/
/
/

الكلام، والأدب بصورة عامة، أكان شعراً أم نثراً، ينشأ أساساً، من أول كلمة تكتب فيه أو تقال، فيقدم شخصية ما، إما إنسية، وإما حيوانية، أو من الجماد، فلا كلام، ولا أدب، بلا شخصية من هذه الشخصيات.

والشخصية في الأدب، والتي تسمى بعض الأحيان "البطل" كما عند أرسطو، وتوماشفسكي وغيرهما. و"الدور" كما عند بريمون. و"الفاعل" كما عند بروب، وجينيت. و"العامل" كما عند غريماس. و"الحالة" كما عند تودوروف، وغير ذلك من التسميات المتنوعة والمختلفة، هي صورة أخرى للشخصية في الحياة العامة، خاصة بالنسبة للشخصية الأنسية، ذكراً كان أو أنثى، على الرغم من أنها لا تكون مستنسخة "copy peste" كلياً عن صورتها كما في الحياة، إلا إنها تحمل الكثير من صفاتها، ومميزاتها، في الحياة العامة، لأنها عندما يقوم الكاتب باستدراجها الى عمله الإبداعي، فإنه يقوم بإعادة بنائها، وصياغتها، حسب مفهومه لتلك الشخصية في عمله الأدبي، إذ يضيف، وينقص من صفاتها، ومميزاتها، وتكوينها الخِلقي، والخُلقي، والسلوكي.

والشخصيات في الرواية، وأي عمل سردي، تتنوع، وتختلف، بين أن تتحرك داخل عوالم الرواية التاريخية، أو كانت داخل عوالم الرواية السياسية، أو العاطفية، أو الاجتماعية،...الخ، لأن كل نوع من هذه الأنواع الروائية لها عالمها الخاص بها، والذي تتبعه الشخصية، بل هي التي تبنيه من خلال حركتها الاجتماعية ، أو النفسية، أو العامة.

وتحتل الشخصية، في الرواية خاصة، مكانة مهمة وفاعلة في بنيتها الروائية، فهي  الأداة، والوسيلة، التي يعبر من خلالها الكاتب عن رؤيته لكل شيء، لأنها من خلقه. وأيضاً هي الأداة الفاعلة في الراوية الفنية التي تلم كل عناصرها، إذ تدور حولها كل الأحداث، وهي التي تنظم كل الأفعال داخلها. وأيضاً، فإنها هي العمود الفقري الذي تتشكل حوله الحكاية التي تبنى حولها الرواية. إذن، وبصورة إجمالية، يمكن القول انها تبنى لتمثل كل شيء، وتصل في الكثير من الأحيان في بعض الروايات هي الغاية التي تروم الوصول اليها.

وخلاصة القول، فإن الشخصية هي عنصر معنوي من عناصر الحكاية، مستل من عنصر مادي في الواقع والحياة، مع شيء من الثبات والتغيّر، لا تنشأ بعيداً عن الكلام الذي يصوغها، ويصور كيانها، وأفعالها، وسلوكها، وأخلاقها، وما تمتاز به، وما يميزها عن الآخرين، ويصف صراعها المعلن، وغير المعلن مع النفس والآخرين، أي يصور كل ما يجيش في عقلها ووجدانها، الذي يدفعها الى التحرك داخل عالم العمل الابداعي، بل هي في خضم هذا الكلام الذي يصورها ويصوغها.

***

   إن الغاية من هذه المقدمة هو لتهيئة الدخول في خضم دراسة وفحص عمل إبداعي سردي للإجابة عن سؤالين مفادهما: لماذا ينوّع الكاتب أسماء شخوصه دون أن نجد شخصيتين، أو أكثر، تحمل الاسم ذاته كما في الحياة؟

وكذلك، لماذا نجد في ذلك العمل الإبداعي شخصيتين تحمل الاسم ذاته، مع اختلاف في تصنيف الشخصيات الروائية؟

السؤالان في حالة تضاد بيّن وواضح، ويضرب أحدهما الآخر، ويزيحه من أمامه، لأنه يتضاد معه، بل ينشأ صراع بينهما، فأيهما يفوز بهذا الصراع، السؤال الأول، أم الثاني؟ سنجد الإجابة عن ذلك في السطور القادمة.

***

لو طالعنا أية رواية غربية، أو عربية، أو عراقية، لرأينا أن الكاتب يسمي شخوصه أسماءً لا يكرر إطلاقها على شخوص آخرين فاعلين في الرواية. وفي الوقت نفسه نرى بعض الروايات، وهي قليلة جداً، فيها شخصيتين تحملان الاسم ذاته. فما هو السبب في ذلك؟

هل السبب من الكاتب الذي يطلق تسميات على شخوص نصوصه السردية؟

أم انه من العمل الإبداعي، حيث يفرض على الكاتب أسماء شخوصه فرضاً، تمشياً مع البيئة والمجتمع الذي نهل منه حكاية روايته؟

سنعرف ذلك في السطور القادمة.

***

ولكي تكون دراستنا موثقة بالأمثلة التي تجعلها دراسة ذات شأن في سلسلة الدراسات عن الرواية والسرد بصورة عامة، سنقوم بتفكيك عمل روائي عراقي للوصول الى عنصر من عناصره، وهي الشخصية، لندرسها من ناحية الأسماء التي أطلقت عليها. لهذا فإن الدراسة هذه غير معنية بتحليل الشخصية من كل جوانبها النفسية، والاخلاقية، والاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية...الخ، بل هي معنية بأسماء الشخوص.

***

تنوعت، وتعددت، أسماء شخوص الرواية العراقية، كمثيلتها الأجنبية، والعربية، وفي هذه الدراسة سنضع رواية غائب طعمه فرمان "النخلة والجيران" تحت مبضع الدراسة والفحص، لاستجلاء الأسماء التي ضمتها هذه الرواية. والإجابة عن السؤالين اللذين طرحَتْهما الدراسة في المقدمة.

نجد أن رواية "النخلة والجيران" لغائب طعمه فرمان، تضم أكثر من خمس وثلاثين شخصية، توزعت على نوعين، هما:

* النوع الاول: الشخصيات الرئيسة التي تؤثر في احداث الرواية، وهم:

   - سليمة "خاتون" الخبازة. ابن زوجها حسين. مصطفى أحمد الدلال "أبو ابراهيم". أسومة العرجة، وزوجها مرهون السايس "ابن الحجية عمشه" ، وأبو قنبورة. حمادي العربنجي "أبو شيبة كما يسميه حسين"، وزوجته رديفة، أم خشم الأقجم. خيرية "الحكومة الله يسلمها"، وزوجها رزوقي الفراش. تماضر. صاحب أبو البايسكلات "أبو مهدي".  محمود ابن الحولة. الخالة نشمية. الأرمني"خاجيك ،خاصيك".

هذه الشخصيات تلعب دوراً كبيراً في رسم احداث الرواية. فهي من الابطال/ الفاعلين/ العاملين الاجتماعيين، ولهم الدور الكبير في الأحداث، وكذلك فإن كل واحد منهم يشكل "حالة" ما في العمل الابداعي هذا.

***

* النوع الثاني: الشخصيات التي لا أثر لها في الرواية، أما انها تدخل عرضاً في احداثها، أو ترد في استذكارات الشخصية الرئيسة، مثل:

   - عليوي أبو حسين المتوفي. فتحية بائعة الباقلاء. الفتاة بدرية. السكران في الحانة. أبو فتوحي. أبو رمزي. سيد مختار. أبو صماخ. أبو العليجة. الاصلع الذي يريد أن يشتري العربة. والاسود المرسل من قبل حاج أحمد آغا. الشاب الاحول الذي يتكلم مع حسين قرب دائرة المفوضية البريطانية. ابن مروكي صاحب الحانة. علوان أبو الجص. أحمد الجايجي. طه، جاسم، الذين يقدم لهم مصطفى المال كدين. عمران المضمنجي. جانيت البائعة. المسلول في الفندق. الساقي في البار. ماري فتاة البار. حاج أحمد آغا. جاسم المزين. رديف حبيب الخالة نشمية. الملا حمادي صاحب مقهى. تسواهن. وغيرهم.

هذه الشخوص تدخل الرواية دون أية فاعلية، انها كالشخوص التي ترد في الأحلام، فهي لا تؤثر فينا، انها عبارة عن صورة لا واقع لها، لهذا فهي ليس لها تأثير في النص السردي.

***

ان شخصيات الرواية الخمسة والثلاثين، توزعت على نوعين، هما:

* النوع الأول: ويضم الشخصيات التي لها أثر في الرواية.

* النوع الثاني: ويضم الشخصيات التي لا أثر لها في الرواية.

وبين هذين النوعين، شخصيات تتشابه الأسماء، إلّا انها تختلف في:

- المهنة.

- الجنس.

   وهذا يعني أن الكاتب قد أعطى احدى الشخصيات دوراً رئيساً في عمله الابداعي، ورسم ملامحها، وكل شيء فيها، وأخبرنا عن أفعالها، وأهمل الأخرى، إلا انه ذكرها، إما في حوار عابر بين الشخوص الرئيسة، وإما انها مرت كذكرى من ذكريات أحد الشخوص الرئيسة.

   فشخصية "رديفة"، "أم خشم الأقجم" كما يسميها زوجها "حمادي العربنجي"، هي واحدة من الشخصيات الرئيسة، وهي مؤنث "رديف" الشخصية الذكورية التي تتذكرها الخالة نشمية على أنه كان يبادلها الحب في صباها قبل أن تتزوج، في حوارها مع "تماضر".

هذا التشابه وقع بين اسم شخصية أنثوية، وبين أسم شخصية ذكورية. لهذا فلا يحسب تشابهاً لاختلاف الجنس. وهذا ما تتطلبه الرواية في كثير من الأحيان، لمعرفة قدرة الكاتب على بناء شخوص روايته المختلفين بالجنس، المتشابهين بالاسم. إذ أن لكل شخصية ملامحها الداخلية والخارجية.

أما التشابه الحاصل بين "حمادي العربنجي"، احدى الشخصيات الرئيسة في الرواية، وبين "الملا حمادي" صاحب المقهى، الذي يذكره حسين مرة واحدة عندما يمر على مقهاه، فهو تشابه قائم في الأسماء على الرغم من اختلاف المهنة، حيث أن المهنة تسمية أخرى تطلق على أي شخص لا يحمل اسم يعرف به، وهو هنا كذلك، لا يعد تشابهاً، ما دام لا تأثير لها في مجريات أحداث الرواية.

ان هذه الشخصيات من النوع الثاني ترد في كلام الشخوص الآخرين من النوع الأول، ولم يكن لها تأثير يذكر في الرواية، انها عبارة عن شخوص مادية، محسوسة، إلّا إنها تأتي بشكل عابر.

***

ترى هذه الدراسة أن ذكر هذه الشخصيات في حالة تشابه الأسماء في العمل الابداعي السردي، مع اختلاف في التصنيف لسبب أو آخر، ومن هذه الأسباب:

- ان الكاتب قد استوحاها من الواقع الذي ينهل منه، خاصة أن رواية "النخلة والجيران" هي من روايات الواقعية، وهي تروي عن شخوص سحبها الروائي من قاع المجتمع الواسع في الفترة الزمنية التي يتحدث عنها، وبنى عليها روايته.

- أو ان الكاتب في وعيه، أو لا وعيه، قد أطلق هذه التسميات، كي تفرز الشخصية الواحدة عن الاخرى.

وهناك أشخاص لا أسماء لهم سوى أنهم يصنفون حسب مهنهم، أو جنسهم، أو إحدى صفاتهم الخلقية، أو الخُلقية. وهذه التسمية تتكرر مرة، وثانية، ولا يعد هذا تكراراً، لأنه لا تأثير له في مجريات الرواية.

ان مثل هذه الشخصيات تبقى بدون محددات، وإنما تعرف بمهنهم، أو جنسهم، أو أي صفة "أخرى، لأنها شخصيات غير منجزة، وغير فاعلة ميدانياً.

   واذا سحبنا هذا القول على كل الأعمال الابداعية/ السردية، العراقية، والعربية، والاجنبية، فإنه يشملها كلها، وبلا استثناء، لأن العمل الابداعي/ السردي هو عمل ابداعي عن الواقع المعاش، مهما صيغ، ومهما كان للمخيال من فعل في هذه الصياغة الابداعية له.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل