/
/
/

تحتدم المعركة، ويغدو السباق محموماً، وتلقي قضية الانتخابات، وهي جزء من الممارسة الديمقراطية، مسؤوليات كبرى على عاتق الواعين سياسياً بشكل خاص، وبينهم المثقفون.

وتجري الانتخابات الحالية في ظل استعصاء سياسي مازال قائماً منذ سقوط  الدكتاتور، ودخول البلاد في نفق نهج المحاصصة ولّاد المآسي والأزمات ومشاعر السخط والاحباط. ولكنها تأتي، أيضاً، بعد هزيمة الارهاب من ناحية، وتبلور وتطور حركة الاحتجاج من ناحية ثانية.

فهل ستختلف عن سابقاتها ؟ وهل ستكون، في سياق المأمول، نقطة تحول في مسار العملية السياسية ؟ هل سيستطيع السخط المتعاظم، جراء فشل القوى السياسية المتنفذة في اخراج البلاد من مأزقها، أن يتحول الى قوة قادرة على فرض المشروع الوطني الديمقراطي، مشروع الدولة المدنية ؟ وما هو الدور الذي يمكن وينبغي أن يمارسه المثقفون في هذه الانتخابات ؟

من الطبيعي أنه ما من أحد يتوهم أن هذه الانتخابات، التي بات كثير من "أبطالها" يتحدثون عن شروط "نزاهتها" وعن الدولة المدنية بعد أن صارت "موضة رائجة"، ستغير الواقع القائم في الحال بعصا الساحر، لكن المرتجى أن يمارس المزيد من ضحايا المعاناة، وهو ملايين المعذّبين، حقهم، ويختاروا ممثليهم الحقيقيين، عبر وعي سياسي أعلى يمكن أن ينشره المثقفون، ليسهم هذا الفعل في التراكم، وهو عملية مديدة، تحتاج نتائجها المنشودة الى مزيد منه، حتى نصل الى امكانية الاخلال بميزان القوى السياسي والاجتماعي، وهذا هو الشرط الأساسي للاصلاح والتغيير.

نحاول هنا الاجابة، بشيء من التفصيل، في اطار منهجيتنا الماركسية، على السؤالين اللذين نعتقد أنهما أساسيان في عملية الانتخابات: لماذا ندعو الى أوسع مشاركة ممكنة في الانتخابات ؟ ولماذا يدعو بعض "المثقفين"، وبينهم "يساريون" (يشاركهم في الدعوة بعض من "رجال الدين") الى مقاطعة الانتخابات ؟

لماذا المشاركة ؟

ابتداء يتعين القول إنه من الخطأ الاعتقاد بأن البرلمان هو موضع السلطة الرئيسي. فالحراك الجماهيري، على أهمية البرلمان والنضال من داخله، هو اكثر أهمية من النشاط البرلماني.

ومن الخطأ، أيضاً، الاعتقاد بما يروّجه بعض "اليساريين المتثاقفين" من أن المشاركة في الانتخابات ليست سوى تزكية للقوى الحاكمة المتنفذة، وأن الطريق البرلماني الى التغيير هو اعتراف ببقاء سلطة المتنفذين.

إن حقيقة كون الانتخابات ليست حاسمة في تحديد مصير المجتمع لا يعني أنها لا تحدث فرقاً. فهذا القول مبالغة واضحة وشكل من أشكال الحتمية الميكانيكية. صحيح أن العنصر الحاسم في تطور التاريخ والمجتمع هو انتاج واعادة انتاج الحياة الحقيقية، وصحيح أن العنصر الاقتصادي أساس في هذا التطور، لكن البنية الفوقية، أي الأشكال السياسية للصراع الطبقي، لها دورها الفاعل. فالدستور، على سبيل المثال، هو نتاج صراع طبقي يمارس دوره في التحول الاجتماعي.

ولا يمكن لنا كمثقفين ثوريين أن نكون غير مبالين بما يمكن أن تحققه الانتخابات من انتصار، حتى وان كان محدوداً، أو ما تحققه الاصلاحات المحدودة، التي لا تغير النظام القائم جوهرياً، ولكنها تترك آثارها على الناس وحياتهم وظروف نضالهم.

ومن ناحية ثانية فان المشاركة في الانتخابات جزء من المعركة الهادفة الى تطوير الوعي السياسي، وهذا ما ينتظر من المثقفين أن يمارسوا فيه دورهم الفاعل. كما أن انتخاب الديمقراطيين الحقيقيين يمكنهم من العمل، داخل البرلمان، كمدافعين عن مصالح وحقوق الشعب ومطامحه.

ومن المعروف أن الاشتراكيين الثوريين في ألمانيا شاركوا في مؤسسات رجعية، وكذلك فعل البلاشفة في روسيا، رغم اجحاف قوانين الانتخاب. وشارك الثوريون في القرن العشرين، وفي مختلف أنحاء العالم، في انتخابات يصعب القول إنها نزيهة حقاً. ويشاركون، اليوم، في انتخابات المؤسسات "البرجوازية"، وهم يعرفون، تماماً، أنهم غير قادرين على استبدال تلك المؤسسات في هذه اللعبة الديمقراطية، لأن التوازن السياسي والاجتماعي لا يسمح، ببساطة، بالاخلال المطلوب بهذه الدرجة.

ولو أن الماركسيين يضعون شروط توفر "النزاهة" المطلقة في الانتخابات، ومنح المؤسسات التشريعية "صلاحيات حقيقية"، وعدم استخدام "المال السياسي، وما الى ذلك من شروط يضعها "مثقفون يساريون" داعون الى المقاطعة، لما شارك أي ماركسي أو اشتراكي ثوري أو مثقف حقيقي في أية انتخابات في ظل دولة "برجوازية".

وغني عن القول إن مشاركة الثوريين في الانتخابات تعني، من بين أمور أخرى، استخدام الحملات الانتخابية لممارسة الدعاية في أوساط الجماهير التي لا يمكن الوصول اليها بالطرق العادية، وشرح برنامجهم على أوسع نطاق ممكن.

ومن المؤكد أن عدم المشاركة يعني موقفاً انعزالياً مثلما يعني منح المتنفذين فرصة أخرى للبقاء واستمرار نهجهم. ولا تفترض المشاركة الانتخابية، بالضرورة، وجود أفضل قوانين الانتخاب، وعدم حصول انتهاكات وتجاوزات، في ظل سيطرة المتنفذين على وسائل الاعلام والدعاية والاعلان.

هل زكّى ثوريو ألمانيا (روزا لوكسمبورغ وكارل ليبكنخت) البرجوازية وجرائمها وانتهاكاتها، أم أنهم استثمروا مؤسساتها لفضح سياسات البرجوازية، وتمرين الشغيلة على الكفاح، ونشر الوعي السياسي، والتحريض على استثمار السخط والنضال ضد مسببي المعاناة ؟

وحتى اذا كان "ضعف" التيار المدني حقيقة واقعة، وهو ما يتعكز عليه البعض، فان عليه اتخاذ موقف سياسي سليم، والدفاع عن هذا الموقف، وتثقيف طلائع الكفاح وسائر الناس به. ولا ريب أن الظرف الحالي، رغم كل تعقيداته، ورغم كل الصعاب التي تواجه التيار المدني الديمقراطي، يمنح هذا التيار فرصة حقيقية للدفاع عن برنامجه وعن مصالح الشغيلة والكادحين، وليس مجرد التفكير بالحصول على مقاعد برلمانية. وهذا هو، في الواقع، الاستثمار الثوري للانتخابات، ولمؤسسات الدولة "البرجوازية" حتى المزيفة منها.

متى نقاطع ؟

اذا كانت المشاركة هي، بوجه عام، الخيار الصحيح، وقد كان هذا رأي الماركسيين الحقيقيين على الدوام، فهناك ظروف معينة تكون فيها المقاطعة هي الخيار المناسب. فمتى يحدث هذا ؟

ابتداء يتعين القول إن موقف المقاطعة يجب أن يكون الاستثناء وليس القاعدة، وإن الظروف الاستثنائية التي تبرر شن حملة مقاطعة "ايجابية" هي عندما تكون مثل هذه الظروف جزءاً لا يتجزأ من التحضير لـ "انتفاضة ثورية"، وهذا الشرط غير قائم، بالطبع، في واقع بلادنا الراهن، ولا يسمح به التوازن السياسي والاجتماعي.

وكان البلاشفة أول من استخدم الانتخابات البرلمانية بشكل ثوري، حيث كان استقلالهم التنظيمي عن المناشفة يسمح لهم باستخدام البرلمان كمنبر للدعاية والتحريض.

ومعلوم أنه في أيلول 1905 دعا لينين الى مقاطعة مجلس الدوما (الذي دعا اليه القيصر لاحتواء الحركة الثورية، وكان ذلك مجرد مجلس شورى يستطيع القيصر حله في أي وقت) كجزء من الاعداد لانتفاضة مسلحة، وأقر البلاشفة اقتراحه. وبعد هزيمة التمرد في كانون الأول 1905 واصل البلاشفة دعم المقاطعة في انتظار تجدد الانتفاضة. لكن عندما تبين أن الانتفاضة المسلحة أصبحت غير ممكنة غيّر لينين موقفه في آب 1906، وأيد المشاركة في البرلمان، وخاض نضالاً مريراً من أجل ذلك، حتى وصل به الأمر الى التصويت، في مؤتمر للحزب عام 1907، مع المناشفة وضد البلاشفة. واستنتج لينين: "مقاطعة نشطة .. تكون هي التاكتيك الصحيح في ظل طفرة واسعة وعالمية سريعة للثورة، آخذة في التطور الى انتفاضة مسلحة، وفي ظل غياب هذه الشروط تدعو التاكتيكات الصحيحة الى المشاركة في الانتخابات".

فأين تكمن صحة شعار المقاطعة عام 1905 وخطأه عام 1906؟ ولماذا صوت لينين ضد البلاشفة عام 1907 ؟ الجواب لا علاقة له بعبقرية لينين أو عصمة البلاشفة، بل بالظروف الموضوعية التي رفع فيها شعار المقاطعة، والظروف الأخرى المختلفة التي جرى فيها التخلي عن شعار المقاطعة.

تيئيس وتخوين

لقد أطلق مثقفون ناشطون وصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي دعوات، ماتزال مستمرة، لمقاطعة الانتخابات، بزعم أن نتائجها لن تغير شيئاً.

ونشرت هذه المواقع بيانات وتصريحات لرجال دين و"مراجع" أصدروا "فتاوى" لمقاطعة الانتخابات، و"حرّموا" الذهاب الى المراكز الانتخابية، باعتبار أن المشاركة في الانتخابات "مشاركة في الجريمة". ودعا هؤلاء الى عدم الانخداع بما يقوله بعض رجال الدين والسياسيين حول المشاركة في الانتخابات. كما روّج مثقفون مدنيون "فكرة المقاطعة" كرد فعل على ضرورة عدم الاشتراك في "اعادة انتاج النفايات السياسية وتدويرها".

ويرى البعض أن "المقاطعة لا تعني، بالضرورة، رفض أصل الديمقراطية، وانما هي مجرد احتجاج على خروق متأصلة في العملية السياسية تحول دون امكان الناخب إحداث تغيير واضح".

ودعا أحد "المراجع" الى مقاطعة الانتخابات "كي لا يجري المشروع المدمر باسم الشعب العراقي"، معتبراً العملية السياسية كلها عملية تدميرية للبلد. ورأى أن "من يشارك فيها الآن، وهو لا يرى فيها الا تمرير المشروع المعادي، انما يحكم، بذلك، على موقفه بالخيانة وعلى تصرفه بالحمق وعدم التعقل". وأشار الى أن المقاطعة هي "عملية رفض تؤسس لمشروع، لأن الشعب العراقي حين يقاطع سيكون قادراً على التوحد حول مشروع جديد يكون بديلاً لهذه العملية".

ومهما يكن من أمر فان من الطبيعي احترام حرية الشخص في خياره، واحترام الاختلاف في الرأي. ومن حقنا، بالمقابل، أن نناقش آراء الآخرين المختلفة، ناهيكم عن حق الرد على التشويهات.

إن امتناع البعض عن التصويت، سواء بسبب اليأس، أم السخط الغاضب، أم الموقف المسبق من المدنيين، أم الاختلاف مع منهجهم أو أساليب عملهم ... لا يعني صحة موقف المقاطعة. فهذا الامتناع، وإن كان ينطوي، في بعض منه، على موقف احتجاجي ضد سلطة المحاصصات والمآسي التي خلفتها، فانه يبقى، في الظرف الراهن الملموس، ممارسة سلبية قاصرة ولامبالاة سياسية. وليس من الصحيح حتى مسايرة "الجماهير" واللهاث وراءها بدل التقدم الى الطليعة وقيادتها.

ويطرح البعض أسباباً أخرى للمقاطعة بينها استحواذ المتنفذين على وسائل الاعلام. غير أنه اذا كان من الضروري الكفاح من أجل تحرير الاعلام من هيمنة القوى المتنفذة، فان الحديث عن احتكار هذه القوى للاعلام كمبرر للمقاطعة هو موقف انعزالي. هل يتعين على الحزب الشيوعي أن يتوقف عن اصدار صحيفته اليومية لأن الدولة تحتكر الصحافة وسائر وسائل الاعلام !؟

ومن ناحية أخرى فانه ينبغي على الثوريين الحقيقيين مكافحة الخنوع لضغوط المواقف "الصبيانية" و"الجمل الثورية" الجوفاء، والمزايدة بالشعارات البراقة، البعيدة عن الواقع الملموس، والتي تصب، في خاتمة المطاف في المجرى ذاته الذي يحرك طواحين القوى المتنفذة.

أجل، يجب الاعتراف بأنه مازالت هناك ثقافة سياسية سائدة لدى بعض "المثقفين" ممن يرون في كل أشكال العمل السياسي الشرعي مجرد مهادنة للنظام واقرار بشرعيته. وهذا، في الواقع، موقف عدمي ممن هم، في الغالب، يفتقرون الى خبرة النضال العملية، ويهربون الى موقف استنكافي يبدو جذرياً، لكنه عقيم ويكشف عن قصور سياسي وفكري.

ومن بليغ الدلالة أن نستذكر، هنا، ما قاله لينين في (مرض اليسارية الطفولي في الشيوعية) من أن "ما هو أصعب بكثير (من أن يكون المرء ثورياً عند اندلاع الثورة) وما له قيمة أكبر كثيراً، هو أن يكون المرء ثورياًعندما لا يتيح الوضع بعد نضالاً مباشراً ومكشوفاً وجماهيرياً حقاً وثورياً حقاً، وأن يستطيع الذود عن مصالح الثورة، بالدعاية وبالتحريض وبالتنظيم، وذلك في مؤسسات غير ثورية، بل وحتى رجعية بجلاء، في ظروف غير ثورية، وبين جماهير قاصرة عن أن تفهم في الحال ضرورة وجود منهج ثوري في النضال".

واذا كان مقالنا لا يسمح بالدخول في كل التفاصيل، فانه من المهم التذكير بأن من بين أفضل المراجع العامة في التراث الماركسي لموضوع المثقفين والانتخابات هو كتاب لينين (مرض اليسارية الطفولي في الشيوعية) – 1920، وغايته الأساسية مكافحة نزعة التطرف اليساري. ومن بين حجج الكتاب الرئيسية أن:

*رفض جميع التنازلات مقدما ليس موقفاً ماركسياً جاداً.

*من الضروري للغاية العمل في جميع النقابات العمالية، بما في ذلك نقابات العمال الرجعية.

*من الملزم المنافسة في انتخابات البرلمان البرجوازية والمشاركة فيها.

*فن القيادة يعني، من بين أمور أخرى، تعلم كيفية كسب أغلبية الناس وليس الطليعة الثورية (التي لا يتحقق النصر بها وحدها)، وهو ما يعني أن تكون متقدماً على الجماهير بخطوة واحدة، وليس معزولاً عنها.

وتبقى المسألة الحاسمة، في هذا السياق، ليس العودة الى التراث الثوري والتجربة التاريخية حسب، وانما التقييم الواقعي للوضع الطبقي وميزان القوى الاجتماعي والسياسي، ووضع وتطبيق البرامج الفعالة في ضوء ذلك.

ومن المفيد، هنا، أن نشير الى ما كتبه انجلز في مقدمته (الصراع الطبقي في فرنسا) عام 1895، اذ أكد أنه "اذا كانت المزايا الوحيدة للانتخابات الحرة هي أنها تسمح لنا بمعرفة أصواتنا وزيادتها، وتعزز ثقة العمال، وتتحول الى أفضل وسيلة للدعاية، وتحدد مستوى تحركنا لتلافي التأخر أو التسرع غير المناسبين، اذا كانت هذه هي مزية الانتخابات فانها "كافية"، لكنها فعلت أكثر من ذلك بكثير. ففي الدعاية الانتخابية تتاح لنا فرصة فريدة للتواصل مع الجماهير في المناطق التي مازلنا بعيدين عنها، وفي اضطرار الأحزاب الأخرى للدفاع عن مواقفها في مواجهة هجومنا أمام الجماهير".

وينبغي التحذير هنا، بالطبع، مما يمكن أن تؤدي اليه النجاحات من ميل للتخلي عن الأهداف البعيدة والاكتفاء بالأهداف المباشرة، وبالتالي تقوية الاتجاه الاصلاحي على حساب الاتجاه الثوري في حركتنا.

سائرون .. وضوح الرؤية

من الطبيعي أن الحملات الانتخابية تهدف الى تحقيق الفوز في الانتخابات. ومن هنا أهمية أن تستند الدعاية الانتخابية على برامج واقعية واضحة الرؤية. ويعد برنامج ائتلاف (سائرون) مثالاً على هذا التوجه. غير أنه من الضروري الرفض الحازم لضغوط واغراءات تقديم التنازلات من أجل الحصول على مقاعد. ومن ناحية أخرى علينا أن ننظر الى الحملة الانتخابية باعتبارها مرتبة في النضال من أجل تعبئة الجماهير، وهي ليست، بالطبع، المرتبة الأعلى.

ويتوهم البعض أن التصويت لصالح قائمة فيها اختلافات فكرية يعني التأييد السياسي الشامل والكامل لبرامج وتوجهات سائر أطراف هذه القائمة. فالتصويت لصالح حزب العمال من أجل الاطاحة بحزب المحافظين في بريطانيا لا يعني، بالضرورة، تأييد حزب العمال.

ومما يتسم بأهمية بالغة أن تحالف (سائرون)، الذي يضم قوى مدنية وطنية وديمقراطية وقوى وطنية ذات توجهات اسلامية، يفند ما يروج له البعض من أن أطراف التحالف متقاطعة سياسياً بسبب الاختلاف الايديولوجي. ولا مبالغة في القول إن هذا التحالف يتسم، وفقاً لبرنامجه المعلن، بكونه يتجاوز محطة الانتخابات لينتقل الى محطة تحديد وجهة التطور الاجتماعي للبلاد من خلال اصطفاف وطني يشكل بديلاً لنهج الحكم القائم.

فقد حدد برنامج (سائرون) أهدافه الأساسية بوضوح، مؤكداً على كونه تحالفاً عابراً للطائفية، وساعياً الى اقامة الدولة المدنية وتحقيق العدالة الاجتماعية، وضمان مصالح الشعب والوطن، واشاعة الأمن والاستقرار عبر منظومة متكاملة من الاجراءات السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والاعلامية، ومكافحة الفساد، وتحقيق نهضة تنموية مستدامة، وتأمين الخدمات الأساسية، وضمان استقلال القضاء، وبناء القوات المسلحة على أساس المهنية والكفاءة والوطنية، واعتبار الاصلاح والتغيير ضرورة لا غنى عنها.

وفي سياق الاصلاح يؤكد البرنامج، من بين شروط أخرى، على المنظومة الانتخابية بدءاً بتشريع قانون انتخابي عادل يوفر الفرص المتكافئة للمتنافسين على أساس البرامج، ويضمن اجراء انتخابات نزيهة وذات مصداقية.

دور فاعل للمثقفين

تضع قضية الانتخابات مسؤوليات كبرى على المثقفين، فهم الأكثر تأهيلاً لاشاعة الوعي السياسي وتحفيز الناس على المشاركة في الانتخابات، والاختيار الحر والواعي لممثلي الشعب الحقيقيين، انطلاقاً من مثلهم السامية، والأمل بتمسكهم بالهوية الوطنية، ونأيهم عن الدوافع الطائفية والاثنية.

وعلى الرغم من أن الأزمة السياسية والاجتماعية العميقة ماتزال، ومنذ 15 عاماً، تلقي بظلالها المأساوية على أوضاع المثقفينن وتعوق ممارستهم دورهم الاجتماعي، فان على المثقفين أن ينهضوا بمسؤولياتهم الجسام، من خلال التأثير الفاعل في خيارات الناخبين، باتجاه تشكيل برلمان حقيقي يتخذ موقفاً سليماً من الثقافة ومنتجيها، ويحمي ويطور التجربة الديمقراطية الهشة، التي تواجه تعقيدات وعواقب المحاصصة والطائفية السياسية، ويخلق أسس اقامة الدولة المدنية وتحقق العدالة الاجتماعية.

لقد أدى تنامي حركة الاحتجاج الى مزيد من الوعي السياسي، غير أن هذا التأثير، ورغم مشاركة أوساط متسعة بينهم المثقفون، مازال محدوداً، اذا ما أخذنا بالحسبان أن الغاية هي الاخلال بميزان القوى الاجتماعي لصالح قوى الاصلاح والتغيير. وستظل هذه المهمة الملحة قائمة، وهو ما يعني، من بين أمور أخرى، استمرار وتصعيد الحركة الاحتجاجية، وتوسيع مشاركة المثقفين فيها، واستخدام أساليب كفاحية أخرى في عملية استثمار السخط المتعاظم.

ومن المؤكد أن المثقفين، وهم يتأملون المآسي والمحن التي يعاني منها الملايين، وهم ضحاياها أيضاً، يعرفون حق المعرفة أن القوى المتنفذة غير مبالية بالثقافة ومنتجيها، بل أن الثقافة لا تعني شيئاً في برامج وسلوك هذه القوى التي لا يعنيها سوى الحفاظ على امتيازاتها.

وغني عن القول إن برلماناً لا يعنيه الشأن الثقافي هو برلمان فاشل بالتأكيد، ولن يفعل سوى اعادة انتاج الأزمات، وبينها الأزمة الثقافية.

ولا حاجة بنا الى ايراد تفاصيل ما يتطلع اليه المثقفون، فقد فصّلنا في مقالنا السابق (المثقفون والتغيير) الكثير من الحقائق ذات العلاقة، وأحلنا القاريء والمثقف المعني الى (ورقة الاصلاح الثقافي) التي أصدرها الحزب الشيوعي العراقي العام الماضي، وفيها من التحليلات والأفكار العميقة ما يضيء معاناة المثقف وحلمه وتطلعه الى المناخ الذي يحقق صبواته، وهو المناخ الذي لا يمكن أن توفره الا الدولة المدنية التي تقيم أسسها الانتخابات الديمقراطية النزيهة وتغيير ميزان القوى لصالح قوى الاصلاح والتغيير، وهو ما يؤمل أن يكرس له المثقفون الحقيقيون سعيهم الحثيث وطاقاتهم الابداعية ونشاطهم المتعاظم وسط الناس.

ولعل من الطريف، والمفيد، هنا، أن نذكّر بموقف الشاعر آرثر رامبو من كومونة باريس. فعلى الرغم من الالتباسات التي أحاطت بالكثير من التقييم النقدي لرامبو، وهو نقد ركز، في الغالب، على الجانب المتمرد، فانه لم يربط ذلك التمرد بالمحتوى الاجتماعي.

إن قصيدته الشهيرة الموسومة (نشيد الحرب الباريسي) تكشف عن الحماس الذي عبر عنه في تأييد الانتفاضة حال اندلاعها، وتمجيد النساء المشاركات فيها، وغضبه العارم على من أغرقوها بالدماء.

وجوهر موقف رامبو، ارتباطاً بسياق مقالنا، هو أن المثقف لا يمكن أن يكون مجرد شخص محايد، وهو يرى النيران تلتهم أجمل ما في الحياة، وانما يتعين عليه أن يكون "سياسياً" بالمعنى الرفيع لهذه الكلمة.

وجلي أن على المثقفين أن يتعلموا من مثال رامبو، وأمثلة أخرى لا تحصى، ليبعدوا أنفسهم عن الوقوف على التل. وقد سقنا مثال رامبو على وجه التحديد، لأنه لم يكن "سياسياً"، ولم يكن "يسارياً"، بل كان متمرداً معنياً بالشأن الجمالي. غير أن هذا المتمرد لم يبق في برج الشاعر العاجي، بل نزل الى حيث الشوارع كانت مليئة بالهتافات، والغضب، والتحدي، و"اقتحام السماء".

ومن ناحية أخرى فانه من الجلي، والمعركة تتعاظم احتداماً، أن من بين ما يهدف اليه المتنفذون في حملاتهم الانتخابية هو إشاعة اجواء اليأس، والتفنن في خداع من يمكن من الناس للامتناع عن التوجه الى صناديق الاقتراع، ومقاطعة الانتخابات.

ولا يتورع هؤلاء المتنفذون من استخدام كل الوسائل غير المشروعة والمفضوحة والمثيرة للسخرية، للوصول الى غايتهم، وهو ما نشهد تصعيده وأمثلته الصارخة في التجاوزات، وفي مقدمة ذلك نشر "حقائق" أن لا جدوى من المشاركة في الانتخابات الحالية، لأنها ستعيد المتنفذين أنفسهم أو نسخاً أخرى منهم، والايحاء بأن هذا سيكون نتاج التواطؤ بين "المحتل الأميركي" و"الجار الايراني"، وبمشاركة أطراف اقليمية في اطار صفقة يباركها الجميع، ويلتزم بها "المتنفذون"، على أن من شروط هذه الصفقة محاصرة "القوى المدنية" الناهضة، واعاقتها عن تحقيق النجاحات المنشودة والمأمولة في ائتلافها مع القوى الاسلامية المعتدلة.

ومن أجل هذه الغاية يعتمد المتنفذون، الذين ينتهكون أبسط قواعد الدعاية الانتخابية دون رادع أو رقيب أو حسيب، على المال السياسي المتدفق عبر الحدود، أو المنهوب من خزينة الدولة، بغرض شراء الذمم ورشوة الناخبين والمؤثرين في جمع أصوات "القصّر" في وعيهم و"المتدنين" في روحهم الوطنية ولامبالاتهم بممارسة حقهم. ويستثمرون، في ظل أجواء التخلف والاحباط والعوز، افرازات الثقافة السائدة، التي تخدم، بالضرورة، مصالح من يريدون ادامتها وتأبيدها.

ومن الطبيعي أن قوى خارجية، اقليمية ودولية، لا ترغب في تحقيق قوى الاصلاح والتغيير النتائج والنجاحات المؤثرة، بل إنها تسعى الى استمرار الأوضاع على ما هي عليه، من نهج محاصصاتي وفساد وتخلف وأزمات على كل صعيد، ومحاصرة للتيار المدني وإعاقة تحالفه مع الاسلاميين المعتدلين، وهو التحالف الذي بات يقض مضاجع القوى المتنفذة ويشعرها بالتهديد والخطر المحدق. ومن هنا فان سهامها تتجه صوب هذا التحالف. ومن غير المستبعد أن تتوحد جهود كل القوى المناهضة للاصلاح والتغيير، مهما اختلفت أجنداتها ومراميها، لعرقلة عملية الاصلاح والتغيير.

*    *     *

يا مثقفي البلاد الحزينة .. أطلقوا نشيد التنوير، وأنتم تحفزون، بمثالكم الملهم، كتائب الكادحين، ضحايا المعاناة، حتى يختاروا من يمنحهم الخبز والحرية والسلام ..

دعوا أصواتكم تتعالى، متناغمة، وأنتم تغذون المسير وسط مظلومين ينظرون اليكم سفينة نجاة ..

معكم نسير، نحن الذين نتمسك بالقيم السامية، وتنهل أيادينا البيضاء من فرات النزاهة .. نحن الذين يعرف التاريخ أننا سنمضي الى ما نريد، كما مضى الأوّلون .. نحن السائرون في طريق الحق دون أن نستوحشه لقلة سالكيه .. نمضي مع علي وأبي ذر وابن ياسر وأمه سميّة .. نحن أحفاد جلجامش والحسين والحلاج .. وفهد وسلام عادل .. والصدر وبنت الهدى ..

هذه أيام ينتظر الملايين أن يضيئها مثال المثقفين .. وهذه مشاعل ينتظر الملايين أن توقدها أصوات المثقفين .. وهذه رايات ينتظر الملايين أن ترفعها أيادي المثقفين .. وهذه ينابيع ينتظر الملايين أن تفجرها هتافات المثقفين .. وما من سبيل للمسير سوى الأيام والمشاعل والرايات والينابيع !

كونوا أنتم من يرشد الحلم الى المرتجى .. ويوصل الخطوات الى تلك الضفاف التي تتطلع اليها أرواح الشهداء القديسين، وعيون الضحايا الخزّر التي لن تنام .. !

يا مثقفي البلاد المعذّبة .. تقدموا في مواكب الاقتحام .. فهذا يليق بتاريخكم وأمجادكم والأمل الذي تنشرون ..

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل