/
/

من "الصدرية" سار الصبي باتجاه ساحة الوثبة.. عبرها واتجه مباشرة نحو ساحة "حافظ القاضي " استدار يسارا.. عبر بناية"الاورزذي باك". كانت الظهيرة وحرارة الشمس علامتين دالتين تؤكدان أنه سيصل في الوقت ذاته الذي سيصل فيه أصحابه.
قرب مدخل جامع "سيد سلطان علي" ثمة زقاق ضيق يؤدي الى النهر، حالما يعبره يطالعه النهر وتتصاعد رائحة الماء.. تداعب وجهه ريح رطبه مشبعة بالبخار، يقترب أكثر، يجد أصدقاءه قد وصلوا قبله.
يتخلص بسرعة من الدشداشة المقلمة ونعال "ابو الاصبع" الاسفنجي يشدهما على هيئة صرة صغيرة قرب الشاطىء الرملي، تتجه اقدامه ناحية النهر قبل أن تنغرس الاقدام الصغيرة الحافية برمل الشاطئ الندي... في المسافة القصيرة التي تفصله عن الماء.. في تلك اللحظة... في تلك البرهة او الجزء الصغير من الثانية.. كان يتصاعد الى رأسه من اسفل قدمية شيء غريب.. يبدأ أول الأمر بالدغدغة.. دغدغة تتحول الى مرح.. الدغدغة تتحول الى صرخة تتصاعد نحو أعلى جسده من ظهره.. الى بطنة.. تصعد نحو قلبه وصدره.. وتمضي قدما نحو عنقه وتصاحبها في ذات اللحظة غشاوة رقيقة.. حينها يجد جسده وسط الماء متكورا تارة ومنتفضا تارة اخرى.. يرقص جسده وسط الماء... لايعلم كم يستمر هذه الشعور.. وهذه الدغدغة التي تجعله اصما لايسمع حتى نداءات اصدقائه وصراخهم وهم يعبثون بالرمل والماء.
فيما بعد... كبر الصبي.. غادر بلده مرغما.. جاب دولاً كثيرة... بدأها من سوريا الى لبنان وقبرص واليونان وايطاليا... واوروبا الشرقية.. رأي الكثير من الانهار والبحار... ركب الكثير من البواخر التي جابت به المحيطات... ركب الكثير من الطائرات التي نقلته من اقصى الارض الى اقصاها... بقي ذلك الشعور الذي كان يحسه في تلك المسافة القصيرة التي تفصل الشاطىء الرملي القريب من شارع الرشيد... في تلك المسافة... او البرهة شعورا غريبا لم يعشه مجددا وهو يجوب العالم.... اليوم حينما التقت به المذيعة الانكليزية... وسألته عن معنى المواطنة... والوطن... حدثها عن ذلك الصبي وهو يخترق شوارع بغداد في ظهيرة مكتظة بالشمس والصمت متجها ناحية الزقاق الضيق المؤدي الى الشاطىء الرملي ومن ثم نحو نهر يدعى دجلة يخترق بغداد من اقصاها الى اقصاها، حدثها عن السكون والطمأنينة تحت ظلال شجيرات صغيرة يمر عليها قبل أن تتبلل اقدامه في الماء وعن رعشة غريبة تنتابه وهو يسير بخطوات قصيرة على الرمل، تلك الرعشة التي تسري من اقدامه وتصل الى رأسه " هذه هي المواطنة سيدتي" تحيرت المذيعة من اجابته.. لم تقل له لم افهم.... لكنها قالت نذهب الى فاصل قصير ونعود.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل