.

وأبلغ مصرفي استثمارات المجلة قائلاً "كلما أمضيت وقتاً أطول في وول ستريت ازددت قناعة بأن ماركس كان على حق. أنا مقتنع بالكامل بأن منهجية ماركس هي أفضل منهجية للنظر في الرأسمالية". ومنذئذ وقف كثير من اقتصاديي وصحفيي الجناح اليميني في الطابور ينتظرون دورهم في الثناء على ماركس. وهم يقولون إن ماركس كان حقاً "تلميذ الرأسمالية". غير أنه حتى هذا الثناء المقصود يمكن أن يسهم في موقف قاصر بمعنى ما في فهم ماركس. فماركس كان فيلسوفاً ومؤرخاً واقتصادياً ولغوياً وناقداً أدبياً وثورياً.

واليوم يشكل ماركس، الذي اختير فيلسوف الألفية الثانية، موضوع مؤتمرات وحلقات بحث. وتخلده المؤسسات الأكاديمية ودور النشر. ولا علاقة لهذا بمصائر الشيوعية "السوفييتية"، ذلك أن هذه مسألة مختلفة. إنها قد تبدو مقترنة بالجرائم البيروقراطية التي اقترفت باسمها، كما أن البعض يقصر المسيحية على التماثل مع محاكم التفتيش وارغام الناس على اعتناق الدين.

فجأة، وبعد سنوات حيث الكلمات الوحيدة حول ماركس في وسائل الاعلام السائدة، أصرت على عدم صلته بالأحداث المعاصرة، كان هناك انبعاث للاهتمام بالماركسية. فقد كرست (إندبندنت أون صنداي) - 1997 موضوع الغلاف في صفحات قسم المراجعة لمقالة تحمل عنوان (هل كان على حق على طول الخط ؟) واصفة، هي الأخرى، ماركس باعتباره "المفكر العظيم المقبل"، ومؤكدة على أهمية تحليله للرأسمالية قبل أن تستنتج بأنه "على الرغم من أخطائه، كان إنساناً لم يحمل نظامنا الاقتصادي سوى مفاجآت قليلة ارتباطاً به. وكتبه ستظل جديرة بالقراءة ما دامت الرأسمالية قائمة". وأثنت (الفايننشيال تايمز) على "تأثير ماركس الاستثنائي على العالم خلال القرن والنصف الماضي" ، وذكرت قراءها بأن ماركس لم يكن فقط بشير الحقد الثوري وانما محلل بارع للمجتمع الرأسمالي. وكانت تلك المرة الثانية خلال أسبوع التي أثنت فيها (الفايننشيال تايمز) على ماركس. فقد اقتبس كاتب العمود الشهير إدوارد مورتيمر من (البيان الشيوعي) ليبرهن على أن "ماركس وانجلز وصفا الاقتصاد العالمي على نحو أكثر شبهاً باقتصاد عام 1998 منه باقتصاد عام 1848".

وكانت الذكرى 150 لصدور (البيان الشيوعي) فرصة للكثير من مقالات الثناء على ماركس. فقد نشرت (الغارديان) مقالة احتلت صفحة كاملة كان نصفها مقتبساً من مقدمة إريك هوبسباوم لطبعة فيرسو الجديدة من (البيان الشيوعي). وكان النصف الثاني مكرساً لثورات 1848. واختار برنامج (نيوزنايت) الاخباري الشهير في (بي بي سي) الجزء الأعظم من البرنامج المسائي لتقييم (البيان الشيوعي)، بل إن إليانور، إبنة ماركس، حظيت باهتمام في (الاندبندنت) حيث ظهرت مقالة في الذكرى المئوية لرحيلها. وهذه المقالة، وهي غيض من فيض كما يقال، تدلل بالتأكيد على اهتمام الصحافة وووسائل الاعلام بماركس.

وأول معنى لأهمية هذه المساهمات هو انها تكشف عن الأسباب الرئيسية لانبعاث الاهتمام بالماركسية متمثلة بالفوضى الاقتصادية والسياسية المستمرة للنظام الرأسمالي العالمي في أواخر القرن العشرين.

ومن بين الأمثلة ما كتبه المحرر الاقتصادي لصحيفة (الغارديان) البريطانية لاري إليوت، الذي تخيل في مقالة تحت عنوان  (كيف بدأ الكساد المقبل) الآثار المحتملة للأزمة العالمية المقبلة: "هل برز أي امريء بمصداقية من هذه الكارثة المفاجئة ؟ حسناً، كسب كارل ماركس مئات الملايين من الأنصار الجدد بين حشود الجماهير". ولكن المحللين يتحفظون، في الغالب، بثنائهم على قدرة ماركس على التنبؤ بصيغة الأزمة الاقتصادية العالمية في الرأسمالية المتقدمة. ويعبر إريك هوبسباوم عن هذا الوضع بالقول: "إن ما يذهل القاريء المعاصر بلا ريب هو التشخيص المدهش للسمة الثورية والتأثير الثوري للمجتمع البرجوازي. والمسألة أن العالم الذي حولته الرأسمالية والذي وصفه ماركس ببلاغة عام 1848 هو، في الواقع، العالم الذي نعيش فيه بعد 150 عاما".

والحق أن العودة الى ماركس الراهنة هي نتاج هذه الأحداث المترابطة والمتداخلة والمتفاعلة. غير أن هذا الانبعاث يشتمل على عدد من نقاط الضعف لابد من التغلب عليها إذا ما أردنا له أن يتعزز. فالعودة الى ماركس هي، أولا، جزئية وانتقائية. ويجري الثناء على تحليل ماركس للرأسمالية، ولكن اعتقاده بالامكانية الثورية للطبقة العاملة يجري التقليل من شأنه في كل مكان تقريباً.

والعودة الى ماركس، ثانياً، ليست عودة الى ماركس بمعنى التقليد الماركسي الثوري. ولا يمكن لأي شيء أن يكون مثالاً واضحاً على هذا أكثر من الصيغ المتباينة تماماً التي تؤثر، في الوقت الحالي، على ماركس نفسه، من ناحية، وعلى تاريخ الثورة الروسية من ناحية أخرى. فالاهتمام المتجدد بالماركسية قد يكون اتجاه أقلية حتى الآن. وقد تكون له نقاط ضعف غير قليلة، ولكنه اهتمام واقعي.

ولكن بدون الاعتراف بأن الماركسية تقليد، فان أولئك الذين يرغبون في رؤية انبعاثها سيكونون عاجزين. غير أنه على الرغم من أن ماركس وانجلز كانا بعيدي النظر، لم يكن بوسعهما التنبؤ بسلسلة من المشكلات التي طرحها التطور اللاحق للرأسمالية في طريق حركة الطبقة العاملة. فتطور الامبريالية والنزعة الاصلاحية الواسعة والنزعة القومية في العالم الثالث والستالينية، من بين قضايا أخرى، طرح مشكلات يكاد يكون من المستحيل على الماركسيين المعاصرين حلها ما لم يأخذوا بالحسبان أعمال لينين ولوكسمبرغ وغرامشي، مثلا، كجزء من تقليد حي، متماسك، على الرغم من التباينات والاختلافات في ما بينهم.

وأخيرا فان الاهتمام المتجدد بماركس يواجه عائق افتقار أنصاره الى صلة مباشرة مع المزاج الراديكالي لجماهير الطبقة العاملة. فالاهتمام المتجدد بماركس ما يزال، الى حد كبير، ظاهرة مقصورة على جيل أقدم من المثقفين، وفي الغالب أولئك الذين حفزتهم أحداث عام 1968 وما أعقبها. وعلى الرغم من توفر بعض الدلائل على وجود جيل جديد تواق الى إعادة اكتشاف التقليد الماركسي، فانه ما يزال يتعين عليهم أن يعبروا عن أنفسهم بصورة أوضح وأوسع.

هجوم على الماركسية

في خطابه على قبر كارل ماركس يوم 17 آذار 1883 في مقبرة هايغيت بلندن قال انجلز إن انجاز ماركس الكبير تجلى في اكتشافين حوّلا فهمنا للعالم الاجتماعي. الأول هو أنه "كما اكتشف داروين قانون الطبيعة العضوية اكتشف ماركس قانون التطور البشري"، وهذه هي نظرية المادية التاريخية. والثاني أن ماركس اكتشف، أيضاً، القانون الخاص للحركة التي تتحكم بأسلوب الانتاج الرأسمالي الراهن والمجتمع البرجوازي الذي خلقه أسلوب الانتاج هذا. وسرعان ما ألقى اكتشاف فائض القيمة ضوءاً على المسألة التي كانت كل الأبحاث السابقة تتلمس طريقها إليها في الظلام. وهذه هي نظرية فائض القيمة.

وبدأت الملامح الأولية لهاتين الفكرتين، نظريتي التاريخ والاقتصاد، تظهر في بعض كتابات ماركس الأولى، التي كتبت في أربعينات القرن التاسع عشر عندما كان ماركس ما يزال في عشريناته. وجرى تهذيبها وتطويرها عبر حياة ماركس العملية بأسرها.

غير أن كتابات ماركس الأولى تحتوي على ما هو أكثر من ذلك. فقد كان طموحه واهتمامه كبيرين. وفي هذه الكتابات نرى ماركس يناقش قضايا نادرا ما ذكرت لاحقاً. وعلى الرغم من أنه بدا أن ماركس فقد الاهتمام ببعض المواضيع التي طرحها، فان هذا لا يعني أننا يجب أن نفقد الاهتمام. وفي الحقيقة فان بعضاً من هذه المواضيع المحفزة يجري طرحه في الأبحاث الحديثة.

ومن بين الأعمال التي يشار اليها عادة بـ "الأعمال الأولى"، أي التي كتبت في وقبل عام 1845، نشرت طائفة قليلة خلال حياة ماركس. وتعتبر مجموعة هامة من الكتابات غير المنشورة، المعروفة بـ (مخطوطات 1844) و(مخطوطات باريس) و(المخطوطات الاقتصادية والسياسية) توليفة من ملاحظات ماركس أثناء القراءة وتأملاته اللاحقة. وفي هذه الأعمال نرى تصوير ماركس للمجتمع البرجوازي كعالم اغتراب، وكذلك تحليل ماركس الاقتصادي ونظريته في التاريخ، التي تشتمل على تنبؤه بأن الرأسمالية لابد أن تنتهي. وهذه قضايا في صلب نظام ماركس الناضج. وفي غضون ذلك نجد أمامنا السؤال الراهن: لماذا نقرأ ماركس اليوم ؟

إن تاريخ القرن العشرين هو إرث ماركس. وكان كل رموز العصر الحديث، من ستالين وماو حتى تشي غيفارا وكاسترو، قد قدموا انفسهم باعتبارهم ورثته. أما مسألة اعترافه بهم كورثة فمسألة أخرى تماماً. وحى خلال حياته غالباً ما كان هناك من يدفعه الى اليأس. فعندما سمع أن حزباً جديداً زعم بأنه ماركسي، رد على ذلك بالقول "أنا، على الأقل، لست ماركسياً".

وقد آن الأوان لابعاد الميثولوجيا والسعي الى إعادة اكتشاف ماركس الانسان. فهناك آلاف الكتب حول الماركسية، ولكنها، جميعاً تقريباً، كتبت من قبل أكاديميين ومتحمسين، وكان التعامل مع ماركس كانسان من لحم ودم، بالنسبة لمؤلفيها، يقرب من الكفر.

وبالنسبة للغرب خلال فترة الحرب الباردة كان ماركس شيطاناً. وفي سنوات الخمسينات في الاتحاد السوفييتي احتل مكانة الاله العلماني، بينما اعتبر لينين بمثابة يوحنا المعمدان. ومن الطبيعي أن الرفيق ستالين نصب نفسه باعتباره المسيح المخلّص. وكان هذا وحده كافياً لادانة ماركس باعتباره مشاركاً في المذابح والتطهيرات. ولو أنه عاش سنوات أطول لوجهت اليه تهم أخرى. أما ماركس نفسه فلم يطلب، بالتأكيد، أن ينسب الى المجمع المقدس، وكانت ستروعه الجرائم التي ارتكبت باسمه.

ومن الطبيعي أن الشخص المغفل وحده هو الذي يحمل ماركس المسؤولية عن معسكرات الاعتقال الستالينية وجرائم بول بوت. غير أن هناك أدوات جاهزة للمغفلين. وقد كتب ليوبولد شواز تشايلد عام 1947 في مقدمة سيرته الموسومة (الروسي الأحمر) إنه "بطريقة أو بأخرى تقودنا حقائق عصرنا الأكثر أهمية الى إنسان واحد، الى كارل ماركس ...". ومن هنا مساواة منهجيته بمنهجية ستالين، مستخدماً حق أن "الشجرة تعرف بثمارها" ليراد به باطل (هل ينبغي أن نتهم نوبل بجريمة هيروشيما ؟).

وبعد انتهاء الحرب الباردة و"الانتصار الجلي" على ماركس، أعلن البعض عن أننا وصلنا الى ما أسماه فوكوياما "نهاية التاريخ". فقد باتت الشيوعية ميتة شأن ماركس نفسه، وما جاء في (البيان الشيوعي) من أنه "لترتعش الطبقات الحاكمة من الثورة الشيوعية. فليس للبروليتاريا ما تخسره غير اغلالها لتكسب عالما بأسره .. يا عمال العالم اتحدوا !" بدا مجرد شيء ينتمي الى الماضي.

لقد تنبأ ويتنبأ كثيرون بموت "المناهج" الماركسية في أعقاب انهيار الأنظمة "الشيوعية" في الاتحاد السوفييتي وأوروبا الشرقية، غير أنهم ينسون أن خيبة أمل بعض قوى اليسار بالاتحاد السوفييتي ظهرت في ثلاثينات القرن الماضي ارتباطاً بالقمع الشديد في سنوات ستالين، وأصبحت أكثر جلاء في الخمسينات والستينات. ومن المؤكد أن العلاقة بين الماركسية والشيوعية كانت، على الدوام، إشكالية: فالمقاربات الماركسية كانت أكثر تعقيداً من الأرثودوكسية الستالينية، ولكن جرى حجب ذلك عبر المساواة بين الماركسية والأنظمة "الشيوعية". وبوسعنا أن نجد بين المنظرين "الماركسيين" شخصيات "أرثودوكسية".

ويقول البعض إن ماركس مات بالتأكيد. ولم يكن هذا "الاستنتاج" جديداً، فقد جاء على لسان الايطالي بنيديتو كروتشه منذ عام 1907، وبالتالي فان عمره يزيد على قرن. ولعل المرء يشير الى هذا ليذكّر بأن حفّاري قبر ماركس، الفلاسفة الجدد من أمثال فوكوياما، لديهم الكثير من الأسلاف وسيكون لديهم الكثير من الأحفاد. ولا يجدر بالمرء أن يبدد الكثير من الوقت ليدحض مواعظهم الجنائزية المأجورة.

من ناحية أخرى يزعم البعض بأن المحافظين هم الذين يخشون الاشتراكية، بينما يعتقد الراديكاليون أن الرأسمالية ستبقى الى الأبد. ويقولون إن المحافظين يخشون السخط الشعبي الواسع الانتشار، بينما يتخلى الراديكاليون عن أمل الاطاحة الثورية بالرأسمالية. أهذه مبالغة ؟ أجل بالطبع. ومع ذلك فان هذه النكتة ليست ملائمة. فالكثير من اليساريين تراجعوا عن الاشتراكية التي تدعو الى المساواة والديمقراطية. فقد عزلت القضايا الاجتماعية الهامة لعصرنا - العرق، الجندر، البيئة - عن دور البنية الطبقية. وأبعد حكم الصراع الطبقي الى المواقع الخلفية. وسواء بوعي أو بدونه فان الافتراض الضمني الذي يشكل أساس التراجع عن الطبقة هو أن الرأسمالية ستستمر، بشكل أو بآخر، ذلك أنها تخلق تكنولوجيا جديدة مذهلة.

لكن هل يعلمنا ماركس، كما يزعم بعض اليساريين، أن المهمة الأولى لليسار أن نصغي وننكب على التطور الفعلي للرأسمالية ؟ إن ماركس الذي نعرفه كان، أولاً وقبل كل شيء، ثورياً اجتماعياً. وبقي هكذا وسط التقلبات والتغيرات الاجتماعية، وخلال تقدم وتراجع الصراعات الاجتماعية. فلا هزيمة ثورات 1848 ولا إخفاق كومونة باريس كانت مناسبات بالنسبة له للتخلي عن الصراع الطبقي الثوري. وتعين على ماركس وانجلز أن يدرسا ويحللا الهزائم لاختيار طريق صراع متجدد.

ورغم أن الماركسية تعلمنا أن الحياة تتجدد، وأن الواقع يتحول، فانها لم تكن متمسكة بجوهرها المنهجي هذا. ولم يكن سبب ذلك قائماً في جوهر المنهج، وإنما في التطبيق الخاطيء حسب تفسيرات ماركسيين تبريريين. لكن هل نكتفي، على أية حال، بغبطة الاجابة التقليدية، ونتوقف عند حدود "التطبيق الخاطيء" ؟ أولئك "المفكرون" المتكئون على أرائك الجمود والتخلف واليقين يستوردون التبرير السلفي الذي يبريء النص ويجرّم البشر. والحق إن علينا أن نطرح أسئلة تعرض كل شيء للشك اذا ما طمحنا لأن نكون ماركسيين حقيقيين، فهذا جزء أساسي من منهج ماركس نفسه. وهذا هو ما نحاول ممارسته هنا بعيداً عن أي ادعاء بامتلاك حقيقة مطلقة، أو توصل الى استنتاجات نهائية تؤدي، بالضرورة، الى جمود الفكر والتفكير.

قراءة وإعادة قراءة ماركس  

الماركسية تراجعت، لا ريب في ذلك. فهل يتوقف هذا التراجع عند حدود التطبيق الخاطيء، أم يرتبط بغياب مفاهيم وتقادم أخرى ؟

اذا كنا نعترف بأن فكراً سبق الماركسية قد أسهم في صياغتها، فلماذا لا نعترف بأن فكراً لاحقاً يمكن أن يساهم في اغناء وتجديد النصوص التي صاغت المشروع الماركسي حتى تبقى الماركسية مرتبطة بالأفق والأمل.

وفي حركة سجالنا مع الآخرين علينا، كماركسيين، أن ندخل في جدل متطلب مع أنفسنا أيضاً، مع مفاهيمنا و"قناعاتنا"، مفترضين أنها لا يمكن أن تكون ثابتة، وإنما متجددة على الدوام، وإلا تحولت الى يقين، وبالتالي تعارضت مع منهجنا الماركسي، الذي يضع فكرنا موضع التساؤل، في إطار عملية تكونه وتجديده. وعلينا أن نمارس سجالاً نقدياً مع صياغات وتحولات النظرية التي وضعها نقاد ماركسيون في مراحل عدة من تكوّن هذه النظرية بتحولاتها وتعثراتها، معترفين بأن الجديد لا يبدأ من الصفر وإنما مما هو قائم.

ولا ريب أن ماركس لا يؤخذ جملة، وهو ما كان ليريد ذلك، فأعماله ليست كتاباً مقدساً، وإنما نص يحتفظ بأهمية كبيرة، ويستخدم بشكل نقدي في ضوء التطورات العلمية والاجتماعية لعصرنا، لأن ماركس هو أول من سلط الضوء على القوى والآليات التي لم يلمحها البشر من قبل الا على نحو غامض.

ان الحقيقة الدامغة والقائلة إن معظم تجارب الاشتراكية الكبرى خلال المائة سنة الأخيرة لم تكن ناضجة، تتوافق تماماً مع الفكرة الماركسية القائلة إن الاشتراكية لا يمكن أن تتحقق قبل توفر الشروط الملائمة لها. ولكن واقع تقلص عدد من يحتفون بالماركسية كمثل أعلى لا يعني أن القيم الاشتراكية لن تنتصر في نهاية المطاف. فالماركسيون، على أية حال، لم يفكروا قط في أن القيم نفسها يمكن أن تفرض تغييراً تاريخياً واسع النطاق. والحق إنه يمكن أن يذهب المرء أبعد من ذلك ويحاجج، كما كان سيحلو لألتوسير أن يفعل، بأن الماركسية لم تتطلب أبداً نظرية غائية للتقدم التاريخي أو مفهوماً عاماً للفعل الانساني أصلاً، وأنها ستكون بخير وعافية دون هذين الاثنين.

لقد كرس ماركس قدراً كبيراً من طاقته السجالية لتسفيه آراء أقرانه الاشتراكيين الذين تخيلوا أن الانتقال الى الاشتراكية سيكون قصيراً ويسيراً. والواقع إن تحليله الاجتماعي ينزع الى تبيان أنه ما من شيء أكثر حماقة من السعي الى خلق مجتمع اشتراكي بقرار إرادة سياسية.

ان الحركات السياسية الماركسية (خلافا لتراث ماركس النظري الخالص) انطلقت دوما من تفاؤل معرفي وتاريخي، مفترضة أن الأشياء كفيلة بأن تتغير نحو الأفضل بعد فترة وجيزة، وذلك بفضل النشاط السياسي الذكي والبارع. لكن اتضح أن السياسة ليست هي الأساس في إحداث التغيير في حياة البشر.

وبسبب الاعتقاد بأن السياسة، لا الأسس المادية الاجتماعية، هي التي تغير الواقع، تمزقت بنية الأمل السياسي المعاصر الى حد أن الماركسي الحقيقي يجد نفسه أمام مهمة تشييع هذا الأمل الخادع المضلِّل الى مثواه، والعودة، ثانية، من مملكة الوهم الى مملكة الواقع.

*       *      *

اذا اردنا لماركس أن يبقى حياً، أي أن نعيده من الصقيع الجامد الى دفء الحياة، فعلينا أن نفعل، كما فعل هو مع ديالكتيك هيغل، أي أن نوقف ماركس على قدميه بعد أن أوقفناه طويلاً على رأسه.

يتعين علينا أن نقرأ ماركس، ونعيد قراءته .. أن نتأمل في راهنية الماركسية .. وأن نجيب على سؤال: لماذا كان ماركس على حق !

الماركسية لم تمت .. إنها تولد من جديد .. وسيظل ماركس معاصرنا !

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل