/
/
/

تداعت من بعيد صور كثيرة جمعتنا في مناسبات عديدة، اصطفت واحدة تلو الاخرى، حينما سمعت بخبر رحيله، وقفت يومها بلا حراك، لا شيء سوى انهمار شلالات الصور، صورة تتبعها صورة.. زمن الصورة الاولى أواسط سبعينات القرن الماضي. مكانها مقهى "ابراهيم" حينما كنت أمارس النحت مع نفسي هاويا، عرفني صديق به قائلا: اقدم لك النحات منقذ شريدة. ابتسامة بصرية ويد عملاقة مرحبة.. قدمت نفسي: أنا نحات هاو... لم ادرس النحت بل امارسه بالفطرة. انتبه لي "منقذ" بعينين نفاذتين وشعر كث طويل.. قامة ممتلئة تشبه قامة من يمارسون العاب رفع الاثقال.
ونحن نحتسي الشاي، اخرجت بخجل من حقيبة بلاستيكية زرقاء، بضعة تخطيطات بالقلم الرصاص لمشاريع، كنت أنوي تنفيذها بالجبس، وبمساعدة أحد الاصدقاء في معهد الفنون الجميلة... اخرج قلما من جيبه ووضع لمساته الساحرة على ورقة بيضاء... محولا الفكرة الى مجموعة أفكار، معدلا في بعض منحنيات وزوايا التخطيطات.
الصورة الثانية، لا يمكن أن تنسى، فقد شكلت مفترقا كبيرا في حياتي التي كنت اصارع فيها بين موهبتي ومخيلتي... إذ بعد شهور من لقاءات متفرقة في مقهى "ابراهيم" التي يعرفها الكثير باسمها الشهير "مقهى المعقدين" قال لي منقذ شريدة وبصلافة بصرية ودودة... عزيزي محمد اترك النحت ومارسه كهواية.... ركز على القصة.. احرص على ان ترسم مشاريعك قصصا وقصائد!
شكرت منقذ شريدة كثيرا على نصيحته، واحسست رغم ـ الغصة ـ التي اصبت بها، انه بوخزته المحببة تلك قد ازاح عن كاهلي ثقلا يكاد يخنقني حينما توهمت نفسي نحاتا... ومن يومها كلما حاولت ان اقترب من تنفيذ عمل نحتي اتذكر منقذ.
الصورة الثالثة، أكثر الصور بهجة لنا نحن جيل السبعينات، كنا نتفاعل مع احداث العالم ونتابع بحماس الصراع الكبير بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي، ففي اواسط السبعينات، أعلن عن تحرير فيتنام، وانتهاء الحرب القاسية التي شنتها ماكنة الرأسمالية على الابطال الفيتناميين وترشيح الاسطورة "هوشي منه" رئيسا، احتفلنا كما هو حال اغلب شباب اليسار العراقي المهيمن على الشارع السبعيني، امتدت سهرتنا شعرا ورقصا وغناء الى ساعة متأخرة من الليل، كنا انا ومنقذ شريدة ومجموعة من الشباب.
أما اكثر الصور رعبا ومأساوية، فكانت الصورة الرابعة، زمنها اوائل ثمانينات القرن الماضي حينما اشتعلت الحرب الاولى.. حرب لا رحمة فيها ولا بوادر لنهايتها، ففي يوم من ايام السنة الثالثة لها، وقف الجندي المكلف منقذ شريدة امام مقهى ابراهيم معلنا عن رغبته في بيع حذائه الجديد، وقال من يشتري؟ قلنا له لم تبيع حذاءك؟.. قال سألتحق غدا صباحا، وحدتي في مكان بعيد ولا حاجة لي بالحذاء الخفيف.. لأنني سأحتذي "البسطال" وانا بحاجة الى اجرة نقل الى وحدتي.. انبرى أحد الاصدقاء واشترى الحذاء منقدا "منقذ شريدة" مبلغا جيدا يفوق سعر الحذاء، عزل منه القليل.. قال: هذا للسفر غدا وهذا للسهر هذه الليلة....
كانت تلك السفرة هي الاخيرة لمنقذ شريدة. حسب ما سمعت فيما بعد ان هجوما واسعا تعرض له اللواء الذي نسب اليه منقذ، وتم أسره، وأنه استطاع أن ينفذ بعض الاعمال النحتية في طهران مقابل أن يتم منحه صفة اللجوء السياسي، تم له ذلك وبعد تنقلات عديدة في منافي الله، استقر في أمريكا.
أما الصورة الاخيرة لمنقذ شريدة، فقد سمعت أنه مات في منفاه الامريكي، وحيدا
وداعا ايها المعلم... وداعا ايها البصري العملاق في جسده وفنه، الذي يملك قلب طفل.... منقذ شريدة.. اهم نحات عراقي وعالمي بموازاة فنانين عراقيين كبار امثال اسماعيل فتاح الترك وخالد الرحال ومحمد غني حكمت وآخرين... ذكرت هذه الاسماء لانها تعد قريبة من جيله لكنه كاد يتفوق عليهم لولا ظروفه التي سردت أغلبها.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل