من الحزب

التقرير السياسي الصادر عن المؤتمر الوطني العاشر للحزب الشيوعي العراقي

 
العناوين الرئيسية
المقدمة

مظاهر الازمة الشاملة في بلادنا ومآل العملية السياسية
فشل نظام المحاصصة
الطريق الى الخلاص من المحاصصة
مكافحة داعش والارهاب
إحتلال أراضينا من قبل داعش.. الاسباب والمسؤولية
القوات المسلحة العراقية ودورها راهنا ومستقبلا والخدمة الالزامية

الحشد الشعبي، الميليشيات، وحصر السلاح بيد الدولة
تطورات المعركة ضد داعش والارهاب
تحديات تنتظر بلادنا بعد تحرير الاراضي من داعش
الهجرة، النازحون، إعادة اعمار المناطق المحررة
المصالحة الوطنية
قضايا عقدية في المصالحة الوطنية
مكافحة الفساد المالي والاداري
الحراك الاحتجاجي الجماهيري
الأسباب المباشرة للحراك الاحتجاجي
مطالب الحركة الاحتجاجية
مراحل تطور الحراك
سمات الحركة الاحتجاجية
النتائج الملموسة للحراك الاحتجاجي:
الاستنتاجات
الاصلاح والتغيير
التغيير ضرورة
المعارضون والداعمون للاصلاح
احداث 30 نيسان، وما تلاه
مساع لخلط الاوراق
حكومة كفاءات
الدولة المدنية الديمقراطية
الفيدرالية
تشكيل الاقاليم، اللامركزية، وصلاحيات المحافظات
قضايا اجتماعية - اقتصادية
نظام اقتصادي- اجتماعي انتقالي
تنامي التفاوت في الدخل والثروة
تبلور ملامح الفرز الاجتماعي
التنمية الغائبة وبديلها - التنمية المستدامة
الموازنة وتصاعد المديونية
البنك المركزي ومزاد العملة
اوضاع حقوق الانسان وروح الدستور
الوظيفة العامة
من اجل قانون عادل للانتخابات البرلمانية
نحو اصطفاف شعبي وسياسي واسع لدعم الاصلاح والتغيير
التطورات في المنطقة والبلدان العربية
تحديات ومهمات أمام القوى اليسارية والديمقراطية
تطورات في الوضع العالمي
اليسار العالمي.. انتصارات وتراجعات
تحديات ومهمات
من مهام الحزب في الظروف الراهنة

شهدت بلادنا في السنوات الاربع التي مرت على انعقاد المؤتمر الوطني التاسع للحزب (ايار 2012) تطورات واحداثا مهمة، اشرت استمرار الازمة العامة وتعمقها وشمولها وتعدد تجلياتها.
وكان من نتائج تلك التطورات ، الفشل في تحقيق ما تطلع اليه العراقيون بعد التغيير في نيسان 2003، من اقامة بديل مدني ديمقراطي حقيقي للنظام الدكتاتوري المقبور، يقطع الطريق على اي مسعى لاعادة بناء نظام شمولي استبدادي قمعي تحت اية ذريعة او واجهة.
ان الازمة البنيوية التي تطحن بلادنا والمفتوحة على الاحتمالات كافة، ليست معزولة عن طريقة التغيير التي تمت عبر الحرب والاحتلال، ولا عن تركة النظام المباد الثقيلة، وطبيعة نظام الحكم ومنهجه الذي يعتمد المحاصصة الطائفية - الاثنية في الادارة وفي بناء مؤسسات الدولة، المدنية والعسكرية، وتغليب الهويات الفرعية على المواطنة العراقية الجامعة. كما انها ليست معزولة عن تسييس الدين وتوظيفه، وتفاعل العديد من العوامل الداخلية والخارجية، وما تعرض اليه وطننا من عنف وتخريب وموجات ارهابية دامية، في ظل تعمق الطابع الريعي والاستهلاكي للاقتصاد الوطني واعتماد السوق المفتوحة، وغياب الرؤية الاستراتيجية المتكاملة لتحقيق تنمية متوازنة مستدامة، بجانب تفشي الفساد في الدولة والمجتمع، واحتدام معركة شعبنا ضد الارهاب وداعش، اضافة الى بعض الصيغ حمالة الاوجه في الدستور والانتقائية والممارسة الخاطئة في تفسير وتطبيق مواده.
ويؤشر هذا كله وغيره استمرار الحالة الانتقالية واحتدام الصراع بين خيارات المستقبل وشكل الدولة وماهيتها، وطبيعة النظام السياسي والاقتصادي- الاجتماعي الجديد.
ان بلادنا تعاني حالة استعصاء سياسي ناجمة عن الصراعات بين الكتل المتنفذة وفي داخلها، وعن التشنج في علاقة الحكومة الاتحادية مع حكومة الاقليم من جهة، ومع الحكومات المحلية من جهة ثانية. فيما يتسم اداء الدولة ومؤسساتها بالشلل والعجز عن تلبية حاجات الناس، وتتفاقم الازمة المالية الاقتصادية، ويشتد التوتر الاجتماعي، ويضرب الفساد اطنابه في الدولة والمجتمع، ويبرز الفشل في توفير الخدمات، والتدهور في المستوى المعيشي لفئات وشرائح اجتماعية واسعة، خاصة من العمال والفلاحين وعموم الكادحين وذوي الدخل المحدود، بل حتى من الفئات الوسطى، فضلا عن ارتفاع معدلات البطالة ونسب الفقر. فيما نشهد فرزا اجتماعيا وطبقيا متواترا وتنامي فئات وشرائح طفيلية وبيروقراطية وكمبرودارية معرقلة لاي عملية اصلاح جدي كونها تهدد مصالحها وامتيازاتها.
وقد ولدت اوضاع البلد المأزومة سخطا وتذمرا واسعين، وحراكا سلميا يكفله الدستور، ويجسد رفض جماهير وفئات اجتماعية متنوعة لاستمرار مسلسل الازمات وتحمل تبعاته، ويضغط في اتجاه تحقيق الاصلاح والتغيير الذي غدا مطلبا جماهيريا ملحا، بعد الفشل المتتالي للسلطات التنفيذية والتشريعية ، واخفاق منهجها ونمط تفكيرها. وغاية ذلك هي اصلاح العملية السياسية وتصحيح مسارها، بما يفضي الى فتح فضاءات جديدة، وتغيير موازين القوى لصالح اصطفاف مدني ديمقراطي واسع، ونشوء كتلة وطنية اصلاحية مؤثرة وفاعلة، تقود البلد الى شاطىء الامان والاستقرار، ونحو اقامة الدولة المدنية الديمقراطية الاتحادية على قاعدة العدالة الاجتماعية، دولة المؤسسات والقانون كاملة السيادة.

مظاهر الازمة الشاملة في بلادناومآل العملية السياسية
تشهد الاوضاع في بلدنا مزيدا من التعقيد والتشابك والتدهور، وتتكاثر المشاكل مستعصية الحل في اطار منظومة الحكم القائمة ونهجها، على مختلف الصعد السياسية والاقتصادية - الاجتماعية، لتصبح ازمة شاملة ذات ابعاد بنيوية وسياسية. وقد تعمقت هذه الازمة بجوانبها المتعددة، وتجلت كأزمة نظام حكم وحكومة، وازمة علاقات وعدم ثقة متبادلة بين القوى والكتل المتنفذة. واخذ مسار الاحداث وتداعياتها يثيران قلقا متناميا داخل العراق وفي البعدين الاقليمي والدولي، ليس فقط على مسار العملية السياسية وبلوغها غايتها المرجوة في اقامة الدولة الديمقراطية الاتحادية المزدهرة، بل وعلى الدولة العراقية ككيان موحد.
ومع اشتداد وتعمق الأزمة الشاملة للحكم، باتت تطرح أسئلة مشروعة بشأن مآل العملية السياسية في البلاد، التي انطلقت بعد عام 2003.
من جانبنا تعاملنا مع العملية السياسية كعملية انتقال سلمي نحو عراق ديمقراطي موحد، من خلال تصفية مخلفات النظام الدكتاتوري وإرساء وتثبيت أركان النظام الديمقراطي الاتحادي، قانونيا ومؤسسيا وفكرا ونهجا، واستكمال السيادة الوطنية وإعادة الاعمار، ووضع العراق على طريق البناء والنهوض الاقتصادي والاجتماعي.
ويظل إصلاح العملية السياسية امرا راهنا لمعالجة ازمتها البنيوية، ومطلبا ملحا طالما لم يحسم الصراع مع اعدائها الذين يريدون إعادة البلاد إلى عهد الحكم الاستبدادي.
ان القوى المتنفذة و المتشبثة بالسلطة لم تنجح في وضع حلول تخرج البلد من ازماته، بسبب طبيعتها، وبقائها اسيرة نمط تفكيرها اللاديمقراطي وآليات عملها وادارتها للسلطة، وعدم استعدادها للحوار البناء والجاد ولتقديم التنازلات المتقابلة، وعدم تحليها بالمرونة المطلوبة في العمل السياسي، وتمسكها بنظام المحاصصة والطائفية السياسية. لذلك تلجأ الى سياسة المناورة والتسويف وعقد الصفقات، وتفضل ذلك على المنهج السليم الدستوري الديمقراطي، لاخراج البلد مما هو عليه من سوء الحال والتردي.
وتتجلى ازمة الحكم في مظاهر عدة، منها سوء ادارة البلد والاداء غير الكفوء لمؤسسات الدولة، وعجزها عن القيام بواجباتها، بسبب بنائها وفق منهج يفرط بالطاقات والكفاءات الوطنية، لحساب تجميع الانصار والمريدين والمطبلين، وانتهاج سياسة التفرد والاعتماد على الدائرة الضيقة من المقربين، ما ادى الى تعمق مظاهر التمييز على اساس الموالاة والتحزب الضيق، وتفاقم المعاناة بسبب اعتماد المحاصصة على حساب الكفاءة والمهنية والنزاهة في اسناد الوظيفة العامة، وشيوع المظاهر المسلحة خارج اطار الدولة. وفي ظل غياب الرؤية الاستراتيجية المتكاملة لبناء الدولة، واللجوء بدل هذا الى اجراءات غير مدروسة ومبتسرة وترقيعية، جرى تبديد المال العام والوقت والجهد.
يضاف الى ذلك استمرار نفاذ معظم قوانين النظام المقبور، وعدم قيام مجلس النواب بمهامه التشريعية والرقابية على نحو مقنع، وعدم تشريعه العديد من القوانين التي تمس الحاجة اليها مثل قانون النفط والغاز، وقانون الموارد المالية، وتعديل قانون التقاعد الموحد، وقانون الضمان الاجتماعي الشامل وقانون الخدمة العسكرية الالزامية، وتعديل قانون انتخاب مجلس النواب، وقانون الحصول على المعلومة،، وقانون مجلس الاتحاد، وإعادة النظر في قانون مكافحة الارهاب وقانون هيئة المساءلة والعدالة وغيرها. ومعلوم ان اخطبوط المحاصصة امتد حتى الى اللجان البرلمانية التي صار المتحاصصون يتقاسمون رئاستها، ما اثر سلبا على اداء تلك اللجان وعملها. وهذا ينطبق الى حد كبير على عمل واداء الحكومات المحلية ومجالس المحافظات.
وجرى التفريط بمبدأ الفصل بين السلطات فتداخلت الصلاحيات، ما اربك العمل وعرقله. فيما اثير العديد من الاسئلة بشأن عدد من الاجراءات والمواقف التي اتخذتها السلطات القضائية العليا، ومدى ما اتسمت به من حيادية واستقلالية. هذا الى جانب التدخلات الفظة في عمل الهيئات المستقلة، وتشكيلها وفقا للمحاصصة ولارادة المتنفذين وبما يخدم مصالحهم، ما اضعف كثيرا دورها المسند لها دستوريا وشوهه.
وتجلت الازمة ايضا في سعة الخلافات وعمقها بين الكتل المتنفذة المتحاصصة في جميع مفاصل الدولة، وفي فقدان الثقة بين اطرافها، ومواصلتها المناكدات والتراشق الاعلامي والتسقيط السياسي والاجتماعي، فضلا عن ارتهان العديد من القوى والشخصيات المؤثرة في الكتل المتنفذة الى دول وقوى خارجية، وخضوعها الى اجنداتها، وبقاء العلاقات بين الحكومة الاتحادية وحكومة الاقليم على تأزمها.
كما تواصلت، باشكال متنوعة، حالات التضييق على الحريات العامة والخاصة، والمساعي لتقزيم الديمقراطية، والحد من النشاط المهني والنقابي، لا سيما في مؤسسات الدولة، والتضييق على وسائل الاعلام والانشطة الثقافية وحرية التعبير والحصول على المعلومة.
وكشفت الهزيمة السياسية والعسكرية في الموصل (حزيران 2014) وتمدد داعش، وتواصل الخروقات الامنية، سوء بناء مؤسسات الدولة العسكرية والامنية واختيار قادتها، وفشل السياسة والاداء اللذين قادا الى هذا الانهيار. وما زال شعار حصر السلاح بيد الدولة بعيدا عن التطبيق، في ظل ظهور تشكيلات عسكرية غير نظامية ( ميليشيات).
وجاء الانخفاض الحاد في اسعار النفط عالميا منذ اواخر 2014، وتأثيره الكبير على العائدات النفطية، وما نجم عن ذلك من صعوبات اقتصادية ومالية جمة، ليبين الوهن الذي اصاب اقتصادنا والشلل وتعمق طابعه الريعي، وكل ذلك بسبب سوء الادارة، وعدم التخطيط والتوجه الجاد الى تنمية قاعدة اقتصادية انتاجية.
ونشأ تشابك مريب بين منظومة الفساد والمتنفذين الفاسدين في اجهزة الدولة ومؤسساتها من جهة، وفئات البرجوازية الطفيلية والبيروقراطية واوساط من التجار الكومبرادور وبعض اصحاب المصارف والمتاجرين بالعملة ومالكي الفضائيات ومهربي النفط. وتوسعت هذه الظاهرة لتكتسب ابعادا مجتمعية.
وانعكس ذلك وامثاله بحدة على حياة الناس ومستوى معيشتهم، وتجلى في انخفاض قدرتهم الشرائية، وارتفاع معدلات البطالة، وزيادة اعداد المهمشين، وفي سوء الخدمات، والازمات في الكهرباء والماء والنقل والسكن والتعليم والصحة، وتصاعد نسبة من هم تحت خط الفقر.

ان السبب الرئيسي لهذه الازمات المتتالية هو اعتماد نهج المحاصصة الطائفية - الاثنية، الذي ساهم المحتلون في ترسيخه، والمستفيدون منه في إدامته. وقد استمرأت القوى المتنفذة ذلك بسبب اختزاله المكون او الطائفة التي تدعي تمثيلها الى كتلتها السياسية، واتاحته تجيير ذلك لمصالح افراد، وتوفيره اساسا وغطاء لادامة مصالحها واستحواذها على المناصب، ولتقاسمها النفوذ مع بقية المتحاصصين والهيمنة على القرار.
ولم تتمكن السلطة القائمة من معالجة مشاكل البلد المتعددة، ولا من منع تفاقمها واستفحالها، حتى استحالت مؤسسات الدولة هياكل واطرا هشة، جراء عدم وضع الشخص المناسب في المكان المناسب، وما يعنيه ذلك من اقصاء متعمد للعناصر الوطنية الكفوءة والنزيهة عن مواقع المسؤولية، كذلك غياب الرؤى الاستراتيجية لادارة البلد في الجوانب كافة. كما ان اعتماد المحاصصة عرقل اقامة دولة المؤسسات والقانون، ووفر في المقابل غطاء للفاسدين وحماية لهم من المساءلة والمحاسبة القانونيتين.
على ان الاخطر يكمن في تجاهل مبدأ المواطنة، وعدم التعامل مع العراقيين على قدم المساواة من دون تمييز بغض النظر عن قومياتهم وطوائفهم واديانهم ومواقعهم الاجتماعية. ويدفع كثير من المتنفذين نحو تكريس التعامل معهم كممثلي مكونات- ولا احد يعرف من انتخبهم لهذه المهمة!- في مسعى للهرب الى امام من استحقاق الخلاص من المحاصصة وتجنب شرورها، ومن المطالبة المتسعة بذلك.
ان من شأن تكريس مفهوم دولة المكونات، واستمرار المحاصصة، ان يقودا الى المزيد من التشظي المجتمعي واضعاف الوحدة الوطنية وتمزيق النسيج الاجتماعي. وقد يشكل ذلك مقدمات وممهدات الى تقسيم الدولة، او في احسن الاحوال الى الابقاء عليها كيانا موحدا شكلا، فيما هي في الواقع تحكم وتدار من قبل ادعياء تمثيل المكونات والطوائف.
ان تجربة السنوات السابقة لم تزكّ هذا النموذج في ادارة الحكم، واذا كان مريدوه يحسبون انه مصمم لتحقيق الامن والاستقرار في بلد كالعراق متعدد القوميات والاديان والطوائف والمذاهب، ويوفر الاطار المناسب لتعايش اطياف الشعب بسلام وامان، فان الوقائع على الارض تشير الى عكس ذلك تماما.
ان المحاصصة الطائفية الاثنية هي أس أزمة النظام السياسي وفشله البيّن في مختلف المجالات. لذا لا بد ان يكون هدف الخلاص منها وإعلاء شأن المواطنة، اساسا لاقامة الدولة المدنية الديمقراطية، وعنصرا رئيسا في اية رؤية جدية الى عملية الاصلاح والتغيير.

لقد واجه منطق المحاصصة اول الامتحانات الصعبة امام حركة الجماهير وضغطها، فتعرض جداره الى هزة قوية، لكنه لم يسقط بعد. ويحتاج الامر كما يبدو الى وقت قد يطول او يقصر، وفقا لشدة الضغط، ولقوة دفع العوامل الداخلية الفاعلة والداعمة، وللقدرة على تحييد العامل الخارجي او اضعاف تاثيره عبر اصطفاف داخلي فاعل، يتجه نحو الاصلاح والتغيير وينبذ ويزيل العقبة الاساس، وهي منهج ونمط التفكير المحاصصاتي.
ويمكن التخلص من المحاصصة بصيغ متدرجة، ولكن في حزمة واحدة متكاملة. ويأتي في مقدمتها راهنا تشكيل حكومة كفاءات واختيار العناصر النزيهة والمؤهلة لتأخذ مواقعها فيها ضمن خطة ومنهج متكاملين، وبسقوف زمنية محددة، على ان يشمل ذلك الهيئات المستقلة والدرجات الخاصة.
ومن الخطوات المنتظرة على هذا الصعيد تشكيل مجلس الخدمة، ليمارس دوره في اختيار شاغلي الوظيفة العامة وفق معايير النزاهة والتحصيل العلمي والخبرة والكفاءة. ومن الضروري هنا التشديد على التعامل مع جميع العراقيين من دون تمييز، وعلى اساس المواطنة وتكافؤ الفرص والمساواة.
ويبقى اساسيا مراعاة كل ذلك في اعادة هيكلة مؤسسات الدولة المختلفة، وعلى وجه الخصوص ابعاد الجيش والمؤسسات الامنية على اختلاف تشكيلاتها عن المحاصصة، وهي التي مرت بتجارب مريرة اشرت هشاشة بنائها.
وفي هذا السياق فان تشكيل احزاب وكتل سياسية و برلمانية عابرة للطوائف والعناوين الفرعية، تأخذ بالمواطنة وتتحرك وفقا لبرامج سياسية تغطي مساحة الوطن، ولا تكون محض عناوين طائفية ومذهبية وقومية ودينية، سيكون عاملا مهما في التخلي عن المحاصصة المطبقة حاليا، ويفتح الطريق نحو تشكيل ائتلافات سياسية حاكمة على وفق برامج تسهل متابعة تنفيذها، مقارنة بحكومات تقام على «توافقات» و«ترضيات» واعتبارات اخرى، فضلا عن تدخلات خارجية فاقمت المشهد السياسي وعمقت ازمته.

في 10 حزيران ٢٠١٤ اجتاحت عصابات داعش مدينة الموصل، واحتلتها دون مقاومة تذكر إثر انهيار القوات العسكرية المكلفة بحماية المحافظة والادارات الحكومية فيها وسيطرت كذلك على سنجار وتلعفر وسهل نينوى. وتمددت العصابات الارهابية لاحقا الى محافظات ومدن اخرى في صلاح الدين وكركوك وديالى والانبار.
وارتكبت تلك العصابات، الى جانب جريمة سبايكر الوحشية التي راح ضحيتها ١٧٠٠ شاب عراقي، جرائم شنيعة ضد السكان من مختلف القوميات والاديان والطوائف، يرقى بعضها الى جرائم ابادة كالتي تعرض لها الايزيديون، وخربت الحياة العامة، وطالت الجرائم الاثار والمؤسسات العلمية والمكتبات ودور العبادة، خصوصا لابناء الديانات الاخرى غير المسلمة.
وادى احتلال مناطق واسعة في هذه المحافظات الى دخول بلادنا مرحلة جديدة مختلفة، احتلت الصدارة فيها مهمة وطنية عاجلة تتمثل في وقف توسع داعش وقهره، ومباشرة معركة قد تطول لاقتلاع جذور الارهاب في وطننا.
لكن المشهد تكرر بالسقوط المفاجئ لمدينة الرمادي على يد داعش في شهر ايار ٢٠١٥، وشكل ذلك انتكاسة جديدة صادمة للقوات المسلحة العراقية ولعمليات قوات التحالف وخططها. واعاد انسحاب القوات المكلفة بحماية مدينة الرمادي والدفاع عنها من دون مقاومة تذكر، طرح التساؤلات بشأن الحالة المعنوية لهذه القوات ومدى استعدادها، وبشأن وجود تواطؤات او اختراقات وحالات فساد.
وشكلت هذه الاحداث منعطفا خطيرا في الوضع السياسي العام في البلاد، كانت له تداعياته العسكرية - الامنية، والسياسية - الاجتماعية والاقتصادية، والمعنوية - النفسية على المواطنين وعلى المجتمع بعمومه.
لم يكن ما حصل في الموصل وتداعياته بعيدا عن اوضاع البلد العامة عشية اجتياح داعش المدينة، ولا عن سوء الادارة حينذاك وسلوك الحكام ومنهجهم المفرّق والاقصائي والمتسم بهوس الهيمنة والفردية، ولا عن حالة الاستعصاء في العلاقة بين الكتل السياسة الحاكمة والمتنفذة، والمناكدات في ما بينها وحتى بين اطراف الكتلة الواحدة. كذلك العلاقة المتشنجة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الاقليم، وبين الاولى وبقية المحافظات. هذا فضلا عن التآمر الداخلي المدعوم من قوى اقليمية ودولية، وهو اساسا من طرف بقايا النظام السابق والمتضررين من التغيير سنة 2003، الذين اتخذوا موقفا معاديا للعملية السياسية، ومارسوا التخريب بكل اشكاله ضدها ولاضعاف قدرات البلاد واشاعة اجواء عدم الاستقرار. وقد تشكلت من هؤلاء وغيرهم، بفعل العوامل المشار اليها اعلاه، حواضن اجتماعية سهلت مهمة الدواعش في السيطرة على اراضً واسعة في بلدنا.
وهناك ايضا حقيقة بناء القوات المسلحة على الاسس الخاطئة ذاتها المعتمدة في الحكم وفي بناء مؤسسات الدولة عموما، وهي اسس المحاصصة وشراء الذمم والولاءات والسعي الى تكوين مراكز قوى يمكن استخدامها في المعارك السياسية، وان ذلك شكل عاملا اساسيا في الانهيارات العسكرية التي شهدتها الموصل وتكريت والرمادي والمدن الاخرى.
في آب ٢٠١٥ جاءت بعض الاجابات عن اسئلة سقوط الموصل وغيرها من المدن، التي طرحتها اللجنة البرلمانية المكلفة بالتحقيق في الامر. وقدمت اللجنة تقريرا نهائيا إلى رئاسة مجلس النواب، تضمن توجيه الاتهام الى 35 شخصية مدنية وعسكرية من المسؤولين الكبار ذوي العلاقة بالأحداث، بعد ان حملتهم مسؤولية الانهيار الأمني الذي شهدته البلاد. وأثار تقرير اللجنة ردود فعل غاضبة من كل الأطراف التي اورد أسماء منتسبين إليها او إلى كتلها، ما دفع رئيس البرلمان الى اقتراح التصويت على إرسال التقرير إلى الجهات القضائية من دون قراءته علنا. ولم تتخذ السلطة القضائية حتى الآن أي اجراء بشأن هذا الملف المهم، وفي هذا ما يشير الى الضغوط الكبيرة التي يتعرض اليها القضاء من جانب الكتل المتنفذة. وتلح الحاجة اليوم على القضاء ليشرع فورا باتخاذ كافة الاجراءات القانونية بحق من شخصتهم لجنة التحقيق البرلمانية، لينالوا جزاءهم العادل لقاء ما تسببوا فيه من استشهاد آلاف المواطنين وسبي الايزيديات وغيرهن ونزوح الملايين، ومن دمار وخراب العديد من المدن والقصبات.

دللت الانتصارات العسكرية المحرزة في الفترات الاخيرة على الامكانيات الكبيرة التي تمتلكها قواتنا المسلحة والقوى المساندة لها، اذا ما توفرت الادارة الكفوءة للمعارك، وتمت تسوية التقاطعات السياسية لصالح دعم المقاتلين في الجبهات، واذا ما تم التوظيف السليم للعوامل الضرورية لتنفيذ هذه الاستراتيجية، بما فيها الدعم الدولي وقرارات مجلس الامن ذات الصلة بالتصدي للارهاب ومحاصرته وتجفيف منابعه. واذا ما تم، قبل هذا وذاك، تأمين التنسيق الفاعل بين الاطراف التي تتصدى لداعش: القوات المسلحة، البيشمركة، المتطوعين في الحشد الشعبي، وابناء العشائر والمناطق المحتلة من طرف داعش.
وارتباطا بذلك تبقى مواصلة تطوير امكانيات القوات المسلحة مهمة راهنة، الى جانب اعادة بناء الجيش والشرطة والقوات الامنية في ضوء عقيدة وطنية تستند الى اسس المهنية والكفاءة والنزاهة، للدفاع عن الوطن والاخلاص للديمقراطية ولمصالح الشعب والوطن، وتخليصها من «الفضائيين» والفاسدين والمرتشين، ومواصلة تعزيز قدراتها تدريبا وتسليحا، وتطبيق التجنيد الالزامي وفق ضوابط جديدة. ومن المهم التشديد على حصر مهام القوات المسلحة بما جرى تحديده لها دستوريا.
وتبقى القوات المسلحة العراقية الاساس في محاربة داعش وقوى الارهاب الاخرى، وصيانة ارض الوطن، والحفاظ على الامن والاستقرار الداخليين. فهذه المسؤولية يجب ان لا ترحّل الى اية جهة اخرى. ومن هنا ضرورة مواصلة تطويرهذه القوات.

نهض المتطوعون في الحشد الشعبي، بعد نداء المرجعية العليا، بمهام كبيرة في لحظات حساسة، وقدموا التضحيات والشهداء في معارك التصدي لداعش والاسهام في تحرير المدن من قبضته. وتأتي مهام الحشد مكملة لمهام الجيش والقوات المسلحة الاخرى، ولا يفترض ان يوضع (الحشد) في تعارض معها. علما انه بحاجة الى تأطير عمله وضمان حقوق منتسبيه ، كمؤسسة مؤقتة خاضعة لامرة القائد العام للقوات المسلحة، تنتهي مهماتها مع استكمال دحر داعش الارهابي.
ان الانتصار على الارهاب وداعش يتطلب ردم كافة الثغرات التي يمكن ان يستغلها اعداء العراق وامنه واستقراره. ومن ذلك ضبط حركة الفصائل المسلحة في الحشد الشعبي وغيره، والاشراف على عملها، وعزل العناصر المسيئة والمثيرة للنعرات الطائفية، والتصدي بحزم لافعالها الخارجة عن القانون. كذلك ان يجيء عمل الفصائل في سياق الخطة العامة للدولة والحكومة، كي يصار في نهاية المطاف الى حصر السلاح بيد الدولة.
ويكتسب العمل الجدي والملموس من أجل هذه الغاية، بما يعنيه من وضع حد لظاهرة وجود جماعات مسلحة وميليشيات تعمل خارج اطار الدولة وضوابطها، والذي ينص عليه الدستور والبرنامج الحكومي، أهمية سياسية وعسكرية وامنية خاصة في ظل الأوضاع الراهنة الحرجة للبلاد. فمن الضروري اتخاذ الخطوات الرادعة لأي تمرد على سلطة الدولة وهيبتها، ولأي مسعى يستهدف اضعافها، بما في ذلك التصدي بحزم لجماعات الجريمة المنظمة وعصابات السطو المسلح واختطاف المواطنين، والتدخلات العشائرية في شأن دور ومهام مؤسسات الدولة.

في مجرى التصدي للتنظيم الارهابي جرى استنهاض الهمم وجمع صفوف القوات المسلحة وابعاد بعض القيادات عنها، وتطوع عشرات الآلاف ضمن الحشد الشعبي وتشكيلات ابناء العشائر، وبدأ تنسيق افضل مع قوات البيشمركة، فيما حظيت المعركة ضد داعش بدعم خارجي كبير، تجسد قبل كل شيء في صدور قرارات مجلس الامن لتجفيف منابع داعش بشريا وماديا، وفي قيام التحالف الدولي ضد الارهاب. وتحققت انتصارات عدة بفضل تضحيات مختلف الاطراف وبطولات منتسبيها، وتقديمها الشهداء. وقد اسهم ذلك في رفع المعنويات، وفنّد اسطورة داعش التي لا تقهر. فتم تحرير مناطق واسعة في محافظة ديالى ومدن في صلاح الدين، وفي حزام بغداد وسنجار وربيعة وفي جنوب كركوك. كذلك تم تحرير اغلب اقضية ونواحي محافظتي الانبار ونينوى، الى جانب استمرار المعارك البطولية داخل مدينة الموصل لاستكمال تحريرها من ايدي العصابات الارهابية .

تظل الانتصارات المتحققة ضد داعش غير كافية لالحاق هزيمة نهائية بالارهاب ما لم يتم اعتماد خطة متكاملة متعددة الجوانب: سياسية واقتصادية واجتماعية واعلامية وثقافية وفكرية ونفسية، تنسق جهود كافة الاطراف والجهات، وتتصدرها قيادة موحدة وفقا للدستور، توفر الاجواء السياسية الداخلية المناسبة، وتوظف عناصر الدعم والاسناد الدوليين على نحو افضل بالاستناد الى قرارات مجلس الامن، وتواصل نهج الانفتاح على دول الجوار والخارج وتحسين العلاقات معها. الى جانب النأي ببلدنا عن كل ما يضعف وحدته الوطنية وعناصر قوته، والعمل الحثيث على ان تكون المعركة ضد داعش هما وطنيا مشتركا، يحول في المستقبل دون عودة هذا الطاعون بمسمى آخر او باساليب جديدة.
ان تحديات عدة تواجه شعبنا ووطننا بعد تحرير اراضينا من داعش الارهابي ومنها: مدى قدرة الاجهزة الامنية على الحد من اعمال الخلايا الارهابية النائمة، مصير التشكيلات شبه العسكرية، مصير الاراضي المتنازع عليها وتنفيذ المادة 140، المشاريع المطروحة بشأن محافظة نينوى وتقسيمها الى عدة محافظات، خطوات بناء المصالحة المجتمعية والوطنية وبناء السلم الاهلي، التصدي لمشاريع تقسيم البلاد.
ان الانتصارات المتحققة خطوات مهمة على طريق تحرير كافة مدننا ومناطقنا من رجس الارهابيين، وتحقيق الامن والاستقرار، وتأمين عودة النازحين والمهجرين الى مدنهم وبيوتهم، والحفاظ على ارواحهم وممتلكاتهم، واعادة الاوضاع الطبيعية الى ربوع الوطن.

الى جانب مواصلة الدعم والعون لملايين النازحين والمهجرين والتخفيف من معاناتهم، واعارة اهتمام خاص لاوضاع ضحايا الارهاب، تبرز مهمة مسك الاراضي المحررة وعدم السماح لداعش بالعودة اليها، ومهمة اعادة اعمارها وتنسيق الجهد الوطني والدولي لانجاز ذلك، لا سيما توفير الخدمات الاساسية على نحو عاجل، واعادة عمل مؤسسات الحكم المحلي والدوائر الحكومية الاخرى. وقبل هذا وذاك، يتوجب تسهيل عودة النازحين الى ديارهم وتذليل كل ما يعيق ذلك، وعدم اخضاعه لاية اعتبارات طائفية او اثنية او اجندات سياسية، والحفاظ على الطابع الديموغرافي للمناطق المحررة من قبضة الارهاب.
ومن الضروري الانتباه هنا الى ما ولده داعش، في المناطق التي سيطر عليها، من حساسيات واحتقانات وكراهيات سيسعى دائما الى استغلالها. فمن الواجب تفويت الفرصة على مراميه الخبيثة، الى جانب رفض اية تجاوزات وانتهاكات لحقوق الانسان من اية جهة جاءت.
تشكل هجرة المواطنين الى الخارج في احد جوانبها احتجاجا سلبيا على سوء الاوضاع وترديها في البلاد. وطبيعي ان الحكومة ومؤسساتها معنية ايضا بمعالجة ظاهرة الهجرة عموما، سواء داخل البلد او خارجه، والتي يقرب حجمها من اربعة ملايين مواطن.

في الظروف السياسية والامنية - العسكرية الراهنة التي تمر بها بلادنا، يكتسب موضوع المصالحة الوطنية وبناء الوحدة الوطنية اهمية متزايدة. فمن شأن احراز تقدم في هذا الملف الحساس ان يوفر مستلزمات دحر داعش وكل اشكال الارهاب، واستعادة الامن والاستقرار والحياة الطبيعية، واطلاق عملية الاعمار والبناء، والسير بثبات نحو بناء مؤسسات الدولة.
وتمثل المصالحة الوطنية نمطا جديدا من التفكير السياسي الناضج والمستوعب لدروس التاريخ وخبرته، وتفاعلا مع حقائق الواقع. لهذا فلا بد من توسيع دائرة المتحاورين، والسعي الى ضم اوسع ما يمكن من القوى ذات التوجه الحقيقي لإعادة بناء العراق على أسس ديمقراطية حديثة عادلة، ومتوافقة مع مبادئ الدستور والبناء الاتحادي للدولة، وعلى وفق معايير واضحة مرنة وقادرة على استيعاب التنوع.
علما ان المصالحة لا تشمل قانونا، وفي اية حال، من تلطخت ايديهم بدماء العراقيين، ومن يتمسكون بنهج حزب البعث الصدامي، ومن لهم صلة من قريب او بعيد بالارهابيين، لكنها تشمل جميع من يؤمنون بالعملية السياسية بآفاقها الديمقراطية، وبالعمل السلمي والدستوري.

أكدت تجربة السنوات الماضية مجموعة من القضايا العقدية، التي تبرز كضرورة تفرض نفسها على الطاولة وهي:
- توفير المناخ السياسي الملائم لإنجاح المصالحة الوطنية، وضبط الخطاب السياسي، وقطع الطريق على المحرض منه والاستفزازي والمتشنج، المؤجج للعداوات القومية والفتن الطائفية، وللنزعات العنصرية والتكفيرية، والالتزام بأعلى درجات الحذر والدقة في تناول القضايا العامة، خصوصا المختلف عليها.
- المعالجة الجادة والمسؤولة لقضية التشكيلات المسلحة والميليشيات غير النظامية، وفقا لما نص عليه الدستور، وتفعيل القرارات والاوامر الصادرة في هذا الشان، واتخاذ كل الإجراءات الفعالة التي تؤدي، في النهاية، الى حصر السلاح والعمليات المسلحة بيد الدولة وأجهزتها المخولة.
- توظيف اجواء التفاهم الايجابية التي مهدت لاصدار قانون حظر حزب البعث والكيانات والاحزاب والأنشطة العنصرية والارهابية والتكفيرية، وقانون العفو العام، وتطويرها لخلق مناخ وطني معافى يعتمد لغة الحوار والمكاشفة وتشخيص مواطن الخلل.
- إعادة النظر في وضع هيئة المساءلة والعدالة بروح الانصاف والمصالحة الوطنية، مما يسهل إعادة دمج أعداد كبيرة من المواطنين الذين لم يرتكبوا جرائم ضد الشعب. وان تحال جميع القضايا ذات العلاقة الى القضاء.
- التنفيذ السليم لقانون العفو مع التشديد على استثناء من ثبت ارتكابه جرائم وفساداً، وتورط في سرقة المال العام، ومعالجة ملف السجناء والمعتقلين والهاربين في اطار القانون والدستور.
- اعادة قراءة قانون مكافحة الارهاب، وتدقيق مواده بما يساعد على خلق اجواء ايجابية للحوار والتفاهم.
- اصلاح القضاء وتفعيل دوره واحترام استقلاليته.
- انصاف اسر شهداء وضحايا النظام الدكتاتوري السابق وأسر ضحايا الإرهاب، وضحايا الحكم في سنوات 1963- 1968، وتقديم كل اشكال الدعم المعنوي والمادي لهم تقديرا للتضحيات الكبيرة التي قدموها من اجل العراق، وان يقدم ذلك حصرا لمستحقيه.
- اتخاذ اجراءات جدية من شأنها استعادة وتعزيز التلاحم الوطني، واستبعاد نشوء الشعور بالإقصاء في نفوس الـمواطنيـن غير الـمسؤوليـن عـما أقدم عليه ذووهم من خروج على الدولة والقانون. ومن هنا ضرورة الاهتمام، في اطار المصالحة الوطنية، بالاسر التي كان لافراد فيها ضلع في ممارسة الارهاب.
- منع أية إجراءات تحرم المواطنين من فرص التعيين أو الترقي الإداري، على وفق مفاهيم المحاصصة الطائفية المقيتة ولاعتبارات غير مشروعة، ورعاية المهجرين والعمل على إعادتهم الى أماكن سكنهم التي هجروا منها قسرا، وتأمين حياتهم وممتلكاتهم.
- بعد ثلاث عشرة سنة من التغيير، وهي فترة طويلة نسبيا، بات من الضروري استيعاب العناصر الوطنية من الجيش والشرطة المنحلين في اجهزة الدولة.
- ضبط الخطاب والتوجهات في علاقاتنا الخارجية، الاقليمية والدولية، لمنع التدخل الخارجي في شؤوننا الداخلية.
- ضبط ادارة المعارك مع داعش ومنع الاختراقات والممارسات المسيئة للمواطنين.
- توجيه رسائل تطمين إلى ابناء المناطق المكتوية بنار داعش، ومد الجسور نحوهم، وتشجيع روح المقاومة المتنامية في صفوفهم.
- تبديد قلق ابناء المناطق التي تتحرر من قبضة داعش ومخاوفهم من الوقوع تحت أي تهديد، أيّا كان مسماه، وضمان سلامتهم مع ممتلكاتهم وبيوتهم. وهذا يستوجب ايضا البحث، على نطاق عالمي، في اعادة اعمار هذه المناطق وتحريك العجلة الاقتصادية بزخم اكبر فيها.
- تحسين العلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة اقليم كردستان، ومع الحكومات المحلية في المحافظات.
- تهيأة الظروف والأجواء اللازمة لتفعيل المساهمة الشعبية وتعبئة الجماهير، وتحويل المصالحة الوطنية الى تيار شعبي وطني جارف.
- تفعيل دور المنظمات الجماهيرية والشعبية في تقريب وجهات نظر الاطراف المختلفة، للحد من الاحتقان الطائفي وتمتين الوحدة الوطنية وتذليل الصعاب واشراك الجميع في صنع القرارات.
- انصاف اسر منتسبي قواتنا العسكرية والامنية والحشد الشعبي والبيشمركة وابناء العشائر واسر ضحايا العمليات العسكرية، وتوفير مستلزمات الحياة الكريمة لهم.
ان تحقيق المصالحة الوطنية وترسيخ أسسها ونشر معانيها ليس مهمة الحكومة وحدها، وإنما هي مهمة أساسية ورئيسة للأحزاب والقوى السياسية جميعا، ولجماهيرها وكل مواطني بلدنا.

بات الفساد بما يعنيه من «إساءة استخدام السلطة لتحقيق مصالح ومكاسب شخصية على حساب المصلحة العامة»، وتمظهره في انحرافات واختلاسات واحتكار ورشوة وتربح وإهدار للمال العام، يشكل ظاهرة متفشية في بلادنا على صعيدي الدولة والمجتمع، وتهديدا جديا وخطيرا للبلاد واستقرارها السياسي والاجتماعي.
ويشكل تنامي التحالف غير الشرعي والخطير بين السلطة والمال، وشيوع الغنى الفاحش والمفاجئ للنخب المتنفذة، والاستيلاء على الممتلكات العامة واراضي الدولة، وغياب مبدأ تكافؤ الفرص في اشغال الوظائف والمناصب العامة، وبيع هذه الوظائف، وشيوع ظاهرة الرشى، والنهب المنظم للمال العام، وتزوير الشهادات الدراسية والوثائق الرسمية، كذلك الامتيازات المفرطة التي تتمتع بها الرئاسات الثلاث والنواب والوزراء واصحاب الدرجات الخاصة، يشكل هذا كله ابرز مظاهر الفساد وتجلياته في بلادنا.
ومما ساعد على اتساع هذه الظاهرة الخطيرة وتفشيها في مؤسسات الدولة، المدنية والعسكرية، اخفاق المنظومة الرقابية المعنية بمحاربة الفساد والحد منه ومعاقبة الفاسدين، في انجاز مهمتها في حماية المال العام وصيانة حرمته، وعجزها عن ردع المفسدين ومنعهم من التطاول عليه.
ومن مظاهر الفساد ما يخص تزوير الشهادات والوثائق والكتب الرسمية. وقد ادخلت الوزارات تدابير جديدة، تعاقب بها المواطن بدلا من المتجاوزين على الاجراءات والسياقات القانونية والادارية المتبعة. ومن هذه التدابير استصدار «كتب صحة صدور» واستخدام «المعتمد» لنقل البريد الذي يخص المواطن نفسه، بذريعة التقليل من التزوير. وبهذا تحول الامر الى نقمة على المواطن، اولا بتأخير انجاز معاملته الذي قد يمتد الى عدة اشهر، وثانيا بادخال هذه الاجراءات منظومة جديدة من الرشى والفساد المبطن، حيث تشكلت في معظم دوائر الدولة مافيات «صحة الصدور» و»المعتمدين» بالتنسيق مع اعلى المسؤولين في الدائرة المعنية. في حين ان القضاء على التزوير يتحقق بتحسين الرقابة وتقديم المزورين الى القضاء ليكونوا عبرة لغيرهم.
ويمثل سوء استخدام الاموال وسوء التخطيط للمشاريع شكلا آخر خطيرا للفساد في البلاد. وقد تراكم لدى وزارة التخطيط المئات من المشاريع المعطلة، التي تتراوح نسب التنفيذ فيها ما بين 5 الى 90 في المائة. فهي لم تنجز في مواعيدها، ومعظمها تأخر سنوات، مما سبب ويسبب خسارة وتجميدا وتآكلا وعدم استفادة من اموال هائلة، ضائعة او معلقة بين المحاكم والمصارف، والدعاوى المتبادلة بين دوائر الدولة والشركات والمقاولين.
وتعرض اللجنة المالية البرلمانية وهيئة النزاهة ارقاما ووقائع فساد مفزعة من جانب كبار المسؤولين في دولة النفوذ والتحكم بالثروة، القائمة على التحازب والمحاصصة الطائفية الاثنية. وتذكر هيئة النزاهة انها استطاعت حسمَ 13,067 إبلاغاً وإخباراً وقضيةً جزائيةً، من مجموعِ القضايا التي نظرت فيها في العامِ 2015 والبالغ عددها 18,969 قضيةً. والسؤال هنا: كيف حسمت هذه القضايا؟!
ويتجلى الفساد الاداري بشكل واضح في نسبة البطالة المتزايدة في المجتمع، خصوصا بين الشباب، وفي مظاهر التفاوت في الاجور والمخصصات، الناجم عن وجود مستويات عدة لتصنيف العاملين في مؤسسات الدولة ووزاراتها. فهناك اجهزة درجة اولى وسيادية ودرجات وظيفية خاصة واخرى متوسطة وثالثة متدنية تضم النسبة الغالبة من الموظفين.
في ضوء ذلك شكلت محاربة الفساد وفضح ومحاسبة رؤوسه، ولا تزال، مطلبا اساسيا ملحا من مطالب الحراك الجماهيري، وعنصرا رئيسا في الاصلاح والتغيير المطلوبين. وبات التصدي للفساد المالي والإداري المستشري في عموم مفاصل الدولة، أولوية لا ريب فيها، إلى جانب مواجهة الإرهاب وأعوانه، وتحرير المدن المستباحة، وفرض سيادة القانون في عموم البلد. كما بات بديهيا ان يتحسس حتى المواطن البسيط ان الإرهاب والفساد وجهان لعملة رديئة واحدة، وحليفين متلازمين في تخريب الوطن.
ان مهمة مكافحة الفساد ليست سهلة، وهي تتطلب قبل كل شيء ارادة سياسية حازمة، وعملاً متكاملا ذا أبعاد سياسية وتشريعية وقانونية وإدارية وتنظيمية، وانسجاماً بين مؤسسات الدولة وسلطاتها الثلاث. الامر الذي يتطلب إصلاح هذه المؤسسات، وتحويل مهامها الى عناصر وطنية مخلصة اثبتت نزاهتها وقدرتها على حماية نفسها من اغراءات المال والسلطة.
كما اصبح واضحا الآن ان المكافحة الجدية لا بد ان تبدأ من قمة السلطة، وان تشمل جميع المسيئين والمتلاعبين بالمال العام، بغض النظر عن مواقعهم الوظيفية ومسؤولياتهم السياسية والاجتماعية والدينية.
ولا بد من الاشارة هنا الى ان جهات رسمية ومجتمعية عدة يقع على عاتقها الاسهام في انجاز هذه المهمة الخطيرة؛ فالى جانب ادوار ديوان الرقابة المالية وهيئة النزاهة والمفتشين العموميين في الوزارات والسلطات القضائية، يتوجب منح العملية بعدا مجتمعيا من خلال استنهاض دور الرقابة الشعبية، وهو دور اساسي وفعال ينبغي ان تشارك فيه وسائل الاعلام والجمعيات والاتحادات النقابية والمهنية ومنظمات المجتمع المدني الى جانب الاحزاب السياسية. ويشكل الحق في الحصول على المعلومة ركنا اساسيا في آليات مكافحة الفساد.
ونظرا الى الترابط العضوي بين منظومات الفساد والجريمة المنظمة على الصعيدين الاقليمي والدولي، فاننا بحاجة الى التعاون وتنسيق الجهود مع الحكومات والجهات الرسمية المختلفة والجهات الدولية ذات العلاقة، لاستعادة الاموال المسروقة والمهربة.

نشأ الحراك الاجتماعي الراهن على خلفية الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية العميقة، المتجلية خصوصا في تعمق الفوارق الاجتماعية والطبقية بفعل الاستقطاب الكبير في توزيع الدخل والثروة. والحراك الحالي مؤشر واضح على رفض نظام المحاصصة الطائفية والفساد ونهج اقتسام الغنائم .

لقد كان من مظاهر ازمة النظام عجز الحكومة عن دفع رواتب عدد من المؤسسات في مواعيدها، والتلكؤ في صرف رواتب عمال وموظفي شركات التمويل الذاتي الذي جوبه باحتجاجات واسعة ، واتساع البطالة بين الشباب خاصة من الخريجين، وعدم القدرة على توفير الخدمات للمواطنين. وكان النقص في تجهيز الكهرباء في صيف 2015 ، بمثابة الشرارة التي ادت الى اندلاع التظاهرات، بدءا من محافظة البصرة. وقد جوبهت باستخدام العنف المفرط في محاولة لقمعها. لكن القبضة البوليسية لم تثن المحرومين هذه المرة ايضا عن مواصلة النضال لانتزاع حقوقهم. وكان استشهاد الشاب منتظر الحلفي في «المدَيْنة» ( تموز 2015)، نقطة انطلاق الحراك الجماهيري الكبير الذي لا يزال متواصلا، والذي أعاد الاعتبار لحركة الاحتجاج والدفاع عن الحقوق المسلوبة، واستعاد مآثر الشعب العراقي ووقفاته الباسلة ضد الاستبداد والظلم والاستغلال،.

طالب المتظاهرون بالآتي:
إصلاح النظام السياسي بسلطاته الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية، وتخليصه من المحاصصة الطائفية والعمل على إعادة بنائه على وفق مبدأ المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات.
اتخاذ الموقف الواضح ضد الفساد ، ومحاسبة الفاسدين و تقديمهم الى القضاء كي يقول كلمته فيهم، ما يتطلب إصلاح القضاء وتخليصه من التأثيرات السياسية وتعزيز استقلاليته، وذلك عبر جملة من التشريعات والإجراءات السريعة.
توفير وتحسين الخدمات التي تمس معيشة وحياة المواطنين.

كشفت مشاركة جماهير واسعة في التظاهرات، ونزول انصار التيار الصدري بكثافة إلى ميادينها، خاصة في بغداد، حاملين شعارات ومطالب قريبة مما يرفعه الحراك المدني، وبتواصل وتنسيق في ما بينهما، كشفت سلامة الوجهة التي تبناها حزبنا لجهة التشديد على سلمية التظاهر، ورفع الشعارات الوطنية العامة، ومواصلة الحراك والضغط، وتأكيد الحاجة الى الاصلاح و التغيير.
وفي خضم هذه التطورات، وتصاعد زخم الحراك الشعبي وتوسع صفوفه، جاء الحراك الطلابي الذي شمل جامعات ومحافظات عدة، رافعا العديد من المطالب الطلابية والمهنية المشروعة، وداعيا الى اصلاح العملية التربوية والتعليمية ومؤسساتها، واسناد المسؤولية فيها الى الاكفاء والمتخصصين والنزيهين. وقبل هذا وبعده برز العديد من الفعاليات والنشاطات النقابية والمهنية والقطاعية، ومنها حراك عمال وموظفي شركات التمويل الذاتي للمطالبة بصرف رواتبهم واستنهاض الصناعة الوطنية وحمايتها، كذلك اعتصامات وتظاهرات الفلاحين المطالبين بصرف مستحقاتهم عن محاصيلهم المسوقة الى الدولة، ودعم المنتج الوطني ووقف اغراق السوق العراقية.
ونرى ان الاصلاح الحقيقي، وهو المدخل لاجراء التغيير في البنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لا يمكن أن يتم من دون ممارسة ضغط شعبي متصاعد.

وضوح الهدف: طالب المتظاهرون بوضوح وجرأة بإصلاح النظام السياسي وتخليصه من المحاصصة والفساد والترهل، واعتماد الهوية الوطنية والكفاءة والنزاهة.
البعد الوطني للتظاهرات: إذ شملت محافظات العراق كافة، باستثناء الواقعة منها تحت سيطرة تنظيم ( داعش)، ورفعت العلم العراقي وحده.
الطابع الشعبي العام: اسهم فيها ناشطون من جميع فئات الشعب: عمال وفلاحون ومثقفون ونساء، فيما كان الحضور الغالب للشباب.
المحتوى الاجتماعي: المطالبة بالعدالة الاجتماعية، والضمان الاجتماعي، ومكافحة البطالة، وتضييق الهوة بين مستويات الدخل، ومعالجة سلم الرواتب.
سلمية الأسلوب: مارس المواطنون حقهم في التعبير عبر التظاهر السلمي والكفاح اللاعنفي.

- اشاعة مفهوم الدولة المدنية.
- كسر هالة القداسة المحيطة بعدد من الرموز.
- اهتزاز اسس البناء السياسي الطائفي.
- تصدع جدار المحاصصة.
- وضع مطلب الاصلاح والتغيير على جدول عمل الحياة السياسية وبنحو يصعب التراجع عنه.
- تحفيز المرجعية العليا في النجف على اتخاذ مواقف أكثر وضوحا وحزما في مطالبة الحكومة بالاستجابة للمطالب المشروعة للمتظاهرين.
- تشريع مجلس النواب قانون الأحزاب السياسية وقانون العمل.
- تفعيل الدور الرقابي لمجلس النواب في الايام الاولى لانطلاق الحراك.
- فرض استقالة وازاحة مسؤولين كبار وتغيير آخرين في العديد من المحافظات، كذلك رؤساء ادارات محلية. اضافة الى اعفاء 123 من كبار موظفي الدولة، وكان بضمنهم نواب رئيس الجمهورية ونواب رئيس الوزراء ووكلاء ومستشارون ومدراء عامون، تحوم حول عدد منهم شبهات فساد.
- الترشيق الوزاري.
- تخفيض رواتب ومخصصات اصحاب الدرجات الخاصة وتقليص حماياتهم.
- رفع مستوى وعي مئات الآلاف من المواطنين والشباب بشكل خاص، ممن شاركوا في التظاهرات وتفاعلوا معها فشكلت تجربة سياسية ميدانية لهم.
- جعل الاحتجاح والتظاهر ممارسة اعتيادية بكسر التردد والخوف إزاءها لدى المواطن الاعتيادي، وانعاش المزاج الجماهيري.
- التأسيس لوعي جديد، مدني وديمقراطي.
- انتشار فكرة العدالة الاجتماعية وتبنيها على نطاق واسع.
- تصاعد التضامن مع الشعب العراقي في الخارج دعما لمسيرة التغيير عبر الاصلاح.

من خلال متابعة متأنية للحراك نتوصل الى الاتي :
- ان الحراك الذي يتواصل ويمتلك احتياطيا جماهيريا يغذي زخمه، هو عملية مفتوحة الآفاق .
- ان الاصلاح اصبح مطلبا جماهيريا لم يعد يمكن التغاضي عنه، وهو يفرض نفسه على سلطات الدولة الثلاث.
- ان الجهود التي بذلت لاضفاء الطابع التنظيمي على الحراك الجماهيري ينبغي ان تتواصل، وانه ما زال بحاجة الى مزيد من التنظيم والتنسيق.
- ان الحراك اكد حقيقة ان النظام السياسي الحالي القائم على المحاصصة الطائفية والاثنية، عاجز عن تقديم اية انجازات جدية مقنعة، وانه غير قادر على إحداث نقلة ملموسة لتجاوز الوضع المأساوي الذي تعيشه الجماهير.
- اتساع الوعي بأهمية بناء الدولة المدنية التي تعتمد مبدأ المواطنة.
- ارتفاع مستوى الوعي لدى الشباب بأهمية مشاركتهم السياسية وفعالية دورهم، الى جانب مساهمات المرأة والمثقفين والمبدعين.
- ان تراكم الخبرات الميدانية لدى المتظاهرين والمحتجين، جعل من الاحتجاح والتظاهر ممارسة اعتيادية بالنسبة الى اعداد متزايدة من المواطنين.

ان العملية السياسية التي من الضروري تصحيح مسارها ووضعها على السكة الصحيحة، تعني المشاركة بفاعلية ونشاط، وتبني خيار التطور السلمي الدستوري لبلدنا، وصولا الى الاستجابة لارادة الجماهير الواسعة في اقامة الدولة المدنية الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
وتعني المساهمة في العملية السياسية، في ما تعنيه، دعم ما تحقق من منجزات دستورية وتطويرها، ورفض العودة بالبلاد الى سني القهر والعسف والتفرد والدكتاتورية ومصادرة الحريات وازهاق الارواح.

وامام انسداد افق حل الازمة السياسية واصرار المتنفذين على مواقفهم، اصبح التغيير ضرورة موضوعية ملحة. فهو تغيير في المنهج واساليب الاداء ونمط التفكير، يؤدي الى اختيار الاكثر آهلية وقدرة على الانجاز والتجسيد، وخلق اصطفافات وتكتلات جديدة عابرة للطوائف والعناوين الفرعية والثانوية، وتبني مشروع وطني ديمقراطي يستجيب لحاجات الوطن والمواطن، ويتصدى للتحديات التي تواجه بلدنا والمنطقة. كما يفتح الافاق نحو المصالحة الوطنية الحقة، ونحو حفظ وحدة البلاد وتجنيبها مخاطر التقسيم والاحتراب الداخلي.
وازاء ذلك فان المطلوب بالحاح من الشيوعيين والديمقراطيين وانصار الدولة المدنية الديمقراطية العصرية وسائر انصار الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، ومن تنسيقيات الحراك المدني والشعبي، العمل على جمع وتوحيد الصف، والمزيد من المبادرات والحراك في اتجاه تغيير موازين القوى لمصلحة المشروع الوطني الديمقراطي. ولن يمكن تحقيق ذلك من دون استنهاض العامل الشعبي والجماهيري ليتحول الى عامل مؤثر قادر على فرض الاصلاح والتغيير المنشودين.
ان الاصلاح الحقيقي والشامل هو المدخل لاجراء التغيير في البنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ومن غير المتوقع ان يجري ذلك بيسر وسلاسة، نظرا للتعقيدات التي تمر بها بلادنا. وقد رحب حزبنا بالاصلاحات التي اعلنها رئيس الوزراء رغم محدوديتها وكون بعضها غير مدروس بشكل جيد، منطلقا من ان التطبيق السليم لها يمكن ان يزعزع اسس المحاصصة ويفتح فضاءات جديدة ويقود الى اجراءات اكثر راديكالية. لكن وللاسف لم ير من تلك الاصلاحات النور الا جوانب محدودة، جراء التردد والتباطؤ وعدم تكوين الفريق الاصلاحي المنسجم والكفوء، وجراء الادارة غير السليمة للعملية الاصلاحية، وبسبب مواقف القوى المتنفذة والفاسدة المعرقلة والمعارضة للاصلاح.
ان حزبنا يسعى بمثابرة عبر مساهمته الفاعلة في الحراك الشعبي والجماهيري متعدد الاشكال، وعبر علاقاته مع مختلف الاوساط الاجتماعية والسياسية، الى دفع عملية الاصلاح والتغيير قدما حتى الخلاص من المحاصصة والفساد وتحقيق المصالحة الوطنية، والشروع في بناء دولة المواطنة والعدالة الاجتماعية.

هناك طيف واسع من القوى التي تدعم الاصلاح، ولها مصلحة فيه. وتمثل الاطراف والجماعات والشخصيات والمواطنون المشاركون في الحراك الشعبي، والمتعاطفون مع اهدافه، ومنها القوى المدنية والديمقراطية والحزب الشيوعي العراقي، دعامات رئيسة للاصلاح. ومن جانبها اضافت مساهمة الصدريين في التظاهرات دعما كبيرا للحركة الاحتجاجية. ولا يمكن ايضا اغفال الدعم الذي حظي به الاصلاح من المرجعية في النجف، ومن شخصيات في مختلف الكتل السياسية.
وتحتاج حركة الاصلاح الى المزيد من الجهد والعمل لبلورة شعاراتها ضمن منهج متكامل يتميز بالواقعية ونضج الاساليب وسلميتها ودستوريتها، مع مراعاة خصوصية كل الاطراف المشاركة فيها، وحقها في الاستقلال السياسي والفكري والتنظيمي.
وهناك ايضا طيف واسع من القوى المتنفذة، في مقدمتها منظومات الفساد في الدولة وخارجها، يقف بوجه عملية الاصلاح جاعلا من المسألة معركة محتدمة، سياسية بالدرجة الاولى. اما التعامل مع الاصلاح كمجرد عملية ادارية - فنية وتكنوقراطية، فيعكس نظرة قاصرة تقلل من فرص نجاحه.
ان القوى المعرقلة للاصلاح والمعارضة له تمتلك مواقع نفوذ قوية في السلطة وفي القوات المسلحة والجماعات المسلحة ايضا، ولديها فضائيات وقدرات ومصالح ومؤسسات مالية ضخمة. وهناك بين هؤلاء من يوافق على الاصلاح لسانا ويعارضه فعلا، اضافة الى عناصر الجهاز البيروقراطي غير الكفوءة والمتورطة في الفساد والتي تخشى الاصلاح. وهناك ايضا قوى همها الاول والاخير هو اقتسام الحصص والمغانم واعادة اقتسامها، بما يديم مواقعها ويؤمن لها المزيد.
ان القوى التي ناصبت العملية السياسية العداء منذ انطلاقها، تقف بالضد من اية خطوات اصلاحية. وفي مقدمة هذه القوى تأتي قوى الارهاب وداعش، وبقايا النظام المقبور، وذوو الاجندات الشوفينية والعنصرية والطائفية.
على ان هناك في الخارج دولا تدخلت وما زالت في الشأن العراقي، وهي ترى مصلحتها في بقاء العراق ضعيفا وغير مستقر، ولا يقوى ابناؤه على اخذ زمام امورهم بأيديهم. فيما هناك اوساط امريكية مهووسة ببقاء العراق مقسما داخليا، وهي تحرض على صيانة المحاصصة، الوصفة الاثيرة عند هؤلاء الداعين الى الفوضى الخلاقة.

فيما كانت الجماهير المحتشدة امام المنطقة الخضراء وفي ساحة التحرير تنتظر حسم أمر التشكيلة الوزارية، تفاجأت بتأجيل انعقاد مجلس النواب.
ورفع هذا من وتيرة استياء المحتشدين وغضبهم، ودفعهم الى دخول المنطقة الخضراء ومجلس النواب، وهو ما لم يكن المخلصون يتمنون حدوثه، بل ولم يكن ليحصل لو جرى الاستماع الى اصوات المتظاهرين، ولو توفرت الرغبة الصادقة في التجاوب مع ارادة الشعب المطالب بالاصلاح الحقيقي.
واعرب حزبنا في تصريحين للمكتب السياسي ( 1 و2 ايار 2016) عن الاسف والاستنكار لما رافق عملية الدخول من بعض الخروق والاعتداءات على بعض النواب والموظفين، والتجاوز على الممتلكات العامة، من جانب عناصر غير مسؤولة وغير منضبطة، لا يستبعد ان يكون بينها بعض المندسين. لكن الحزب لم يرَ في هذه التجاوزات المحدودة والمرفوضة مبررا للتهويل وتغييب اصل المشكلة، ولا لادانة القوات الامنية وموقفها المسؤول ازاء المتظاهرين والمعتصمين وحفاظها على سلامة الجميع. كما رفض استعمال القوة ضد الجماهير المحتجة واللجوء الى اساليب الردع غير المقبولة والمدانة، والتي يمكن ان تنجم عنها مضاعفات خطيرة وخسارة ارواح غالية. وهذا ما دفعه الى التشديد على ابتعاد كل الاطراف عن التفكير في استخدام الاساليب العنفية، والحفاظ على الطابع السلمي والدستوري للتعبيرعن الحقوق، وصيانة الممتلكات العامة والخاصة.
وادان الحزب لجوء السلطات الحكومية والاجهزة الامنية الى استخدام الرصاص الحي والمطاطي وغيرهما ضد المتظاهرين السلميين( يومي 20 و27 ايار 2016)، والذي ادى الى وقوع شهداء ومصابين، في بادرة تؤشر ضيق السلطات بالتظاهرات، وسعيها مع القوى المتنفذة الى تحجيمها ووأدها، ان هي استطاعت. وطالب حزبنا بتشكيل لجنة محايدة للوقوف على هذا التطور الخطر والمنافي للدستور وحقوق الانسان، ومحاسبة المسؤولين عنه وتقديمهم الى القضاء وتعويض الضحايا والشهداء، والعمل على عدم تكرار ذلك.
كذلك دعا الحزب الى تشكيل حكومة كاملة على قاعدة الكفاءة والنزاهة والمهنية، وبعيدا عن التحاصص وتقاسم المناصب، ليكون ذلك خطوة اولى في مشروع الاصلاح الشامل، الذي يتوجب ان يشمل ايضا الهيئات المستقلة والدرجات الخاصة.
كما شدد الحزب على استمرار الضغط الجماهيري السلمي حتى تتم الاستجابة الكاملة للمطالب المشروعة المتمثلة في الاصلاح السياسي والاداري والقضائي، والخلاص من المحاصصة، ومكافحة الفساد وفتح ملفاته، وتوفير الخدمات العامة، وتخفيف اعباء الازمة الاقتصادية والمالية عن كاهل الكادحين وذوي الدخل المحدود.

وجراء استمرار حالة الاستعصاء راح البعض يروج لفكرة حكومة الاغلبية من دون وضوح كاف بشأن آلية تشكيلها وبرنامجها واهدافها. فالدستور يشير الى اسناد مسؤولية تشكيل الحكومة الى الكتلة التي تشكل اغلبية في البرلمان، ولكن اية اغلبية؟ هل هي اغلبية سياسية ذات برنامج واضح ومحدد؟ ام هي اغلبية عددية لمنتسبي كتل طائفية واثنية ؟ هنا يكمن مأزق هذه الدعوات واصحابها المتشبثين بالمحاصصة لادامة حكمهم، فيما هم يلعنونها لفظا ليل نهار.
لا ريب ان تشكيل حكومة اغلبية هو ممارسة سياسية سليمة، ستكون موضع ترحيب اذا ما قامت على اسس وبرامج سياسية وقوائم عابرة للطوائف. وستكون خطوة جادة نحو الخلاص من المحاصصة ولبدء ممارسة تجسد نمط تفكير جديد في ادارة البلاد، بعيدا عن الانانية والتفرد ونهج التحزب الضيق، وتتيح الانطلاق الى فضاء احترام الآخر وتوسيع المشاركة في رسم السياسة العامة واتخاذ القرار، وصيانة حقوق الاقلية السياسية المعارضة واحترام ارادتها ومواقفها وحقها في التعبير عنها، والاقرار الفعلي بالتداول السلمي للسلطة عبر اغلبية سياسية واضحة ومعروفة البرامج والتوجهات.
من جانب آخر دأب العديد من القوى المتنفذة على الترويج لفكرة «التوازن» و»شراكة المكونات» والادعاء ان هناك فرقا بين المحاصصة الحزبية والسياسية، وبين تمثيل المكون. وهذا توجه ضار آخر.، حيث ان ما يقول به المتنفذون لا ينسجم مع مفهوم «التوازن « الوارد في المادة التاسعة من الدستور.
لكن المتنفذين يفسرون التوازن على انه حق لكتلهم واحزابها الرئيسة في تقاسم السلطة بمؤسساتها المتعددة، وبضمنها الهيئات المستقلة والدرجات الخاصة، وجعلها حكرا على اعضائها ومن يواليها. في حين تؤكد المادة الدستورية على مراعاة التوازن «دون تمييز او اقصاء». كذلك تتعارض هذه الممارسة مع الديمقراطية وروح الدستور التي تشدد على المساواة بين العراقيين دون تمييز، وعلى كون تكافؤ الفرص حقا مكفولا لجميع العراقيين.
ان مفردة «التوازن» لا يمكن ان تخفي المرامي الحقيقية للكتل الحاكمة، وهي انها نصبت نفسها وكيلا عن مكون معين بدون تفويض، وهي في ممارستها هذه لا تمثل الا مصالحها واحزابها وتختزل ذلك في مجموعة من المريدين والمقربين.
ان اعتماد هذه الصيغة يذهب بالضد من مقتضيات بناء دولة المؤسسات، التي تتطلب اسناد الوظيفة العامة على وفق معايير مختلفة تماما.
واذا كان حصل تمييز او اقصاء وتهميش، فان العلاج لا يكمن في تكريس ما هو خاطئ وسيئ، وما اثبت فشله في ادارة شؤون البلد وقاده من سىء الى اسوأ.
ان الحديث عن «المكونات وتوازنها»، هو محاولة مكشوفة للتمويه على المحاصصة. فأن تؤخذ المكونات بعين الاعتبار وتعامل بالمساواة على اساس المواطنة شيء، وان تعطى حصة لكل حزب او كتلة سياسية ليتحكم هو بها، شيء آخر مختلف. انه المحاصصة الطائفية والاثنية بعينها.
كذلك تعرض مفهوم «التوافق» الى التحوير، وجرى الالتفاف على المعنى الحقيقي الذي قصده الدستور. فالتوافق المقصود هو الذي يتجسد في البرنامج السياسي والحكومي المتفق عليه من قبل الاطراف المشاركة في الحكومة. الا انه اختزل في حكومة المحاصصة الى آلية الاجماع في اتخاذ القرار. ومعروف ما جره ذلك من تعطيل في اتخاذ القرار الحكومي، لا سيما مع تفاقم الخلافات بين المتشاركين في السلطة.
ويرى البعض من القوى، بما فيها بعض القوى المدنية، ان تشكيل حكومة تكنوقراط بعيدة عن المحاصصة وعن الاحزاب والكتل السياسية، هو العلاج لحالة البلد المستعصية. لكن هناك الكثير من الملاحظات على مدى واقعية وعملية هذا الطرح.. وليس من الصحيح وضع مفهوم التكنوقراط في تناقض مع ضرورة توفر التوجهات السياسية الديمقراطية السليمة. كما ان اختيار التكنوقراط غير الحزبي لاشغال موقع وزاري ليس ضمانة لان يكون نزيها وغير فاسد، وفي المقابل يمكن ان تتوفر في الحزبي معايير الكفاءة والنزاهة معا. لذلك فان التمييز بين الاحزاب النزيهة والفاسدة، يكتسب اهمية فائقة.
ان الاحزاب والمنظمات كيانات سياسية فاعلة في المجتمع. وهل يمكن الحديث عن الديمقراطية من دون الاحزاب، ومن دون حرية العمل السياسي، والتنظيم؟ فلا بد من السعي الى تخليص الديمقراطية والحرية والحياة الحزبية من الشوائب التي علقت بها، وبالذات من الطائفية السياسية والتعصب والتخلف والاحتكار، وليس التخلص من الديمقراطية والحرية. وان الترشح لمناصب الدولة حق لجميع العراقيين وبضمنهم الحزبيون، من دون تمييز على اساس العرق او الدين او الطائفة. انه حق لكل من تتوفر فيه الشروط المعتمدة.

وفي سياق البحث عن مخارج لحالة الاستعصاء الراهنة تُطرح خيارات عدة، منها تلك التي تريد ادارة عقارب الساعة الى الوراء والغاء كل شيء والعودة الى نقطة الصفر، او التي تريد ان تتمسك بالوضع الراهن وبمنهج المحاصصة، وتسعى الى وأد حركة الاصلاح او احتوائها في احسن الاحوال وحصرها في اجراءات ترقيعية. وهناك ايضا الخيارات الاسوأ التي تريد قطع طريق التطور الديمقراطي السلمي اصلا، والقفز على تداول السلطة دستوريا والعودة بالبلاد الى عهود الانقلابات والبيان الاول، وبما يلغي أي مظهر من مظاهر الديمقراطية والحرية.
في حين يدعو حزبنا الى تشكيل حكومة كفاءات كاملة، والى ان يكون تشكيلها نقطة الشروع في مشروع الاصلاح الشامل، الذي ينبغي ان يمتد ليشمل الهيئات المستقلة والدرجات الخاصة في مؤسسات الدولة، بجانب اعادة النظر في هياكلها وكفاءة طواقمها، اعتمادا على ذات الاسس التي يتم اختيار الوزراء في ضوئها. وان تفعّل كل مؤسسات الدولة وهيئاتها، وفي مقدمتها مؤسسات القضاء والنزاهة وديوان الرقابة المالية، مع تخليصها من العناصر الفاسدة والمرتشية، كما ينشط ويفعل دور السلطة التشريعية في انجاز كل ما يعزز قيم الاصلاح، عبر الانتهاء من تشريع القوانين المتأخرة والمعطلة ذات الصلة.
ان اوضاع البلد المعقدة والمحفوفة بالمخاطر تطرح ضرورة التغيير الذي لم يعد خيارا او فكرة، انما يفرضه مآل الاوضاع وما انتهت اليه من تدهور، يضع مصير البلد على كف عفريت.
ان التغيير المطلوب يستوجب مواصلة الضغط الجماهيري السلمي، المنضبط والمنظم، وتوسيع صفوفه وضم طاقات وامكانات جديدة اليه، بما فيها التعامل مع شرائح شعبية جديدة من قواعد الكتل المتنفذة ذاتها، لها مصلحة موضوعية في تحقيق الاصلاح. ذلك ان التنعم بخيرات نهج المحاصصة محصور بفئات وعناصر محدودة، ومن هنا القول ان التغيير والاصلاح ينسجمان مع مصلحة الغالبية الساحقة المتضررة من ابناء الشعب، والتي تعاني سوء الاوضاع السياسية والامنية والاقتصادية والخدمية.
ومن المؤكد ان التغيير المطلوب لن يتحقق إلا ببناء بديل يكسر محاولات احتكار السلطة، المستندة الى الهويات الفرعية، ومحاولات إعادة إنتاجها، ويؤسس لوعي اجتماعي جديد. وان تحقيق هذا البديل يحتاج الى أفق أوسع والى قوى جديدة وتحالفات تكون قادرة على احداث تغيير حقيقي في تناسبات القوى الفعلية، وليس اعادة إنتاج النظام الراهن، المحاصصي - الطوائفي/الاثني، الذي اصبح عائقا امام بناء دولة المواطنة، المدنية الديمقراطية العصرية. وليس في العراق من بديل أفضل من البديل المدني الوطني الديمقراطي، فهو وحده القادر على إعادة بناء الاقتصاد والمجتمع والدولة على اسس جديدة، لتكون دولة مواطنين احرار وليس رعايا. وليس هناك بديل عن التسييس المنفلت للهويات الفرعية، الا الدولة المدنية والعراق الديمقراطي الحر والسيد لنفسه. وتحتاج البلاد اليوم ايضا الى توجه ثقافي يشكل نفيا لثقافة الاستبداد والنزعات الماضوية المناهضة للحداثة والتنوير ورفض الآخر وعدم احترام التنوع، ثقافة يكون عمادها تعاقداً وتعايشاً يتسعان للتنوع والخصوصيات. وإذا كان تشكل ثقافة سياسية كهذه في عراق اليوم أمراً صعبا أو غير مؤكد، فإنه يظل رهاناً حقيقياً للمستقبل، ولا بد من مواصلة العمل على تحقيقه رغم كل الصعوبات ومناورات النظام المحاصصي.

الدولة المدنية الديمقراطية كما نراها تقوم اساسا على مبدأ المواطنة في بنائها وعلى وفق معايير موحدة في اسناد الوظيفة العامة في مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية. وهي تتعامل مع مواطنيها على قدر واحد من المساواة في الحقوق والواجبات امام القانون، وبدون تمييز بسبب الجنس او العرق او القومية او الاصل او اللون او الدين او المذهب او المعتقد او الرأي او الوضع الاقتصادي والاجتماعي. كما انها تؤمّن لمواطنيها تكافؤ الفرص والمشاركة.
ومن خصائصها انها تتأسس على ثقافة مدنية ونظام مدني للعلاقات، يقوم على قيم السلام والتسامح والقبول بالآخر. وهي دولة يضبط عملها دستور وقوانين يشرعها مجلس منتخب على وفق قوانين وآليات انتخابية عادلة، ويتم فيها تداول السلطة سلميا، وتضمن حقوق الانسان على وفق ما جاء في لائحة حقوق الانسان العالمية.
وفي الدولة المدنية الديمقراطية يتم الفصل بين السلطات الثلاث على نحو بيّن وواضح، كذلك فصل المؤسسات الدينية والعشائرية عن المؤسسات السياسية. وفيها تكون المؤسسة العسكرية خاضعة الى الادارة المدنية المنتخبة ديمقراطيا، ويحصر السلاح بيد الدولة.
وفيها ايضا تتجسد تجليات الممارسة الديمقراطية، ومنها الانتخابات الحرة العادلة والنزيهة، وضمان ارادة المواطنين المعبر عنها ديمقراطيا، والتداول السلمي للسلطة، وضمان الحريات العامة والخاصة، والحق في تأسيس الأحزاب والنقابات والاتحادات والجمعيات ومنظمات المجتمع المدني، وحرية العقيدة والفكر والرأي، والحق في التعبير عنها، وضمان ذلك في مؤسسات وقوانين، وتحقيق وحماية الحقوق القومية والسياسية والثقافية لجميع اطياف الشعب العراقي.
ولاجل ضمان اداء الدولة المدنية الديمقراطية مهامها، يتوجب ان تكون دولة مؤسسات وقانون حقا، وان يضمن فيها بشكل اساس حق المواطن في الحياة والامن والحرية. ولا تكتمل الصورة الا بان تضمن الدولة الحياة الكريمة لمواطنيها، وتوفر لهم الضمان الاجتماعي الشامل، وتحقق قدرا معقولا من العدالة الاجتماعية. ما يعني بناء الدولة المدنية الديمقراطية على قاعدة اجتماعية راسخة. وهذا يستلزم تأكيد الترابط بين الديمقراطية السياسية والديمقراطية الاجتماعية، وعدم الاخلال بالعلاقة لمصلحة احداهما.
ان الطريق الى دولة المواطنة والديمقراطية الحقة يتحقق عبر نضال متواصل ومتراكم، وتحالفات واصطفافات وطنية عابرة للطوائف، تسعى الى تحقيق المصالحة الوطنية والمجتمعية، وترسيخ الوحدة الوطنية، وعدم توظيف الدين لاغراض سياسية، كما تدين كل اشكال التعصب، وترفض الترويج للعنصرية والشوفينية والانغلاق والانكفاء على العناوين الفرعية بديلا عن المواطنة المبرأة من التخندق والتقوقع والطائفية.
وكلما جرى إحراز تقدم في بناء الاحزاب والتنظيمات والكتل السياسية بعيدا عن الطائفية والاثنية والمناطقية، وبالانطلاق من الفضاء الوطني، وتأسيسها على اساس برامج سياسية تمثل مصالح طبقات وشرائح وفئات اجتماعية، امكن تحقيق بناء راسخ للديمقراطية، نهجا وممارسة.

كان الحزب الشيوعي العراقي ولا يزال وسيبقى مؤمناً بحق تقرير المصير للشعب الكردي ولكل الشعوب، صغيرها وكبيرها. وقد سعى في كل الظروف الى تجسيد هذا الشعار العام في تجليات خاصة، تنسجم مع الواقع السياسي القائم وظروف المجتمع وما يحيط بهما من تطورات وتفاعلات خارجية، وما يرتبط بهذا وذاك من توازنات قوى على الارض العراقية. لذلك نرى ان الحزب، وهو يحرص على احترام ارادة الشعب الكردي وطموحه المشروع، قام بصياغة مواقف وشعارات محددة تعكس ضرورة تطمين الحقوق القومية المشروعة للشعب الكردي في الحكم الذاتي، ثم في الحكم الذاتي الحقيقي وصولاً الى الفيدرالية لاقليم كردستان، التي ثبتتها قوى المعارضة العراقية في برامجها ومواثيقها قبل التغيير وسقوط الدكتاتورية، ثم ارسيت بعد التغيير في قانون ادارة الدولة اولا وفي الدستور الدائم الذي اقر لاحقا في عام 2005.
ويرى حزبنا في الفيدرالية الحل المناسب والديمقراطي للقضية القومية الكردية في ظروف العراق الملموسة الراهنة. والفيدرالية هي منظومة ادارية جديدة، وعلاقة بين قوميتين رئيستين وقوميات اخرى، لم يعرفها العراق في السابق. وبالتالي فان ممارستها على الوجه الامثل وبناء مؤسساتها وتحديد آليات علاقة السلطة الاتحادية بالفيدرالية، بما يعنيه ذلك من صلاحيات وحقوق وواجبات، تنطوي على الكثير من الجديد واحتمالات التباين في الادارة والاقتصاد، وفي التفسير وطرائق العمل والمصالح، وحتى حدود الاقليم التي نصت عليها المادة 140.
ويرى حزبنا ان التجربة بتعقدها وحداثتها وبما تواجهه من تحديات خارجية وداخلية، في حاجة الى حوار مستمر بناء لتسوية المشاكل والخلافات التي تنشأ، ولاتقاء تأثيرات العناصر الشوفينية والعنصرية ومواقف الانعزال القومي وتخريبات القوى الخارجية، التي لا تسرها رؤية العراق مستقراً آمناً ديمقراطياً موحداً، على اساس من احترام التعددية والتنوع. فذلك أمر يضيرها لاعتبارات مختلفة. لكن رغبة الحزب هذه ومسعاه، ودعوته القوى الديمقراطية والمدنية والوطنية لتعزيز الحوار وتأمين الحل السلمي الديمقراطي للاشكاليات، اصطدم للاسف ويصطدم بمن استمرؤوا تغليب مصالحهم الخاصة التي افرزها نظام المحاصصة سيئ الصيت.
لقد ازداد المشهد تعقيدا، وبدلا من الحوارات الهادئة وترسيخ المفاهيم الديمقراطية واحترام ارادة الشعب، ساد التوتر والجفاء والتشنج في العلاقات، وانقطعت اواصر التواصل المنتظم لدراسة المشاكل التي تراكمت ولحل المعضلات التي نشأت. وقد ألحق كل ذلك ضرراً باستقرار البلد ووحدة القوى وجهودها، ووصلت الامور الى حد ايقاف صرف الرواتب، وعدم تنفيذ الاتفاقيات، وغير ذلك من الاجراءات المؤذية التي يتحمل مسؤوليتها الطرفان ولا تساعد على تسوية المشاكل بما يخدم البلد وتطوره. وزاد الطين بلة ما حصل مؤخراً من تمكن داعش وتزايد خطره على المواطنين في كل مكان، وما ارتبط بذلك من موجات نزوح مليونية، تحمل الاقليم ثقلها الاساس. وترافق كل ذلك مع انخفاض موارد الدولة بعد هبوط اسعار النفط واجراءات التقشف.
ان الظروف الحالية بمجملها تستدعي من الجميع وخصوصاً من الحكومة الاتحادية وحكومة الاقليم، نهجاً جديداً في العلاقة ينطلق من اولوية تركيز الجهد وتنسيقه لمحاربة الارهاب ودحر داعش. كما تتطلب تفعيل اواصر الصلة والحوار ليس فقط في اطار التنسيق والتعاون العسكريين والنفطيين، وتخليصهما من التعثر والانتكاسات المستمرة، وانما ايضا فتح الباب واسعاً للمساهمة في عملية الاصلاح واعادة بناء المنظومة السياسية العراقية، بما يرسخ الديمقراطية ومؤسساتها وقيمها، التي هي مستلزم اساس لتنظيم العلاقات القوية لمصلحة الشعبين العربي والكردي.
ان اي تفكير في اعتماد صيغ لتحقيق حقوق الشعب الكردي القومية بعيداً عن اقامة وضع ديمقراطي سليم في عموم العراق، سيضع القضية في متاهات لا يمكن التكهن بنتائجها. لذلك فان الاولوية في الوقت الراهن، حسب رأي حزبنا، تكمن في التركيز على محاربة الارهاب وبناء الديمقراطية ومؤسساتها، وتنشيط الحوار، فذلك هو الطريق الصحيح لتعزيز تجربة الفيدرالية، بما ينسجم مع مصالح الشعب الكردي وعموم اطياف الشعب العراقي.
ويبقى تطوير الصيغة الحالية للفيدرالية التي يتمتع بها الاقليم مرهونا بجملة معطيات داخلية وخارجية، لا يجوز القفز عليها في سياق ترتيب الاولويات التي تنهض امام شعب الاقليم والعراق ككل.

تتصاعد بين فترة واخرى الدعوات الى تشكيل الاقاليم، و«التهديدات» بالتوجه اليها، وهي عموما ترتبط بحالة عدم التنسيق وغياب التفاهم بين الحكومة الاتحادية والحكومات المحلية، والاختلاف على الصلاحيات، ونزوع المحافظات وإداراتها المحلية الى الحصول على المزيد منها مقابل التخفيف من المركزية المفرطة. في حين يلاحظ شعور بالغبن لدى المحافظات بسبب عدم التطبيق الكامل لقانون المحافظات رقم (21) من قبل السلطة الاتحادية، سواء على صعيد نقل الصلاحيات إلى السلطات المحلية، أو الايفاء بالتعهدات المترتبة عليها، خصوصا تسليم مبالغ «البترودولار» الى المحافظات المنتجة للنفط والغاز. وتم ربط تلك الدعوات بتوجه جدي لمحاربة الفساد المستشري.
وتزامنت هذه الدعوات مع الظروف الخطرة التي يعيشها الشعب والوطن اليوم، وتمر بها حربهما ضد الإرهاب وتنظيم داعش ومناصريه، وفي ظل صعوبات مالية تراكمت نتيجة سوء إدارة البلد، وغياب السياسة الاقتصادية - المالية المتكاملة الهادفة إلى تحقيق النمو والتنمية، وتنويع موارد الدولة التي تناقصت نتيجة انخفاض أسعار النفط عالميا وعمليات سرقة المال العام، وانعكاس ذلك على تمويل الموازنة والإيفاء بالتزامات السلطة الاتحادية إزاء المحافظات.
ولاشك انه جرى في الماضي ولا يزال يجري، وإن بدرجة أقل، غمط لدور المحافظات واتباع سياسة مفرطة في مركزيتها بذرائع عدة منها عدم الأهلية وقلة الكادر المؤهل، إضافة إلى سياسة التهميش والإقصاء والتجاهل، والتنكر للمطالب الدستورية المشروعة وعدم الاستجابة لها في وقتها، ما ولّد شعورا بالإحباط واليأس، وادى الى التباطؤ في تنفيذ العديد من المستحقات الملحة السياسية - الإدارية وتطبيقها السليم، وتعزيز التوجه نحو اللامركزية.
هذه وغيرها من الممارسات التي تنطلق من القول بالحاجة إلى «دولة مركزية قوية»، دفعت العديدين إلى الاعتقاد بعدم القدرة على تأمين مصالح المحافظات وتحقيق مطالبها العادلة. ولا يمكن بالطبع نسيان الرغبات الشخصية والصراع والتنافس بين الكتل السياسية المتنفذة في المحافظات، ورغبة بعضها في الهيمنة والتسلط والتفرد وتحقيق المزيد من المغانم والمكاسب.
ولا بد من التأكيد ان تشكيل الأقاليم هو حق دستوري، وان للعراقيين حق تقرير شكل الأقاليم التي يتم تشكيلها وفقا للدستور، وبموجب الآليات القانونية المنظمة لهذه العملية.
والحزب الشيوعي العراقي يؤيد من حيث المبدأ حق تشكيل الأقاليم ضمن الدولة العراقية الاتحادية الديمقراطية الموحدة، لأن ذلك ينسجم مع ما اقره الدستور، وهو يتجاوب ايضا مع التوجه نحو المزيد من تطبيق الديمقراطية الإدارية ومنح صلاحيات اوسع للمحافظات والتخفيف من المركزية الشديدة. كما ينسجم مع بناء الدولة على أساس طوعي ووفقا لإرادة الشعب وخياراته الحرة. فالتوجه نحو إعادة توزيع السلطات والصلاحيات في اتجاه اللامركزية، والذي يوسع المشاركة ويعزز أجواء الثقة والطمأنينة والشعور بالمساواة وعدم التمييز، من شأنه تجنب القنابل الموقوتة في العلاقة بين أبناء البلد الواحد على اختلاف أطيافهم.
وفي هذا السياق يتفهم حزبنا دوافع المطالبة بالحماية الدولية لمناطق معينة في بلادنا املا في توفير الامان والاستقرار فيها وحماية ابناء المكونات الاثنية- الدينية من سكانها. لكننا لا نرى فيها حلولا جذرية لمعاناة ابناء شعبنا في هذه المناطق، فالحل الصحيح والضامن الداخلي الوطني يكمن في عدم التفريط بسيادة واستقلال العراق، وتشديد العمل والنضال من اجل بناء الدولة المدنية الديمقراطية، دولة المؤسسات والقانون والمواطنة، الدولة التي تضمن حقوق العراقيين جميعا من دون تمييز تحت اية ذريعة اوعنوان.
والى جانب ذلك دعا حزبنا ويدعو الى اقرار الحقوق القومية والادارية والثقافية للتركمان والكلدان السريان الاشوريين والارمن وتطويرها وتوسيعها بما يحقق التمتع بالادارة الذاتية للقرى والبلدات التي يشكلون فيها الاغلبية في انحاء العراق، وصولا الى صيغة حكم ذاتي ملائمة عندما تتوفر الظروف والمستلزمات الموضوعية لذلك.
لكن الحزب شدد على ضرورة التأكد من الحاجة الفعلية والواقعية غير المفتعلة عند تكوين الاقاليم الجديدة، والبعيدة عن أي ظرف آني طارئ، وان يأتي ذلك تجسيدا طبيعيا لإرادة أهل الإقليم الحرة وتعبيرا عن طموحاتهم، بعيدا عن الطائفية وعن الفرض والإكراه، ووفقا للسياقات الدستورية ذات العلاقة. كذلك أن يأتي في أجواء بناءة من التوافق الوطني العام في المناطق المعنية، والمصالحة الوطنية الحقيقية، وإعادة الأمن والاستقرار.
ان تشكيل الإقاليم على هذا النحو، في إطار العراق الديمقراطي الموحد، سيكون عامل استقرار وطمأنينة، وتمتين للوحدة الوطنية المبنية على الإرادة الحرة والاتحاد الطوعي.
وان ما يثار في هذا الشأن، يؤكد الحاجة إلى السير بخطوات ثابتة، وضمن الاستحقاقات الدستورية، في عملية بناء الدولة الاتحادية واستكمال مؤسساتها وتشريع القوانين ذات العلاقة وحل القضايا الاخرى ذات الصلة، وبضمنها تنظيم العلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان، كذلك توزيع الصلاحيات بين المركز والمحافظات، والعمل على دعم المحافظات وتمكينها من ممارسة صلاحياتها.
ان اللامركزية وصيغتها المتقدمة: الاقاليم في عراق اتحادي (فدرالي) كتجسيد للديمقراطية على الصعيد الاداري، هي عملية تطور تصاعدية تتراكم معطياتها الضرورية لترسيخ المؤسسات وتطبيق القانون، وهي ترتبط بتوفر الاجواء الطبيعية البناءة والمقدمات الضرورية لتطوير صيغة الادارة الى مستوى ارقى وفقا للدستور وأحكامه.
ان استمرار الصراع غير المبدئي بين القوى والكتل السياسية، والعراك على المناصب والنفوذ، وتواصل التخندق والشحن الطائفي والقومي، وانعدام الاستقرار والأمان، واستمرار نشاطات مليشياوية غير منضبطة وضعف الدولة ومؤسساتها وأجهزتها، ونزعات الاحتكار والتهميش والاقصاء، والتضييق على الحريات، وضعف الحماس للشراكة الوطنية الحقيقية ولاشراك الآخرين في السلطة والقرار.. ان هذا كله، وغيره، يشجع التقوقع والانعزال، ويغذي الميول الانفصالية. كما انه يغري مختلف الاطراف الخارجية على مواصلة التدخل في الشأن العراقي، وعلى السعي إلى توجيه اموره وفقا لما تريد هي، وليس ما يريد أبناؤه لمستقبل بلدهم.
وعلى العكس من هذا تماما، فان أجواء الديمقراطية والحريات، والمصالحة الوطنية الحقيقية، والبناء السليم للدولة ومؤسساتها، ومد جسور الحوار والتفاهم، وتوزيع الصلاحيات، والتخلص من المحاصصة وأزماتها، وخوض معركة دحر داعش بمقاسات وطنية، والتعامل السليم مع المواطنين بعيدا عن التمييز والتفرقة لأي اعتبار كان، وتحقيق العدالة والمساواة، ان هذا كله سيقود إلى بناء الدولة المرتجاة، المدنية الديمقراطية الاتحادية، المعول عليها في بناء وطن يتسع للجميع، ويكون فيه العراقيون متساوين أمام القانون.
ومن جانب آخر نرى ان نقل الصلاحيات الى الحكومات المحلية حسب القانون 21 لسنة 2008 المعدل، هو التزام دستوري وسياسي، ويعتبر ركيزة لاستكمال وتوطيد البناء الديمقراطي للدولة. وان من شان تنفيذه الارتقاء بمستويات الاداء الاقتصادي، ومعالجة العديد من التوترات والاحتقانات والشعور بالتهميش وغياب العدالة. كما ان تنفيذه يمكن ان يقدم مساهمة كبيرة في تحسين الوضع الامني، وتمكين المحافظات من انشاء تشكيلات امنية محلية بالتنسيق مع الحكومة الاتحادية، تحظى بثقة الاهالي. ومن الطبيعي ان يقترن ذلك بجهد تدريبي وتأهيلي للمؤسسات والادارات المحلية.
الاوضاع في الاقليم والعلاقة مع الحكومة الاتحادية
يعاني الاقليم اوضاعا صعبة وتعقيدات ومشاكل سياسية واقتصادية. وهذا ليس بعيدا عن الوضع العام المتردي في العراق ككل، وما يواجهه من تحديات سياسية واقتصادية وامنية، وحالة استعصاء، الى جانب التدخلات الخارجية في شؤون الاقليم.
ان عوامل عدة متداخلة تشكل صورة الوضع القائم اليوم في الاقليم، وهي تتمثل في التوترات السياسية والعلاقات المحتقنة بين الاحزاب والقوى السياسية فيه، خصوصا بين الاحزاب الخمسة الحاكمة. وقد ترك هذا اثره في عمل المؤسسات في الاقليم، وعطل عمل البرلمان، فيما الكابينة الوزارية لا تعمل بكافة طاقمها بسبب استمرار الصراع، وعلى وجه الخصوص بين الحزب الديمقراطي الكردستاني وحركة التغيير. وهناك ايضا الخلافات على دستور الاقليم، والتقاطعات الحادة بشأن رئاسة الاقليم، وما اثارته الاتفاقية الاخيرة بين الاتحاد الوطني الكردستاني وحركة التغيير من ردود فعل لدى الحزب الديمقراطي الكردستاني، وما يمكن ان تسببه من تداعيات واصطفافات جديدة في الاقليم، ورفع وتيرة التوتر الداخلي فيه.
لقد تركت الخلافات بين الحكومة الاتحادية وحكومة الاقليم، والاوضاع الاقتصادية في البلد والازمة المالية التي فاقمها هبوط اسعار النفط والاعداد الكبيرة من النازحين، تأثيرها على الوضع الاقتصادي في الاقليم، حيث تم اتخاذ اجراءات تقشفية عانى منها غالبية ابناء الاقليم، خاصة من يعتمدون في معيشتهم على الراتب وذوي الدخل المحدود والكادحين. وكل هذا ادى الى حالة من الركود والشلل الاقتصاديين.
يجري هذا وسط مساهمة فاعلة للاقليم والبيشمركة في التصدي لداعش الاجرامي وتقديمهم التضحيات والشهداء لابعاد مخاطر هذا التنظيم الارهابي، كذلك مساهمة الاقليم في توفير الرعاية الانسانية والخدمية للنازحين والمهجرين وتحمل التكاليف الباهظة لاغاثتهم.
وقد اخذت الاوضاع الاقتصادية في الاقليم تترك آثارها على سكانه، وعلى حركة الاعمار والبناء فيه، وغدت القدرة على معالجة جوانب الازمة محدودة، حيث ان موارد الاقليم الاساسية تعتمد هي الاخرى على تصدير النفط الخام، بعد ان لم تجر الاستفادة مما كان متوفرا في السنوات السابقة من موارد مالية في تنويع مصادر الدخل وايجاد قاعدة اقتصادية انتاجية، سواء في الزراعة والصناعة او في الخدمات.
وفي اجواء كهذه، ومع تواصل الصراعات الحزبية الضيقة، انطلق العديد من التظاهرات وحركات الاحتجاج. وبغض النظر عما صاحب بعضها من اعمال غير مقبولة، واستخدام للعنف غير مبرر، ومن محاولات لتجييرها لصالح جهات سياسية معينة وفقا لاجنداتها الخاصة، فان المحتجين رفعوا مطالب عادلة ضد الفساد، ومن اجل تأمين الرواتب وانتظام صرفها وايقاف الاستقطاعات الكبيرة منها وتعويض المواطنين عنها. كذلك كانت هناك مطالبات بمعالجة ازمة النظام السياسي في الاقليم، والانتهاء من اقرار دستوره، وحسم مسألة الرئاسة فيه، والتوجه الى اعتماد الاصلاح خيارا يلبي حاجات ومصالح الناس.
وقد عارض الحزب الشيوعي الكردستاني اقدام حكومة الاقليم على بيع الاراضي والممتلكات العامة الى القطاع الخاص، كاجراء اقتصادي الى جانب التقشف وتخفيض الرواتب، يستهدف سد العجز في الميزانية. ورأى ان هذا الاجراء يخدم في نهاية المطاف الفئات البيروقراطية والطفيلية، حيث ان ملكية تلك الاراضي والممتلكات ستنتقل الى اصحاب الاموال والثروات المرتبطين بشكل أو بآخر بالأحزاب المتنفذة. كما عارض الحزب وصفة البنك الدولي التي اصبحت برنامجا اقتصاديا تبنته حكومة الاقليم نهاية ايار 2016، واعلن ايضا موقفه الرافض لخصخصة الكهرباء، مطالبا باصلاح هذا القطاع الحيوي من خلال انشاء شركة مساهمة يكون لقطاع الدولة دور اساسي فيها.
ويرى الحزب ان طريق الخروج من الأزمة الاقتصادية يبدأ باعتراف حكومة الاقليم بوجود هذه الازمة، وبأن اسبابها لا تنحصر في انخفاض اسعار النفط والطاقة، وفي الحرب ضد داعش وتدفق المهجرين والنازحين الى الاقليم، بل ان السبب الرئيس يكمن في اعتماد الاقتصاد الريعي وفي سوء الادارة والفساد. وان طريق الحل يمر عبر تصحيح اوضاع الاقليم، وتأمين ادارة سليمة لاقتصاده، واقامة علاقة افضل مع الحكومة الاتحادية تتسم بالحوار الدينامي.
ويشدد الحزب على اهمية تزامن هذه الاجراءات مع السعي الى اعادة تنظيم البيت الكردستاني علي الصعيد السياسي، والوصول الى توافق وطني شامل عبر الحوار الجاد والبناء، وبما يساعد على الاتيان بحكومة قوية قادرة على القيام بواجباتها الآنية الملحة في المرحلة الراهنة.
وقد برهنت التجربة على الحاجة الى لململة الصفوف وتوحيدها وتعزيز اللحمة الوطنية، والى التنسيق والتعاون الافضل بين القوى والاحزاب الكردستانية، ومواصلة مكافحة الفساد والبيروقراطية وحماية الحريات وتحسين الخدمات. فمن شأن ذلك كله تمتين الجبهة الداخلية، وتوفير مصادر دعم اضافية الى جبهات القتال ضد داعش. علما ان اوضاع الاقليم تحتاج الى المزيد من تطوير الحياة الديمقراطية فيه، وبناء مؤسساتها التي تتسع للجميع وترعاهم.
وفي هذا السياق لا بد من مواصلة التنسيق الامني مع الحكومة الاتحادية والقوات الامنية العراقية، فهذا مطلوب في المعركة ضد الارهاب، وفي معارك تحرير مناطق كركوك ومحافظة الموصل، كذلك في حفظ الامن والاستقرار في المناطق المتنازع عليها.
ان للعلاقة بين الاقليم والحكومة الاتحادية اهمية خاصة، حيث ان هناك العديد من المشاكل العالقة التي يجري ترحيلها من سنة إلى أخرى ومن دورة تشريعية إلى ثانية. ومن أهم هذه القضايا واكثرها الحاحاً، ملفات النفط والموازنة والكمارك، حيث لا يزال الطرفان غير ملتزمين بالاتفاق النفطي الموقع بينهما. فيما لم تستمر المساعي للتوصل إلى توافق بشأن قوانين النفط والغاز، والموارد المالية، وتمويل وتسليح البيشمركة، فضلا عن «المناطق المتنازع عليها». وان لبقاء هذه العقد آثارا سلبية على إعداد وتمويل الموازنة الاتحادية، وعلى الجهد المشترك في الحرب ضد داعش، وعلى اوضاع المناطق المتنازع عليها بعد تحريرها من سيطرة داعش. كما ان لها تداعياتها على الأوضاع السياسية العامة في البلد، وعلى توالي الأزمات وضعف اداء الدولة عموما.
ولم تحظ المشاكل العالقة بالاهتمام الكافي من لدن الطرفين، اللذين لم يتحركا في الوقت المناسب لمعالجتها، وانما تركاها تتراكم، الامر الذي عقد الحلول. يضاف الى ذلك سعي البعض على الدوام الى توتير الاجواء واشاعة المشاعر المعادية لتطلعات الكرد المشروعة، ولتمتعهم بحقوقهم التي نص عليها الدستور، الى جانب بعض التصريحات الاعلامية المتشنجة الصادرة عن الطرفين.
ومما لا شك فيه ان هناك قضايا ذات طابع موضوعي، تتصل برسم تفاصيل صلاحيات الحكومة الاتحادية وحكومات الاقليم والمحافظات، وارسائها على اسس توافقية ودستورية سليمة، بعيدا عن التفرد او استغلال الاوضاع الطارئة لفرض امر واقع، لا يشكل مدخلا صحيحا الى علاقة يراد لها الثبات والرسوخ، لخير ابناء الدولة الاتحادية.
وتبقى الحاجة قائمة الى مبادرات حثيثة، خاصة من جانب من بيدهم القرار لتحريك الاجواء ومنع تراكم المشاكل، والى توفير الارادة السياسية لحل كل قضية في وقتها عبر الحوار الجاد الصبور المتواصل وبعيدا عن القطيعة والجفاء، وقطع الطريق على المتربصين والشوفينيين ممن لهم مصلحة في ادامة التوتر والحؤول دون استقرار البلاد.
ان السعي الجاد الى تحريك الملفات العالقة واستئناف المفاوضات بين الطرفين بروحية ايجابية واستعداد متبادل لتقديم التنازلات، ينبغي ان يكون احد محاور الاصلاح المنشود في العراق ككل، وفي الاقليم. فهذا يصب في مصلحة الجميع.

جاء احتلال داعش للموصل واشتداد المعارك وما ترتب عليه من ارتفاع كبير في تكاليف الحرب، وسقوط ثلث الاراضي العراقية بكل ما فيها من موارد اقتصادية تحت سيطرتها، متزامنا مع انخفاض اسعار النفط العالمية باكثر من 60 في المائة منذ عام 2014، وما نجم عنه من هبوط حاد في ايرادات العراق النفطية. وكان لذلك وقع الصدمة الشديدة على الاقتصاد العراقي. وقد فجر أزمة اقتصادية ومالية كانت عناصرها تتراكم على مدى السنوات الماضية مع سوء الادارة وتنامي واتساع الفساد الإداري والمالي، ثم اشتدت منذ عام 2014 الى حد فشل الحكومة ومجلس النواب في تشريع قانون الموازنة لذلك العام.
فقد سيطر داعش في بداية توسعه على بعض الآبار النفطية ، وعطل مصفى بيجي، كذلك عطل انتاج وتصدير نفط كركوك الذي اصابه تدمير بالغ في معارك تحرير بيجي. ونجم عن ذلك انخفاض في انتاج المشتقات النفطية استوجب تعويضها بالاستيراد. كما ادى إلى انخفاض في إنتاج وتصدير النفط من الحقول الواقعة ضمن مناطق العمليات العسكرية. وفقدت الحكومة المركزية ايضا السيطرة على المناطق الزراعية التي احتلها داعش. وفي المقابل ارتفعت النفقات العسكرية، إلى جانب اضطرار الدولة الى مساهمة اكبر في تغطية الانفاق على اغاثة أكثر من 3,2 مليون مهجر ونازح.
واصبح الاقتصاد العراقي، نتيجة هذه الأزمة العميقة التي تشمل مجمل البناء السياسي والمؤسسي للدولة، امام مفترق طرق. ففي حال استمرار الأوضاع ومسارات السياسة الاقتصادية وتوجهاتها على ما هي عليه، فإن العطل في الاطار الاقتصادي العام للبلاد سيتعمق، وستكون لذلك تداعيات سلبية ثقيلة على حياة المواطنين. حيث تشتد مظاهر الاختلال في البنية الاجتماعية - الاقتصادية نتيجة التفاوت في الدخل والثروة، وتعمق الطابع الريعي والأحادي للاقتصاد الوطني، وتخلف الصناعة والزراعة وغياب التنمية المستدامة.
وبعكس الطروحات التي تروج لها الجهات الرسمية وبعض المختصين، والتي تحصر عوامل الأزمة القائمة بالتطورات التي استجدت بعد 10 حزيران 2014، فإن جذور الأزمة تمتد إلى تركة النظام المقبور والسياسات التي اعتمدها الاحتلال، والى الخلل في بناء الدولة، وفشل النهج والسياسة اللذين اعتمدتهما الحكومات المتعاقبة منذ التغيير، في المجالين الاقتصادي والاجتماعي.
فعلى مدى الأعوام الماضية ومنذ عام 2003، ادت السياسة الاقتصادية والخيارات التي اعتمدت إلى تعميق السمة الاحادية للاقتصاد العراقي، وازدياد اعتماده على العائد النفطي، الذي يمثل في المتوسط أكثر من 90 في المائة من ايرادات الموازنة العامة، وأكثر من 50 في المائة من الناتج المحلي الاجمالي. في حين انحسرت القدرات والنشاطات الإنتاجية، وهو ما انعكس في تراجع مساهمة قطاعات الصناعة التحويلية والزراعة وأنشطة الخدمات الإنتاجية في توليد الناتج المحلي الاجمالي، وهي المساهمة التي لا تمثل مجتمعة اكثر من 10 في المائة.
ومن المؤكد استنادا الى تجارب عديدة، إن أية خطة تنموية جديدة يجب ان يكون محورها وعنوانها الأساس بناء استراتيجية تنمية صناعية وطنية قادرة بالدرجة الأولى على تنويع بنية الاقتصاد والصناعة، وتنويع الصادرات ليتخلص الاقتصاد الوطني من تبعيته الى تصدير البترول.
وعند استبعاد قطاع النفط، ترتفع مساهمة قطاع الخدمات في تكوين الناتج المحلي الاجمالي الى نسبة تفوق 60 في المائة، ما يؤشر أن الاقتصاد العراقي لم يعد ريعيا فقط، بل وخدميا ذا انتاج سلعي ضعيف وانتاجية متدنية في الوقت نفسه.
وبالاضافة إلى تشوه بنية الاقتصاد العراقي وقاعدته الاحادية الريعية الهشة، أدى سوء الإدارة وغياب الرؤية لدى راسمي السياسة الاقتصادية واستشراء الفساد في مفاصل الدولة، وفي مجال المشاريع الاستثمارية على وجه الخصوص، إلى تبديد موارد مالية واقتصادية هائلة.

بعد التغيير عام 2003 وما رافقه من انهيار بنى الدولة المركزية ومؤسساتها، اطلقت سلطة الاحتلال عملية تحويل بنية الاقتصاد العراقي الذي يحتل فيه قطاع الدولة وشركاته الحكومية والمختلطة دورا مهيمنا، إلى «اقتصاد سوق» بدأ بإزالة جميع القيود عن التجارة الخارجية وفتح الأسواق العراقية أمام تدفق السلع الأجنبية دون عوائق. وفي الوقت ذاته شرعت سلطة الأئتلاف المؤقتة والحكومات التي اعقبتها في إصدار التشريعات التي تيسر تمويل التجارة والحركة الحرة لرؤوس الأموال، التي كانت تتجه نحو الخارج بصورة شرعية وغير شرعية. وتلازمت هذه الوجهة مع توجه نحو تصفية الشركات العامة الصناعية، عبر عدم تأهيلها والإبقاء على قدراتها الانتاجية معطلة تمهيدا لخصخصتها. الامر الذي ادى إلى الانحسار المتواصل للأنشطة الانتاجية الصناعية. وشملت الوجهة ذاتها القطاع الزراعي الذي رفعت عن منتجاته الاجراءات الحمائية، ما سمح للمنتجات المستوردة ، وخصوصا من دول الجوار باكتساح السوق المحلية على حساب المنتجات العراقية.
واقترنت عملية الانتقال إلى اقتصاد السوق بسياسة اقتصادية محورها الرئيس تعظيم انتاج النفط الخام وايراداته. كما وجدت تعبيرها في جولات التراخيص النفطية الاولى والثانية، التي هدفت إلى رفع قدرة العراق على انتاج النفط وتصديره.
وقد اعتبر حزبنا اعتماد عقود الخدمة في جولات التراخيص امراً ايجابياً، ولكنه تحفظ على تعدد هذه الجولات وكثرة العقود التي ابرمت مع الشركات وبصورة سريعة. وتأكدت صحة هذا التحفظ بعد أن كشف التراجع الحاد في اسعار النفط ثغرات مهمة في هذه العقود ترتب عليها تحميل العراق انفاقا مفرطا من قبل الشركات، اضافة إلى ما شابها من سوء ادارة وفساد، الأمر الذي يستلزم العمل على التفاوض لمعالجة هذه الثغرات وتحسين العقود.
ووفرت مستويات الاسعار المرتفعة للنفط خلال السنوات 2005-2014، ما عدا 2009، ايرادات نفطية ضخمة تم توزيعها عبر قنوات الانفاق الحكومي بطريقة شجعت الاستهلاك على المستويين الحكومي والأهلي. كما استخدمت لبناء قاعدة اجتماعية زبائنية للقوى المتنفذة عن طريق التوسع في التوظيف الحكومي. اذ ارتفعت اعداد الموظفين والمتعاقدين مع الدولة وشركاتها من 800 الف شخص قبل عام 2003 إلى ما يزيد على 4 ملايين شخص اواخر عام 2015.
واذا كانت سياسة تعظيم الايرادات النفطية قد كرست الاحادية في الاقتصاد العراقي ، فان الانتقال من الدولة المركزية إلى دولة تعتمد نموذج تشارك المكونات وفق قواعد المحاصصة، شدد من الهدر والاستخدام الاستهلاكي غير المنتج للريع النفطي. وجاء ذلك نتيجة السعي المحموم للقوى المتحاصصة الى تعظيم المغانم وتقاسم المكاسب، من خلال التوظيف المفرط وتضخيم الرواتب والامتيازات والمنافع، والاستحواذ على المشاريع وتخصيصاتها وتوزيعها على المقربين والموالين، بعيدا عن معايير الكفاءة والنزاهة والقدرة على التنفيذ والانجاز.
وكانت حصيلة تفاعل وتضافر التوجهات لتحويل الاقتصاد العراقي نحو المزيد من الاعتماد على النفط، والنهج الليبرالي الذي انعكس في تحرير التجارة الخارجية من الضوابط، وفرض حرية حركة رؤوس الأموال وخروجها من دون قيود التحويل الخارجي، واعتماد سعر صرف مرتفع للدينار مقابل الدولار، ان اشتد الطابع الريعي للاقتصاد وتعاظمت آثاره السلبية متمثلة في تهميش واضعاف النشاطات الانتاجية، لا سيما في قطاعي الصناعة التحويلية والزراعة، وتكريس الانساق الاستهلاكية في الانفاق الحكومي والخاص.
أما الطبيعة المؤسسية لدولة المكونات، واساسها نظام المحاصصة، فقد افضت إلى تكريس التشظي في بناء الدولة، وتضخم اعداد العاملين فيها. ونجم عن هذا عجز في الادارة وفي القدرة على التنفيذ والانجاز، وتعذر بلورة رؤى وسياسات موحدة ومنسجمة للدولة والحكومة، اضافة الى خلق بيئة حاضنة للفساد. ويؤشر ذلك انفاق 287 مليار دولار على اكثر من 6000 مشروع غير منجز، حسب ما ورد في بيانات وزارة التخطيط، منها مشاريع وهمية , وأخرى بقيت مجرد هياكل بعد هروب المقاولين او توقفهم عن العمل بسبب العجز في التمويل او لعدم كفاءتهم واهليتهم.
ويشكل فشل الاستثمار الحكومي منذ التغيير مظهرا فاضحا لسوء ادارة الاقتصاد وعاملا مهما في عدم تحقيق منجز تنموي يذكر. علما انه لم يبذل جهد جاد لإصلاح الدوائر المعنية بإدارة المشاريع وبقطاع المقاولات المسؤول عن التنفيذ.
191- وفي موازاة ذلك، شهدنا اخفاقا واضحا في اجتذاب الاستثمار الأجنبي، كشف عن أوهام التعويل عليه في ملء الفجوة الاستثمارية المحلية، والاسهام في تطوير القطاعات الانتاجية والخدمية.
ورغم التعديلات المتتالية لقانون الاستثمار، والتي جعلته يعتبر من افضل قوانين الاستثمار في المنطقة بالنسبة للمستثمر الأجنبي، من حيث الحوافز والضمانات المقدمة، لم يتحقق نمو ذو شأن في تدفق هذه الاستثمارات ولا في اجتذاب رؤوس الأموال العراقية في الخارج. ولا غرابة في ذلك بالنظر الى ما تتطلبه مستويات المخاطرة المرتفعة في العراق، من تأمين ارباح عالية لإقناع المستثمر الخارجي بدخول السوق العراقية.
ولا ترتبط المخاطرة بالظروف الأمنية غير المستقرة فقط، وانما تتعلق ايضا بعدم توفر البيئة الاستثمارية الجاذبة، ولا سيما شيوع الفساد وعمليات الابتزاز التي يخضع لها المستثمرون، والبيروقراطية الثقيلة الملازمة للفساد. وبصورة عامة، وفي ظروف كالتي تسود في العراق، يبحث المستثمر الخارجي عن الربح السريع ومعدلات العائد المرتفعة لأجل استرداد امواله مع ارباح مجزية. ومن غير المحتمل ان يوظف امواله في مشاريع كبيرة، إلا إذا دخلت الدولة معه كشريك ضامن.
وينسحب ذلك حتى على استثمارات الشركات النفطية الأجنبية في اطار تنفيذها عقود جولات التراخيص الخدمية. أذ انها تسترجع الأموال التي تنفقها في تطوير الآبار او حفر ابار جديدة، من عوائد التصدير في غضون ثلاثة اشهر من انفاقها. لذا فان هذه الشركات لا تأتي باستثمارات خارجية في الواقع، وانما تقدم نوعا من القروض قصيرة الأجل في اطار عقود المقاولة. وينطبق ذلك على مشروع بسماية السكني الذي هو اقرب الى المقاولة، حيث قدمت الدولة نسبة غير قليلة من الأموال التي احتاجتها الشركة للشروع في تنفيذه.
ورغم معدلات النمو المرتفعة ( اساسا من واردات النفط ) حتى عام 2014، لم يتحقق تقدم يذكر على الصعيد التنموي في البلاد، وظلت البنى التحتية متخلفة عن تلبية الحاجات الاساسية للمواطنين وللنشاطات الاقتصادية الانتاجية والخدمية. ويتجلى الضعف البنيوي للاقتصاد في عدم قدرة القطاعين العام والخاص على خلق فرص عمل حقيقية تستوعب الزيادة السنوية في السكان الذين يدخلون سوق العمل. فحسب بعض التقديرات يدخل سوق العمل سنويا ما يقارب 400 الف شاب، لا يقابلهم سوى 50 الف فرصة عمل يقدمها قطاع الدولة في احسن الحالات، وما لا يزيد على 20 الف فرصة عمل يؤمنها القطاع الخاص الضعيف، وهذا يعني اضافة ما يزيد على 300 الف عاطل عن العمل من الشباب سنويا. ولهذا السبب تواصل نسبة البطالة بين الشباب ارتفاعها لتبلغ حوالي 30 في المائة. لهذا ليس مستغربا أن يكون الشباب في مقدمة المشاركين في الحراك الشعبي الاحتجاجي في جميع المحافظات.
ومن المؤشرات المهمة التي تبين الفشل التنموي للنهج الاقتصادي الذي سارت عليه دولة المكونات الريعية، النسبة المنخفضة لتوظيف السكان البالغين، وهي الأوطأ مقارنة ببلدان المنطقة الاخرى، والبالغة 67 في المائة بالنسبة للذكور في سن العمل، و10 في المائة فقط بالنسبة للاناث. علما ان نسبة توظيف الشباب الذين تقل اعمارهم عن 30 سنة هي اوطأ من نسبة توظيف البالغين الأكبر سنا.

ادى التأثير المركب للنهج الاقتصادي الذي سارت عليه الدولة في السنوات الاخيرة الى زيادة التفاوت في الدخل والثروة اجتماعيا ومناطقيا.
وكانت مسوحات سنة 2007 قد قدرت نسبة الفقر بـ 23,6 في المائة. وفي مسح سنة 2012 انخفضت هذه النسبة إلى 19,8 بالمائة، إلا أنها عاودت الارتفاع بعد عام 2014 إلى ما بين 30 و35 في المائة حسب بعض التقديرات. وتفيد البيانات الاحصائية بوجود أكثر من 10 ملايين مواطن ومواطنة، يتوزعون على 387 منطقة سكن «عشوائي» تخلو من البنى التحتية الأساسية، وتفتقر الى ادنى مقومات العيش الكريم. ويقع معظم هذه المناطق في العاصمة بغداد، وفي محافظة البصرة التي تختزن واحداً من اكبر الاحتياطيات النفطية في العالم، وتعتبر المصدّر الرئيس لنفطنا العراقي.
يضاف إلى سكان العشوائيات أكثر من 4 ملايين نازح ( احصائيات الامم المتحدة حزيران 2016)، تعيش نسبة كبيرة منهم في مخيمات وملاجئ لا تتوفر فيها الخدمات الأساسية، وقد انخفضت مواردهم إلى مستوى خط الفقر او دونه. فيما كشفت المسوحات أن النسبة الأكبر من الفقراء في العراق تتركز في خمس محافظات، هي بغداد ونينوى وذي قار والديوانية وميسان، فضلا عن محافظة المثنى التي هي الأشد فقرا.
ونتيجة لانحسار الأنشطة الانتاجية السلعية وركودها، وخاصة في الصناعة التحويلية، باتت فروع الانتاج غير السلعي الحكومي والخاص تستقطب القسم الأكبر من النشيطين اقتصاديا. كما انعكس ذلك في التوسع الهائل في اعداد موظفي الدولة. واصبحت الوظيفة العامة قناة رئيسة لتوزيع الريع النفطي، ويفسر النظام غير العادل للرواتب والاجور والامتيازات جزءا كبيرا من التفاوت في توزيع الثروة والدخل العائلي. وينحدر اغلب الفقراء من العوائل التي تعتمد على مصادر الدخل غير الحكومية، ومن المتقاعدين من منتسبي الدرجات الدنيا في سلم الخدمة.
ومقابل تنامي مظاهر الفقر، تضخمت الثروات لدى شريحة اجتماعية ضيقة تضم كبار المسؤولين والمتنفذين في الدولة وسلطاتها المختلفة، ممن يتمتعون برواتب وامتيازات عالية ويمتلكون مفاتيح التحكم بالانفاق الحكومي وصرف تخصيصات الموازنة العامة للدولة، لاسيما في شقها الاستثماري. وقد استخدمت هذه السلطات للاستحواذ بطرق غير مشروعة مختلفة، على عشرات المليارات من الدولارات من تخصيصات المشاريع غير المنفذة، بالتواطؤ مع المفسدين من المقاولين والتجار والموردين من القطاع الخاص، المنحدرين في الغالب من الدوائر والحلقات العائلية والعشائرية والحزبية الضيقة المرتبطة بالمتنفذين او المحيطة بهم. وينطبق هذا على كل القوى المتحاصصة في تقاسم السلطة ومغانمها. كما تشكلت على مدى الأعوام الماضية شبكات ومنظومات فساد في مختلف مفاصل الدولة، تتولى بشكل ممنهج تنظيم سرقة المال العام من جهة، وابتزاز المواطنين في معظم دوائر الدولة، خصوصا في المنافذ الحدودية ودوائر الضريبة والتسجيل العقاري، للحصول على رشا مقابل تمشية معاملاتهم. وكل ذلك يسهم في اعادة توزيع الثروة والدخل لصالح الشرائح المتنفذة والطفيلية، ويعمق الاستقطاب الاجتماعي، ويكرس الطابع الريعي للاقتصاد، ويشيع السلوكيات الاجتماعية والثقافية المنافية لقيم الانتاج وللنزاهة والعدالة.

وقد انتشرت الظواهر المشار اليها في ما تقدم وتنامت في ظل حكومات ما بعد التغيير، وأخذت تتحول إلى نسق والى منظومات اجتماعية - اقتصادية وسياسية ذات مصالح مشتركة، تهيمن على السلطات السياسية والاقتصادية، وتتنازع اطرافها على الحصص في السلطة ومكاسبها. لكنها تلتقي وتنسق وتتحد في الدفاع عن مصالحها وامتيازاتها المشتركة وعن نظام المحاصصة الضامن لها. وقد شهدنا في الدورات الانتخابية الأخيرة التلاقي والتحالف السافرين بين اصحاب المال والثروة من كبار ارباب الأعمال والمقاولين والتجار من جهة، والكتل السياسية وبعض السياسيين من جهة ثانية، من خلال تشكيل قوائم انتخابية روجت لها فضائيات وقنوات اعلامية تعود ملكيتها الى نفس طواغيت المال والأعمال.
ومنذ التغيير، سادت اتجاهات الانقسام المجتمعي مع تنامي اللجوء إلى العنف في العلاقة بين القوى السياسية المدعية تمثيل الاطياف الاجتماعية ومعها الجماعات المسلحة المرتبطة بها، وتلك المنافسة لها في ادعاء تمثيل الطيف الاجتماعي المعين. وترتبت على ذلك غلبة الانشطارات في المجتمع على اساس الهوية المسيسة، والتي غطت على التمايزات والانقسامات والتناقضات الناشئة عن المصالح الاقتصادية والاجتماعية ذات البعد الطبقي، رغم حضور الأخيرة وتأثيرها بصورة مموهة.
ونتيجة لفشل الحكومات المتوالية في تحقيق انجازات تذكر على صعيد بناء الدولة ومحاربة الفساد وتنفيذ المشاريع وتحسين الخدمات ومكافحة الفقر، نشأت هوة آخذة بالاتساع بين قيادات الأحزاب والتشكيلات السياسية والمسلحة التي تدعي تمثيل الطيف المعني، وقواعدها وجمهورها الذين تزداد ظروفهم المعيشية صعوبة، فيما راحت تتكشف امامهم حقائق الفساد، وانعدام الكفاءة والقدرة على ادارة امور الدولة، وعدم الوفاء بالوعود، والتفاوت الشديد بين الرفاه الذي ينعم به «ممثلوهم» في الحكومة والبرلمان وفي مؤسسات الدولة وفي المحافظات، وبين الظروف البائسة لمناطقهم ومستويات معيشتهم.
لذلك بات هناك وضوح أكبر في عملية تبلور اصطفاف اجتماعي - سياسي يقوم على وحدة المصالح ، ويجمع بين الشرائح العليا المتنفذة في الدولة بمختلف سلطاتها والتي تتشكل كبرجوازية بيروقراطية، واصحاب المال وكبار التجار الذين يتمتعون بموقع احتكاري في السوق، ومالكي المؤسسات والشركات المتحكمين بالمصارف وشبكات الصيرفة، التي تستحوذ على الجزء الأكبر من مزاد الدولار وتدير عملية اخراج الأموال وتهريبها، والذين باتوا يمثلون شريحة طفيلية واسعة فائقة الثراء. كما يشمل هذا الاصطفاف والتحالف الموضوعي العابر للطوائف، القابضين على سلطة الاعلام من مالكي القنوات الفضائية. ويقود هذا التحالف النظام الاقتصادي ذا السمات الريعية المفرطة، والذي لا يزال قيد التشكل في اطار نهج ليبرالي غير منضبط، وفي ظل دولة المكونات التحاصصية. واصبح التعارض في المصالح والتوجهات يزداد وضوحا بين هذه الشريحة الضيقة المسيطرة على مفاتيح السلطة والمال والاعلام، وبين عامة الشعب، وهو ما ينعكس في استمرار الاحتجاجات الشعبية الواسعة على امتداد اكثر من سنة دون انقطاع، ومطالبتها بالاصلاح والتغيير ومكافحة الفساد وضرب رؤوسه.

ان البنية الاقتصادية الهشة الراهنة للاقتصاد العراقي، المعتمدة كليا على النفط والتي اشرنا الى جوانب الضعف والعجز فيها، تقدم الدليل على فشل السياسات الاقتصادية المتبعة منذ 2003 في تحقيق التنمية، وفي توظيف الموارد المالية والبشرية ومعدلات النمو المرتفعة التي تحققت على مدى سنوات، لمصلحة التنمية.
ولا شك ان الارهاب والمستويات المرتفعة للعنف وغياب الامن ادت خلال السنوات الأولى بعد التغيير إلى توجيه نسبة عالية من موارد البلاد لتمويل بناء القدرات العسكرية والأمنية على حساب الانفاق لأغراض التنمية، والذي توقف عمليا.
ولكن مع ارتفاع اسعار النفط ومستويات تصديره، تضاعفت ايرادات العراق النفطية السنوية اكثر من اربع مرات بين 2005 و2013، ولم يعد القيد المالي قائما بالشدة ذاتها. كما توفرت اوضاع امنية في معظم المحافظات تسمح باقامة المشاريع، ما اسقط الذرائع المذكورة لتبرير غياب الانجاز.
ولا يمكن طبعا انجاز تنمية مستدامة ما لم تتوفر شروط اساسية محددة. فالتنمية لا تتحقق في غياب الرؤى والاستراتيجيات والسياسات الموحدة للدولة في المجال الاجتماعي - الاقتصادي، وفي ظل تردي البنى التحتية اللازمة، ولا سيما الطاقة الكهربائية وشبكات الماء والصرف الصحي والموارد البشرية المتخصصة والكفوءة. وقبل هذا وذاك في غياب مستوى مناسب من الاستقرار السياسي والأمني.
ولقد تم تطوير القطاع النفطي وفق تصور حصري له باعتباره قطاعا للتكثير المالي، من دون الاهتمام بانشاء روابط له بالقطاعات الاقتصادية الأخرى.ولم تحظ عمليات تصنيع النفط والغاز بالاهتمام المطلوب، الأمر الذي قلص من تأثيراته الايجابية على الاقتصاد الوطني وقطاعاته المختلفة.
وثمة عامل اساسي آخر يعيق انطلاق الجهد التنموي، وهو يخص دور الدولة الاقتصادي وعلاقتها بالسوق. فالنظرة السائدة في مراكز القرار الاقتصادي تنطلق من الفكر الليبرالي الداعي الى سوق حرة وشبه سائبة، في ظل دولة تقوم بدور الحارس المجرد وينحسر دورها التنظيمي.
ان حصيلة هذه الوجهة هي تكوين هذا الاقتصاد العراقي، الذي عجز عن تنمية اي مورد غير النفط، واطلق العنان لنمو الاستهلاك العام والخاص وهو في معظمه ترفي الطابع، تتم تغذيته بالاستيراد من الأسواق العالمية، حتى زادت قيمة هذا الاستيراد على 50 مليار دولار سنويا، ما يزيد في المتوسط على 70 في المائة من القيمة الاجمالية للموازنة العامة. وادت هذه التوليفة بين الدولة الريعية والسوق المنفلتة إلى تقوية الاندماج بالسوق الاستهلاكية العالمية. ووفقا لهذه الوجهة ينحصر عمل الدولة في استخدام الأدوات المؤثرة على جانب الطلب في الأسواق، وقد أثبتت هذه السياسة عدم فاعليتها في تحفيز بناء طاقات جديدة في مجال الانتاج وفي قطاعات البناء والتشييد كثيفة العمالة.
وفي ضوء التجارب الاقتصادية والتنموية الناجحة في العديد من البلدان، يصح القول أن الاقتصاد العراقي الريعي هو احوج ما يكون لدور اقتصادي فاعل للدولة، ليس على المستوى التنظيمي والتحفيزي وحسب، وانما على الصعيد الانتاجي ايضا. ومن الصيغ القابلة للتحقيق في ظروف العراق، تأهيل الشركات المملوكة للدولة والتي تضم 600 الف عامل ومنتسب، وايجاد شراكات ناضجة وفاعلة مع القطاع الخاص المحلي والأجنبي، وفق اسس سليمة واطر قانونية مناسبة.

يواجه الاقتصاد العراقي حاليا مستويين اثنين من المشاكل والأزمات، الأول يتعلق ببنيته الاحادية والريعية والواجب إعادة هيكلتها عبر تنويع قاعدة الانتاج الوطني، والثاني ذو طبيعة مالية ونقدية ويتطلب معالجات وحلولا آنية، يتوجب تحقيقها في الأمد القصير أو المتوسط القريب. ويرتبط ذلك بدرجة أساسية بالموازنة العامة والسياسة المالية التي يتحدد على اساسها الانفاق الحكومي واولوياته وبنيته.
والمستويان ليسا مستقلين عن بعضهما، إذ أن الموازنة العامة هي أداة رئيسة لتنفيذ التوجهات السياسية والاقتصادية والاجتماعية العامة للدولة، الصريحة والمضمرة. كما أن الانفاق الحكومي يشكل نسبة تتراوح ما بين 40 و50 بالمائة من الناتج المحلي الاجمالي، ويلعب دور المحرك الرئيس للاقتصاد العراقي.
وتمثل الموازنة العامة وطريقة اعدادها وهيكلية بنائها أحد اهم مظاهر سوء ادارة المال العام، وغياب الرؤية الاقتصادية والمالية الواضحة للدولة طوال السنوات التي اعقبت التغيير. وتفيد البيانات المتوفرة ان جميع الموازنات العامة منذ عام 2005 حتى عام 2013 كانت تبنى على أساس وجود عجز مخطط، ولكنها تنتهي من الناحية الفعلية بفائض، ما عدا العام 2009. وهناك غياب للشفافية بشأن الطريقة التي اعتمدت في التصرف بالأموال المتبقية وغير المنفقة، وتجلى ذلك بصورة اكثر وضوحا في طريقة التصرف بتخصيصات موازنة 2014 التي لم يجر اقرارها في مجلس النواب. وان من أهم الاثار المترتبة على المنهج المتبع في بناء الموازنة، كونها تشجع الانفاق المفرط في المجالات ذات الطابع الاستهلاكي والترفي.
وقد شهدت السنوات الثلاث الاخيرة تناميا في عجز الموازنة العامة وعجز الحساب الجاري لميزان المدفوعات، نتيجة للانخفاض الشديد في الايرادات النفطية، والتصرف الكيفي بالفوائض المتحققة فعلا في الموازنة خلال السنوات 2006 - 2013. فقد ارتفع عجز الموازنة من 6 في المائة من الناتج المحلي الاجمالي عام 2014 إلى 15 في المائة عام 2015، وهي معدلات مرتفعة بالمقاييس العالمية. ومن المتوقع أن يبلغ هذا العجز عام 2016 حوالي 17 مليار دولار، اي ما يعادل 12 في المائة من الناتج المحلي الاجمالي.
في مواجهة الشح في الايرادات النفطية، اتخذت الاجراءات المعتمدة مسارين: الأول ضغط النفقات العامة عبر اتخاذ اجراءات تقشفية، والثاني محاولة تنويع مصادر الايرادات وايجاد جديد منها. ولكن ما ينبغي التنبه اليه هو ان الاجراءات التقشفية، سواء على صعيد بنود الانفاق التي يجري ضغطها، أم مصادر الايراد التي يصار إلى تنميتها، تنطوي على ابعاد اجتماعية - سياسية. ولا بد أن يتم تحديد وكشف طبيعة وحجم الأعباء التي تمثلها الاجراءات التقشفية والفئات والشرائح الاجتماعية التي تتحمل القسط الأكبر من اعبائها.
ولأجل زيادة ايرادات الموازنة، تم اللجوء إلى خيار فرض الضرائب غير المباشرة على المبيعات اضافة إلى زيادة الرسوم على بعض المعاملات وفرض ضريبة طابع لدعم النازحين واعمار المناطق التي دمرها الارهاب واستقطاع 3 بالمائة من الرواتب لتمويل تخصيصات الحشد الشعبي والنازحين. كما تم تطبيق قانون التعرفة الكمركية بصورة جزئية ومرتبكة تنظيمياً. وسيشكل التاثير التراكمي لهذه الضرائب غير المباشرة عبئا أكبر على ذوي الدخول الواطئة، مخلفا آثارا سلبية تزيد من التوزيع غير العادل للدخول.
وكان حريا بالموازنة فرض ضريبة تصاعدية على الدخل تُعفى منها الشرائح ذات الدخول الواطئة، وهو إجراء ينسجم مع قواعد العدالة الاجتماعية ويخفف من الفجوة الكبيرة بين رواتب ومخصصات الرئاسات واصحاب الدرجات الخاصة من جانب، وعموم موظفي الدولة. ويمكن زيادة المبالغ المستحصلة من الضريبة على اصحاب الدخول العالية خارج مؤسسات الدولة المتمثلين بكبار المقاولين وتجار الجملة، عبر رفع مستوى اداء دوائر الضريبة.
ونظرا لعدم كفاية ايرادات الموازنة، فقد قابل العجز في الموازنة وفي الحساب الجاري لميزان المدفوعات، ارتفاع في المديونية الخارجية والداخلية، وانخفاض في الاحتياطي الرسمي من العملة الأجنبية. اذ انخفض احتياطي البنك المركزي من العملة الصعبة من 67 مليار دولار عام 2014 الى 51 مليارا عام 2015، وقد ينخفض الى 43 مليار دولار عام 2016. وهذا الانخفاض في رصيد الاحتياطي من العملة الصعبة هو نتيجة طبيعية للعجز في الحساب الجاري لميزان المدفوعات.
ولجأت الحكومة بصورة متزايدة الى الاقتراض الداخلي والخارجي لتغطية الجزء الأكبر من عجز الموازنة العامة، ما ادى الى ارتفاع حاد في المديونية. فقد ارتفعت نسبة الدين العام، المؤلف من دين داخلي يقدر بحوالي 33 تريليون دينار، ودين خارجي يقدر بـ 39 مليار دولار، من 39 في المائة من الناتج المحلي الاجمالي عام 2014 الى 62 في المائة عام 2015، والتقديرات تتوقع ارتفاعه الى 66 في المائة عام 2016.
ومؤخرا جرى توقيع اتفاق مع صندوق النقد الدولي يتم بموجبه اقراض العراق 5,4 مليار دولار بنسبة فائدة سنوية قدرها 1,5 في المائة. وسيتم اطلاق المبلغ على دفعات خلال ثلاث سنوات. كما سيساعد الصندوق العراق على حيازة مزيد من القروض بشروط مناسبة، قد يصل مجموعها إلى 15 او حتى 18 مليار دولار. وترتبط بهذه القروض حزمة من السياسات الاقتصادية والمالية، تلتزم الحكومة العراقية بتنفيذها على مدى السنوات الثلاث القادمة. وتهدف هذه السياسات إلى تخفيض الانفاق الحكومي بما يتوافق مع الانخفاض في الايرادات النفطية، ما يعني تقليص الانفاق في مختلف ابواب الموازنة، وخفض الاعانات الحكومية، وزيادة ايرادات الموازنة بفرض مزيد من الضرائب والرسوم. وتشكل هذه الاجراءات أعباء معيشية اضافية على المواطنين، وستكون ثقيلة بشكل خاص على الكادحين وذوي الدخول الواطئة والشرائح الوسطى في المجتمع.
وينبغي أن لا يغيب عن الذهن ان تنامي المديونية سيرفع من اعباء خدمة الدين، واذا كانت هذه الأعباء لا تزال ضمن حدود معقولة، فان استمرار البنية الحالية للموازنة والطبيعة الأحادية للاقتصاد العراقي وضعف قاعدة الانتاج الوطني وعدم القيام بالاصلاحات الاقتصادية الضرورية، كل هذا يجعل محتملا ان تستمر الحاجة إلى مزيد من الاقتراض. وستترتب على ذلك مصاعب جدية في تمويل النفقات العامة، كما ستكون له تداعيات على ميزان المدفوعات وسعر صرف الدينار والتضخم وتوزيع الدخل.
وتحاول الحكومات المتعاقبة التقليل من اهمية الالتزامات والشروط المصاحبة لقروض صندوق النقد الدولي ومن تأثيرها، وتقوم بالتعتيم على تفاصيلها، كما تعلن ترحيبها بالاصلاحات التي يلزم الصندوق الحكومة بتنفيذها. والملاحظ ان الحكومات المتتالية كانت تتوجه الى الصندوق طواعية، رغبة منها في أن تضع سياساتها الاقتصادية والمالية تحت اشرافه، ان لم نقل وصايته. وليس خافيا ان شروط الصندوق الدولي ووصفاته في السياسة المالية ذات وجهة ليبرالية، تشدد على توازن المالية العامة، وعلى تحرير الأسواق وتضييق دور الدولة الاقتصادي إلى اقصى حد، وتقليص وتفكيك القطاع العام وتشجيع القطاع الخاص ودمج اقتصاد البلاد بالاسواق العالمية.
وتهدف منظومة سياسات الصندوق إلى اعادة هيكلة الاقتصاد الوطني، وتحويله إلى اقتصاد سوق ليبرالي منفتح على الأسواق العالمية. وفي حالة العراق الراهنة تعني هذه التوجهات ارتفاعا في الضرائب، وتقليصا للاعانات، كما تعني سعر صرف مرتفع وتوجيه جل الموارد نحو القطاع النفطي على حساب القطاعات الانتاجية الأخرى. كذلك تعني تكريس الطابع الريعي للاقتصاد، ذلك ان القطاعات الانتاجية يصعب ان تجد الموارد اللازمة لنموها لدى القطاع الخاص المحلي الضعيف والمحاصر بالروتين والفساد وسوء الادارة، او في الاستثمارات الأجنبية التي تمتنع عن القدوم إلى العراق بسبب غياب البيئة الملائمة الجاذبة.
وفي ظل البنية الاقتصادية الهشة التي سبق رسم ملامحها وتحديد خصائصها وآلياتها، لم تحظ الحكومة بخيارات تذكر عندما وجدت نفسها أمام الأزمة المالية والاقتصادية الخانقة، فلجأت إلى صندوق النقد الدولي للمرة الثالثة في غضون اقل من ثلاث سنوات (تم اقتراض 3,7 مليار دولار منه عام 2013 و1,2 مليار عام 2015 و5,4 مليار عام 2016) لتأمين جزء من التمويل اللازم، واستعانت به لتمرير حزمة اصلاحات ذات مضمون ليبرالي.
اننا ندعو إلى سياسات بديلة ذات وجهة تشدد على استثمار ظرف الأزمة للإسراع في اجراء المراجعات والاصلاحات الادارية والمالية. وأن تشمل الاصلاحات القطاع العام وآليات عمله وإدارته، وتكثيف عملية مكافحة الفساد ومحاسبة الفاسدين والمفسدين واسترجاع الأموال التي في ذممهم. وخلال ذلك نحذر من التذرع بالأزمة للانقضاض على شركات ومؤسسات الدولة والشروع في خصخصتها، عوضا عن التوجه بجد نحو تقديم الدعم اليها واعادة تأهيلها.
وفي ظروف بلادنا هناك حاجة لأن تلعب الدولة دورا اقتصاديا فاعلا ومؤثرا، انتاجا وتحفيزا وتنظيما، ضروريا لتوفير شروط اعادة تنشيط قطاع الصناعة التحويلية والزراعة، عبر تأمين الحماية للمنتج المحلي وتوفير التمويل الضروري، وتحقيق الشراكات مع القطاع الخاص المحلي والاجنبي، لتحديث الشركات المملوكة للدولة وتوسيع القاعدة الانتاجية وتنويعها.
ولأجل تخفيف الضغط على موارد البلاد من العملة الصعبة وتأمين موارد اضافية لتمويل الاستثمار، ينبغي السعي الى توفير ادوات مالية وحوافز لزيادة معدلات الادخار وتقليص النزعة الاستهلاكية.
لكن هذا التوجه يصطدم بمقاومة قوية من قبل قوى سياسية نافذة، ذات مصالح متشابكة مع كبار التجار وأصحاب الأموال، بذريعة التمسك بآليات السوق. وتندرج المواقف إزاء هذا الموضوع في اطار الصراع الدائر حول دور الدولة في اقتصاد السوق، وطبيعة المصالح التي ترعاها الدولة ومضامينها الاجتماعية. وتبين معظم تجارب البلدان التي حققت تنمية ونموا سريعين، ان للدولة دورا اساسيا في قيادة العملية التنموية وتوفير البيئة التمكينية لها.
وليس خافيا ان انصار التوجه النيوليبرالي عندنا يسعون الى الاستفادة من الأزمة المالية الراهنة، ومن إخفاقات مؤسسات الدولة وفشل أدائها الاقتصادي وسوء الإدارة واستشراء الفساد، للدفع في اتجاه تطبيق الخصخصة في مختلف المجالات، لتشمل حتى قطاع الخدمات الأساسية مثل الكهرباء. وتجد هذه القوى دعما قويا لها في وضع اقتصادنا تحت وصاية صندوق النقد الدولي، وفي الإصلاحات الهيكلية التي يشترطها لتقديم القروض.

يتولى البنك المركزي مسؤولية رسم وادارة السياسة النقدية بما تشمل من تحديد كمية النقد المتداول، وسعر صرف الدينار مقابل العملات الأخرى، وادارة احتياطي البلاد من العملة الصعبة، والاشراف على المصارف. ويتمتع البنك المركزي باستقلالية قلّ نظيرها في البلدان المقاربة للعراق في مستوى التطور الاقتصادي.
وقد نجح البنك في تحقيق هدف خفض معدلات التضخم خلال السنين الأخيرة، من خلال الحفاظ على استقرار سعر صرف الدينار مقابل الدولار بمستوى مرتفع نسبيا، وبيع كميات كبيرة من الدولار في السوق المحلية عن طريق النافذة اليومية لبيع وشراء العملة، والتي تطلق عليها تسمية مزاد العملة. وساهمت هذه السياسة في تشجيع الاستيرادات التي تناهز قيمتها كمعدل 50 مليار دولار سنويا. وعن طريق مزاد بيع الدولار يوفر البنك المركزي كميات الدولار التي تطلبها المصارف. لكن شركات التحويل المالي وشركات الصيرفة المشاركة في المزاد تحولت الى قناة لتهريب الأموال، ولتحقيق ارباح فائقة للمضاربين وللمصارف والشركات التي تعود ملكية معظمها إلى شخصيات ومجموعات ترتبط بصورة مباشرة او غير مباشرة بالمتنفذين في الدولة وبالكتل السياسية النافذة.
ففي نهاية شهر ايار 2016 مثلا باع البنك الدولار الواحد في المزاد، نقدا او بالحوالة، بسعر صرف يبلغ 1190 دينارا، لكن هذا السعر ارتفع في السوق إلى 1300 دينار. ومعنى هذا ان المصارف وشركات التحويل المالي وشركات الصيرفة حققت ربحا قدره 110 دنانير في الدولار الواحد. وبما ان الكميات المباعة يومذاك بلغت ما يقارب 132 مليون دولار، فان حجم الربح الاجمالي بلغ حوالي 11,17 مليون دولار تقاسمها 32 مصرفا و18 شركة تحويل مالي. فبلغ ربح المصرف الواحد في المعدل 330 الف دولار، وذلك في غضون سويعات لا اكثر! وإذا ما اعتمدنا فارق 100 دينار للدولار الواحد في المتوسط خلال عام 2016 فستكون الارباح المتحققة للمصارف وشركات التحويل المالي المذكورة اكثر من 957 مليون دولار في الأشهر الخمسة الأولى من العام! وهذه الارباح الخيالية المتحققة دون جهد او خدمة مقابلة، تفسر اسباب اصرار المتنفذين وكبار المضاربين، وهم في الغالب وثيقو الصلة بشبكات الفساد، على بقاء آلية مزاد الدولار التي يحيطها الكثير من الغموض وتدور حولها شبهات فساد. وتعتبر هذه الارباح ريعا او ربحا طفيليا يعمق التفاوت في الدخل والثروة، ويستنزف احتياطي البلاد من العملة الصعبة.
لذلك لا بد للدولة من اتخاذ اجراءات فعّالة من خلال ادوات ضريبية او باستخدام ادوات السياسة المالية، لتضييق الفرق بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق، ولكي تذهب النسبة الأكبر من الأرباح إلى الخزينة العامة للدولة والعمل على وضع ضوابط فاعلة وتطبيقها على بيع وشراء العملة ومنع تهريبها.

تشهد اوضاع حقوق الانسان في العراق انتهاكات متواصلة لاسباب عدة، منها الصراعات السياسية، والتأجيج الطائفي، والأعمال الإرهابية التي طالت جميع المدن دون استثناء.
وبرزت في الفترة الأخيرة محاولات عدة لفرض تصورات معينة حول مفهوم الحرية والحقوق واستحقاقاتها وحدود ممارستها، في ظل نقص في التشريعات التي تؤمّن الحريات والحقوق للمواطنين. بل أن هناك قوانين موروثة من النظام الدكتاتوري السابق وما زالت سارية المفعول، تقف بالضد من الدستور ومبادئ الديمقراطية، منها على سبيل المثال قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 في مواده التي تخص جرائم النشر، وقانون المطبوعات.
ويتضح يوماً بعد يوم أن هناك ميلا لدى القوى المتنفذة في السلطة، الى تشريع قوانين تضيق على الحريات وتصادرها، كمشروع قانون جرائم المعلوماتية، ومشروع قانون حرية التعبير والتظاهر السلمي، الذي يُعطل حق التظاهر والاعتصام.
ويرافق ذلك نكوص عن استكمال اقامة مؤسسات الدولة الديمقراطية وبنائها على وفق ما جاء في الدستور، حتى أن مفوضية حقوق الإنسان التي أنشئت في العام 2012، لم تحظ بصلاحياتها الدستورية ولم تستطع أن تؤدي دورها المنشود بسبب وجود معرقلات عطلت عملها، لعل أبرزها نهج المحاصصة الطائفية والاثنية.
وصار هذا الوضع القانوني والمؤسساتي السيء مدخلا لمزيد من الانتهاكات التي وقعت ضد نشطاء وكتاب وصحفيين، يقوم بها افراد او مؤسسات رسمية اوغير رسمية. ومن ذلك مصادرة الحق في الحياة وبدوافع مختلفة، ما يؤشر فشل الدولة ومؤسساتها في فرض هيبتها والقيام بواجباتها، فيما يحل العديد من الجهات محلها تحت عناوين ومبررات متنوعة، ومنها ميليشيات تنشط خارج نطاق سيطرة الدولة، صادرت القانون واحتكرته.
ولوحظ عند البعض من السياسيين المتنفذين وأجهزة الدولة تبرم وضيق من التظاهرات وحركات الاحتجاج، وسعي إلى تفسير المواد الدستورية بما يضيّق عليها ويحجّمها، وإن اختلف ذلك من محافظة إلى أخرى. حيث تعرض العديد من النشطاء إلى الاعتقال والسجن والتعذيب وانتزاع البراءات، بل حتى الى التغييب والتصفية الجسدية، والى التهديد في عملهم وسكناهم.
ومن المقلق في الحياة العامة أن يبقى الأمن والاستقرار والسلام الدائم بعيد المنال، وان يشكل هاجسا يوميا للمواطن ومصدر خوف له، وان يتحول، مع تردي الأوضاع الاقتصادية، إلى دافع قوي للهجرة الى الخارج، وهو ما يحدث للكثيرين من الشباب وذوي الكفاءات الذين يشكلون غالبية المهاجرين.
ولعل الاكثر ايلاما في ظاهرة الهجرة، هو لجوء الآلاف من أبناء الشعب اليها وموت الكثيرين منهم غرقا في البحار، لا سيما من المسيحيين والصابئة والايزيديين، الذين يختارون الهجرة تحت الضغط ونتيجة التعرض لهم ولخصوصياتهم وطقوسهم واماكن عباداتهم وممتلكاتهم وتراثهم. وهو ما استفحل بعد احتلال داعش العديد من مدن ومحافظات بلدنا.
كما أن النزوح الكبير الذي يشهده عدد من مناطق البلاد، يعد أكبر معضلة إنسانية تعرض لها العراق في تاريخه الحديث. فقد اضطر ما يزيد على 4 ملايين إنسان الى ترك مدنهم ومساكنهم، في ظل عجز تام للدولة عن تأمين أدنى متطلبات الحياة البسيطة لهم.
ومن جانب آخر ما زالت المرأة تعاني الكثير من العسف والاضطهاد والتمييز، بفعل التقاليد والأعراف البالية ووجود قوانين تمييزية ضدها. ومن ذلك ما حصل من فصل للطالبات عن الطلاب في المعاهد، وفرض الحجاب بشكل مباشر او غير مباشر، والاسوأ حين يتم ذلك باستخدام العنف، ويجري تحت ستار الدين. وثمة اضافة الى هذا، التمييز ضد المرأة في المشاركة السياسية وتسنم المناصب العامة. فضلا عن انها اصبحت ضحية للاستغلال والاتجار، وللعنف المجتمعي والنزاعات والصراعات الداخلية، وللتطرف والارهاب.
والمقلق أيضاً في شأن عدم سيادة القانون وعدم القدرة على تطبيقه، هو التوسع في تفسير الصلاحيات بما يتناقض مع مواد الدستور، فضلا عن التعامل الانتقائي للمتنفذين مع مواده واختيار ما يناسبهم واهمال البقية. كذلك التدخلات الفظة في شؤون القضاء والتأثير عليه وعلى قراراته، ومصادرة استقلالية الهيئات المستقلة، سواء من خلال بنائها على اسس المحاصصة ام في التدخل في آليات عملها.
ويقينا ان هذه المعطيات وغيرها الكثير، خاصة ما يتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والمدنية، تؤشر بالحاح ضرورة العمل على الغاء كافة القوانين والتعليمات التي تحد من التعبير عن الرأي والمعتقد، وتسعى الى حصر العمل النقابي والمهني في اطر محددة، ووجوب العمل من اجل استكمال بناء الدولة ومؤسساتها على أسس صحيحة، واقامة دولة القانون والمؤسسات الحقة، وإشاعة روح المواطنة والعدالة الاجتماعية التي تحمي المواطنين من الفقر والعوز.
ويقينا ايضا ان للرأي العام ومنظمات المجتمع المدني دورا في هذا كله، لا بد من ان تنهض به.
ان مسؤوليتنا كشيوعيين في هذا الظرف العصيب، هي الدفاع عن حقوق الإنسان الأساسية، وفي مقدمتها الحق في الحياة، وحمايتها وإشاعة مبادئها السامية، وبالأخص بعد هجوم داعش الإرهابي وأعوانه، وسعيه الى فرض قيم وتقاليد تناقض جوهر الإنسانية، وبعد ما فرضته تداعيات افعاله الوحشية من أثر نفسي ومعنوي عند العراقيين.

اصيبت الوظيفة العامة في بلادنا بخلل كبير، ارتباطا بالأوضاع العامة فيه وبمنهج وآليات ادارة الدولة، التي ورثت العديد من الاشكاليات من النظام المقبور، وزيد عليها ما زيد بعد التغيير. وقد افقدها ذلك الكثير من مزاياها وخصائصها، واضعف قدرتها على لعب دورها المرتجى في ادارة مؤسسات الدولة وفي ادائها مهامها، لا سيما تلك المرتبطة بحياة الناس مباشرة وبتقديم الخدمات لهم، او التي لها صلة بضمان الأمن والاستقرار، وانطلاق عملية البناء والاعمار.
ويبدو الخلل واضحا في الفوضى المنتشرة في مجموعة الانظمة والقوانين الناظمة والمؤطرة، والتعليمات المتقاطعة، والكثير منها وُضع او شرع ايام النظام المقبور. تضاف الى ذلك الاجتهادات غير المعللة والصلاحيات التي تمنح لهذه الجهة او تلك، او لهذا الوزير ومن بدرجته او ذاك.
ويفتقد اسناد الوظيفة العامة المعايير الواضحة والصريحة، كما يخضع للمحاصصة وللمحسوبية والمنسوبية، ولأغراض جمع المريدين، وللوساطات والرشى والاغداق على ذوي القربى. وقليلة هي الحالات التي يجري التعيين فيها عبر الاعلان واختيار الشخص المناسب للوظيفة المعلنة.
ومن النادر ان يوجد في دولة كم هائل من المناصب القيادية الرئيسة، المدنية والعسكرية، التي تدار بالوكالة، كما هو الحال في بلادنا اليوم. حيث تقدر نسبتها بأكثر من 80 في المائة، وشاغلوها يتعرضون طبعا، بحكم كونهم غير اصلاء، الى الكثير من الضغط والابتزاز، ويعانون بالتالي حالة من عدم الاستقرار.
ولم تفلح حتى الآن الدعوات المتتابعة المطالبة بتفعيل مجلس الخدمة العامة، بعد ان اقرّ قانونه، والسبب هو اصرار المتنفذين على بنائه هو ايضا وفقا للمحاصصة المقيتة. كما انهم لم يتفقوا على آليات تشكيله، كي يباشر عمله في تنظيم عملية اعداد الضوابط والمعايير للوظيفة العامة، ومراقبة تنفيذها بحيادية وشفافية، بما يتيح للمواطنين التقديم الى الوظيفة على وفق الكفاءة والتأهيل، وبما يوفر الفرص المتكافئة امام العراقيين جميعا، ليتنافسوا بحرية ومن دون تمييز لأي سبب او ذريعة.
ان تحقيق هذا الهدف سيتيح تحقيق جانب من العدالة الاجتماعية، وتفعيل مبدأ المواطنة، ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب، بدل الفوضى التي تعم ميدان التعيينات حاليا، وعلى مختلف المستويات.
ان استمرار الفوضى الراهنة في اسناد الوظيفة العامة، والتنكر للمعايير والضوابط السليمة في التعيين والادارة، لا بد ان يفضي الى المزيد من الترهل في مؤسسات الدولة، والى اضعافها وعدم تمكنها من اداء واجبها، وتفاقم البيروقراطية والفساد. فلا بد ليد الاصلاح من ان تمتد الى هذا المجال الحيوي، ضمن المنظور الشامل لذلك.

لا تتحقق الانتخابات النزيهة والعادلة وذات المصداقية الا بتوفر عدد من الشروط والمتطلبات، منها قانون انتخابات عادل، ومفوضية انتخابات نزيهة ومهنية ومستقلة قولا وفعلا، وضوابط تنظم الحملات الانتخابية وتفرض سقوفا ورقابة على الاموال التي تنفقها الكتل الانتخابية والمرشحون. ولا بد ايضا من اعتماد تعداد سكاني يوفر معلومات دقيقة وتفصيلية، تسمح باعداد سجلات وقوائم ناخبين سليمة وخالية من الاسماء الوهمية والتزوير، وعدم الاعتماد في ذلك على بيانات وزارة التجارة الخاصة بالبطاقة التموينية، والتي تعلن الاوساط الرسمية ذاتها انها غير دقيقة وفيها اكثر من مليوني اسم وهمي. والشرط الضروري الآخر هو التطبيق السليم لقانون الاحزاب، الذي شرع اخيرا بعد مطالبات دامت سنوات.
وعلى طريق الاعداد للانتخابات حان الوقت، انسجاما مع الصوت الشعبي المعارض والرافض للمحاصصة، لاعادة تشكيل المفوضية العليا للانتخابات ودوائرها في المحافظات واجهزتها المختلفة، على اسس جديدة تعتمد الكفاءة والنزاهة والمهنية، بعيدا عن المحاصصة وتدخلات الكتل السياسية، وبما يضمن حقا حياديتها وشفافية عملها وصدقيته.
وكانت المحكمة الاتحادية قد اتخذت قراراً في حزيران 2010 يقضي بعدم دستورية إسناد المقاعد الشاغرة للقوى الفائزة، وهو ما عدّ في وقته انتصاراً للحق والعدل، وان لم يأت القرار كاملا فيبطل ما ترتب على التعديل الذي أجراه مجلس النواب على قانون انتخاباته في حينه.
وعدل مجلس النواب قانون انتخابات مجالس المحافظات واعتمد نظام «سانت ليغو» في توزيع المقاعد، وهو ما عد منصفا الى حدود غير قليلة، ويستجيب لقرار المحكمة الاتحادية. ولقي إجراء مجلس النواب هذا ترحيبا واسعا بما افرز من نتائج أفضت في الواقع الى تحسن تمثيل القوى والأحزاب والكتل السياسية. كما انه وسع من المشاركة في تلك المجالس وابعدها عن نزعات الهيمنة والاستئثار والانفراد.
وقد صان التعديل المذكور والطريقة المعتمدة في توزيع المقاعد أصوات الناخبين وحقوقهم، وحالا دون الاستحواذ على مقاعد ليست من نصيب وحصة الكتل الفائزة التي أخذت استحقاقها كاملا. الا ان مجلس النواب عاد واستبعد هذه الطريقة العادلة، في قانون الانتخابات غير العادل الذي تبناه عشية اجراء انتخابات مجلس النواب في نيسان 2014. حيث جرى تعديل نظام « سانت ليغو» الاصلي وتحويله الى نسخة عراقية مشوهة، تضيّق مساحة التمثيل وتضع عقبات امام وصول المدنيين والديمقراطيين والمستقلين الى مجلس النواب.
ان اجراء انتخابات عادلة ونزيهة يتطلب تعديل قانون انتخابات مجلس النواب النافذ، ليعتمد الدائرة الانتخابية الواحدة لكل العراق والطريقة النسبية، والقائمة الوطنية الواحدة المفتوحة في بلدنا، التي نرى انها الانسب لنا وانها أرقى آليات الانتخاب وأفضل معبّر عن رأي شعبنا بكل مكوناته. وهي تنسجم تماما مع الرغبات والدعوات إلى إعمال مبدأ المواطنة ومغادرة المحاصصات، كما تسهم في تعزيز الوحدة الوطنية. فهي تسمح بأن يكون مجلس النواب ممثلاً لكل العراقيين ولمصالح الوطن العليا، مقابل تمثيل مجالس المحافظات سكان محافظاتها. كما تسمح لكل المكونات السياسية والدينية والقومية والمذهبية أن يكون لها حضورها في البرلمان. وهي، أيضا، تتيح الفرصة للكيانات السياسية سواء كانت أحزابا أو أفرادا للتقدم والترشيح للانتخابات.
إن هذه الآلية تجمع كل حسنات النظم الانتخابية، وتتيح التعبير عن آراء ومصالح كل الشعب العراقي، وليس فئة دون أخرى. وهذا عامل مهم يبرر ويدعم اعتماد الطريقة النسبية والدائرة الانتخابية الواحدة، وينسجم تماما مع التطلع الى عراق موحد، لا الى مصالح فئة أو طائفة معينة. يضاف إلى ذلك ان الطريقة النسبية وجعل العراق دائرة انتخابية واحدة هو الطريقة المثلى لتجسيد فكرة مشاركة المرأة بنسبة 25 في المائة.
بعد تجاربنا الانتخابية السابقة، حري بكل من يتطلع إلى حياة برلمانية دستورية ديمقراطية سليمة، والى ضمان استقرار البلد وأمنه وتقدمه وبناء مؤسساته ورقيها، أن يدعم التوجه إلى تبني قانون ديمقراطي، عصري، للانتخابات المقبلة لمجلس النواب، بالمواصفات سابقة الذكر وبما يحقق مصلحة الجميع ويضمنها ليس في راهن الحال فقط، بل وفي المستقبل أيضا.

تتواصل حالة الاستعصاء واستفحال الازمة العامة، وعجز القوى المتنفذة عن ايجاد الحلول والمخارج لها.
وقد ترك ضعف موارد الدولة المالية في السنتين الاخيرتين، اثره المباشر على قدرتها على سد الثغرات والنواقص البنيوية والخلل في الاداء، وانعدام السياسات والتخطيط والخطط الاستراتيجية ذات الرؤى الكاملة والواضحة. وقد انكشف الكثير من عورات المنهج المتبع، وازدادت درجات السخط والاستياء وامتدت حتى الى الشرائح الوسطى، مقابل تشابك مريب للسلطة ورجالاتها مع رأس المال الكبير وكبار الفاسدين.
ان الاوضاع المأساوية التي يمر بها البلد وادراك الناس بتجربتهم الخاصة حقيقة مشاكلهم، اديا الى مراكمة الوعي بالاسباب الحقيقية لمعاناتهم، وحفزا مجاميع كبيرة منهم على رفض هذه الحالة، والتحرك باتجاه التغيير.
ومنذ انتخابات مجالس المحافظات ومجلس النواب السابقة، اخذ العديد من قادة ورموز الكتل المتنفذة يدركون ان هناك تحولا في المزاج الشعبي، وان هناك ميلا الى عناوين الحياة المدنية. لذلك قامت كتلهم باجراء تغييرات في اسماء قوائمها الانتخابية مجاراة لذلك، لكن دون اجراء جدي وجوهري لتغيير المنهج والسلوك، فجاءت محاولة للتكيف لا اكثر.
واعلن البعض، على حين غرة، انه من دعاة الاصلاح. ولكن أي اصلاح، وما مداه؟ هذا هو السؤال.
عموما يمكن القول ان الامور لم تعد كما كانت، حيث تدفقت مياه جديدة وحملت معها الكثير من المعطيات والمتغيرات. وساهم الحراك الشعبي والتظاهرات والاعتصامات، واحتجاجات العديد من النواب، في تشديد الضغط لادراج الاصلاح عبر التغيير على جدول العمل.
وغدا الاصلاح والتغيير مطلب جماهير واسعة، يدفعها الحرص على انقاذ البلد مما هو فيه، وقطع الطريق على الاحتمالات السيئة، والتوجه نحو اقامة الدولة المدنية الديمقراطية كضرورة يفرضها تطور الاوضاع في بلادنا، والحاجة الى ضمان تطوره اللاحق.
ومن الواضح ان هذا لن يتحقق الا بتغيير موازين القوى السياسية لصالح اصحاب هذا المشروع ومناصريه وداعميه، وان الوصول الى ذلك يحتاج الى حشد طيف واسع من القوى الداعمة للاصلاح والتغيير.
ومن هنا فان على الشيوعيين العمل في حلقات ودوائر عدة، يتطلبها بناء ذلك الحشد والكتلة المدنية القادرة على تحقيق نجاحات ملموسة في الانتخابات القادمة لمجالس المحافظات ولمجلس النواب، ومضاعفة السعي انطلاقا منها الى بناء دولة المواطنة والديمقراطية الحقة على قاعدة العدالة الاجتماعية.
وهذا يتطلب مواصلة ضغط الحراك الشعبي والجماهيري السلمي، والسعي الى تنويع اشكاله وادواته ووسائله، والارتقاء بادائه، وتنسيق اهدافه ومنطلقاته وبلورتها، وتأمين وضوحها، الى جانب توحيد قياداته، والتحسين المطرد لاداء تنسيقيات الحراك، والتنسيق في ما بينها على صعيد كل محافظة، وعلى مستوى بغداد والمحافظات الاخرى.
وقد اشر الحراك الجماهيري والتحركات والنشاطات العمالية والفلاحية والطلابية، وغيرها من الفعاليات المطلبية والمهنية، دورا مهما للشباب، وكذلك للحركة النسوية، ما يتطلب الاهتمام بكل منهما والاعتناء بتنمية دوره، اضافة الى ما يمكن ان تنهض به منظمات المجتمع المدني وتلك المدافعة عن حقوق الانسان.
ويتوجب ايضا السعي الى الارتقاء بدور التيار الديمقراطي وقواه وشخصياته، وتوسيع وتطوير نشاطاته وعلاقاته باستمرار، واقامة الصلات ومد جسور التعاون والتنسيق مع قوى التحالف المدني الديمقراطي، ومختلف القوى والهيئات والشخصيات المدنية والديمقراطية.
وقد بينت التطورات الاخيرة على نحو جلي امكانية التعاون والتنسيق مع اطراف وطنية اوسع، بمن فيهم بعض الاسلاميين المعتدلين والمتنورين، ومع غيرهم ممن تعز عليهم مصلحة الوطن ويسعون الى انهاء ازماته والوصول به الى شاطيء الامان والاستقرار، وبناء تجربة ديمقراطية حقة وحياة مدنية في ظل دولة مؤسسات وقانون، تحترم حقوق الانسان وتسود فيها قيم العدالة والمواطنة.
ان هذا كله يلقي بمسؤولية خاصة على عاتق منظمات الحزب ورفاقه وعامة الشيوعيين، في الداخل والخارج، ليرتقوا بدورهم وادائهم، ويلتصقوا اكثر بالناس ومصالحهم ويدافعوا عنها، ويعملوا بدأب ونكران ذات على تحويل الحزب الى كيان فاعل دينامي، واسع الصلات مع الجماهير، يتمتع بالقدرة على التطور والتجديد، ويعمل باستمرار على تحسين ادائه السياسي والفكري والجماهيري والعلاقاتي والاعلامي، وصولا الى اداء دوره المنشود والمنتظر.
ان على كل هذه الطاقات والامكانيات المشخصة ان تنسق اعمالها وترتقي بها، وتجمع قواها وتوحد صفوفها. وهي انما تؤشر الطاقات النابضة في مجتمعنا، القادرة على ان تحفز الملايين من الناس على ادراك مصالحها والمبادرة والتحرك نحو تحقيق الانعطافة المهمة في سير الاحداث، لمصلحة مناصري وداعمي الاصلاح والخلاص من المحاصصة والفساد واقامة دولة المواطنة والديمقراطية والعدالة.

تحفل منطقة الشرق الأوسط بكم هائل من التطورات والصراعات، وتعاني اليوم عدم استقرار غير مسبوق، وتناميا خطيرا للنشاطات الارهابية. وقد فشل البعض من بلدانها في تلمس طريقه نحو اختيار انظمة الحكم بشكل حر وديمقراطي ووفقا لخيارات شعوبه، وبما يتيح بناء حياة تظللها الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتقدم والرفاه.
وبرزت في السنوات الاخيرة احداث وتطورات تركت آثارها على دول المنطقة وشعوبها جميعا، وادخلت هذا الجزء من العالم مجدداً في أتون الحرب، وما ينجم عنها من خسائر بشرية واضرار في البنى التحتية وتدمير لما عمرته وشيدته الشعوب بكدحها وثمار عملها.
وأظهرت الاحداث التي شهدتها بلدان العالم العربي في أعقاب الحراكات المجتمعية الجماهيرية الجامحة، التي انطلقت في اواخر 2010 واسقطت انظمة الاستبداد والفساد في تونس ومصر وليبيا واليمن، وتفاعلت تأثيراتها في بلدان عربية اخرى، عمق الأزمة البنيوية المستعصية التي تعيشها المنطقة، والحاجة الملحة والآنية لحلها ومعالجة آثارها، بكل أبعادها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية. كما بينت ان تلك الانتفاضات وعموم الحراك الجماهيري الواسع، ليس مؤامرة خارجية او دسيسة امبريالية، انما فرضته ارادة الشعوب المنطلقة من حاجتها الى الخلاص من المآسي والمعاناة متعددة الأوجه، والى العيش بحرية وكرامة متمتعة بثروات اوطانها وخيراتها المنهوبة من قبل تحالف قوى الاستبداد الحاكمة (ممثلي الفئات الطفيلية والبيروقراطية والكومبرادور) مع الشركات الاحتكارية الرأسمالية، والى بناء حياة جديدة، انسانية، وثقافة متطورة، تنسجم مع ما يشهده العالم من تقدم حضاري، علمي وتكنولوجي.
ان حالة الاستعصاء في العديد من الدول والمعاناة من ازمات الحكم، تعود أساساً الى نهج وسياسة الحكام ونهجهم اللاديمقراطي وفرضهم انظمة حكم دكتاتورية وفردية، تصادر الحريات وتحجب الحق في تشكيل الاحزاب وبناء المؤسسات الدستورية، التي تمكن المواطنين من اختيار حكامهم وممثليهم بحرية.
وهذا لا ينفي دور التدخلات الخارجية واستراتيجيات الدول الامبريالية ومساعيها الخبيثة الى ادامة حالة عدم الاستقرار تحقيقا لمصالحها، والى ابقاء هيمنتها على شؤون المنطقة والتحكم في مجرى التطورات فيها، وبما يبقيها ملتهبة ومجالا لتسويق اسلحتها وإدامة نفوذها. وهي خلال ذلك تدعم الحكام الموالين لها، وتواصل اسناد الغطرسة الاسرائيلية والتنكر لحقوق الشعب الفلسطيني.
ان ما حققته شعوب منطقتنا من انتصارات عبر انتفاضاتها الجماهيرية، ونجاح بعضها في الاطاحة بأنظمة فاسدة معادية لمصالحها، لقاء ثمن غال وتضحيات ومآثر كبيرة، وما نجم عن ذلك من انعطاف ديمقراطي، ان ذلك لم يرق لقوى الردة وفلول الانظمة السابقة، ولا لحلفائهم الامبرياليين، فسعوا موحدين لتحجيمه واحتوائه وافراغه من جوهره الديمقراطي - الثوري الاصيل. وقد استثمروا في ذلك مجموعة الثغرات والنواقص التي عانى منها الحراك الجماهيري، كتفشي العفوية وغياب التنظيم والوحدة الوطنية والقيادة الموثوقة والتحالف الواسع المتسلح ببرنامج واضح واهداف واقعية، على طريق تحقيق البديل المدني - الديمقراطي المنشود الذي تتحقق في ظله العدالة الاجتماعية. كما استغلوا نزوع بعض قوى الاسلام السياسي التي التحقت بالحراك وركبت موجته، وطموحها غير المشروع الى الهيمنة، وسلوكها المنفرد الهادف الى احتكار السلطة وقطف ثمار النصر لصالح المجاميع التي تمثلها، مما ادخل الحراك في أزمة.
ان تلك الهبات الجماهيرية، وإن لم تنجح في فرض تغييرات جذرية تستجيب لمطامح شعوب المنطقة، فإنها - انصافا - شكلت روافع لمواصلة العمل وتحفيز الجماهير المليونية على مواصلة الكفاح لتحقيق غاياتها وطموحاتها.
كما ان التغييرات الحاصلة أوجدت لوحة سياسية جديدة، وتبدلاً في موازين القوى على صعيد كل بلد، وفي المنطقة ككل. وهو ما بات ينعكس ليس فقط على احتدام الصراع حول شكل ومضمون النظام السياسي والاقتصادي الاجتماعي، الذي يحل محل الانظمة البائدة التي اسقطتها الانتفاضات الشعبية، وانما في مجمل الخارطة الجغرافية - السياسية للمنطقة.
وقد نجح بعض حركات الاسلام السياسي لفترة في القبض على مفاتيح السلطة، و ذلك ما حدث في مصر على يد حركة الاخوان المسلمين، التي اعتمدت تكتيكات مراوغة في التفاعل مع الموجة الثورية وركوبها، بعد ان كانت اقسام كبيرة من الحركات المنتفضة قد نأت عنها. وسعت القوى المتشددة والمتطرفة المذكورة الى قطف ثمار نضالات الجماهير، وفرض أجندتها الخاصة التي تضيق بالتعددية والديمقراطية والحياة العصرية.
لكن إرادة الشعب المصري وإصراره على التحرر من مختلف أنظمة الطغيان والاستبداد والاقصاء، تجلت بقوة في 30 حزيران 2013، عندما نزلت الحشود المليونية المنتفضة إلى الشوارع والساحات، في القاهرة والعديد من المدن الأخرى، وأعادت الى ثورة 25 يناير 2011 روحها، وأعلنت صراحة وقوفها في وجه مَن يحاول سرقة الحلم بحياة مدنية ديمقراطية حقة، تسودها الحرية والامان والاستقرار.
وكان من بين الدروس المهمة لما حدث في مصر، أن الحراك الشعبي جاء نتيجة لرفض النظام وعجزه عن طرح مبادرة تسمح بإخراج البلاد من أزمتها السياسية المستعصية، ومعالجة حالة الانقسام الحاد في المجتمع. كما أن وقوف الحركات المدنية والديمقراطية في صف واحد لمواجهة التحدي، كان عاملاً مؤثراً وسنداً قوياً لحراك الجيش والشعب.
وفتح التحول في مصر باباً جديداً للأمل امام الشعوب المناضلة للتخلص من التسلط والظلم، والراغبة في العيش الحر والكريم. وكان له تأثير مباشر على الوضع في تونس، حيث رضخت حركة النهضة الاسلامية لمطالب المعارضة وحركة الاحتجاج الشعبية، بأن تقدم الحكومة استقالتها لتحل مكانها حكومة كفاءات. وتم الشروع بحوار وطني أفضى الى صوغ دستور جديد وتنظيم انتخابات مبكرة.
وقد رحب حزبنا بالنجاح الذي حققته القوى الوطنية والديمقراطية واليسارية في تونس في انتخابات 2014، باعتباره خطوة مهمة على طريق تعزيز التجربة الديمقراطية وتحقيق اهداف الثورة التونسية.
من جانب آخر ضخت «انتفاضة القدس» زخماً جديداً في نضال الشعب الفلسطيني المتواصل ضد العدوان والجرائم الاستيطانية للمحتل الاسرائيلي، وضد سعيه الى القضاء على الطموحات الفلسطينية المشروعة في ظل استمرار الدعم المفتوح للاحتلال البغيض من قبل الولايات المتحدة الأمريكية ومحاولاتها الالتفاف على الحقوق الفلسطينية.
وقد أدان حزبنا بشدة جرائم الاحتلال الاسرائيلي، والعدوان المستمر على المسجد الأقصى ومدينة القدس، وسائرمناطق الضفة المحتلة وقطاع غزة، وجدد تضامنه مع نضال الشعب الفلسطيني، مؤكداً حقه في اقامة دولته المستقلة كاملة السيادة على ارضه في حدود الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس وضمان حق اللاجئين في العودة الى ديارهم. كما دعا الى تعزيز الوحدة الوطنية الفلسطينية الكفيلة بتصعيد المقاومة ضد الاحتلال والاستيطان الاسرائيليين.
وفي سوريا اتسع نطاق الأزمة وتشابكت عناصرها، ولم تبق في حدود حقوق ومطالب الشعب السوري العادلة في الاصلاح والحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية. فقد حولتها التدخلات الاقليمية والدولية المفضوحة، ومن أطراف عدة، الى مشكلة عامة تنذر بالخطر على جميع دول الجوار الاقليمي وعلى السلام العالمي. وهذا لا يتمثل فقط في قضية اللاجئين الذين يعدّون بالملايين، وانما بتدفق المسلحين على سوريا، من ارهابيين ومليشيات، من كل صوب وحدب، من دول الجوار ودول الاقليم البعيدة، ومن دول اوربية وغيرها، وتتجاوز اعدادهم عشرات الآلاف، فضلاً عن التدخل المباشر وغير المباشر، العسكري والسياسي والاعلامي، الذي لم يعد سراً على أحد، بل تبجحت به بعض الحكومات علناً. وهو ما وضع عموم المنطقة على طريق الانزلاق نحو حروب طائفية، وامام خيارات أخرى تنطوي على عواقب وخيمة على مصائر الشعوب وجماهيرها الكادحة، وانعكاسات ذلك على شعبنا وبلدنا.
وكان من أهم المستجدات على صعيد القضية السورية توصل الأطراف الدولية في اواخر العام الماضي إلى قناعة بأن داعش يمثل خطرا كبيرا لا على العراق وسوريا فقط، وإنما على العالم اجمع، وأن سياسات الاكتفاء باحتواء داعش ومحاولة جعله اداة توظف لاسقاط النظام في سوريا، ولممارسة الضغط على الوضع في العراق لصالح تمرير سياسات وخدمة مصالح معينة، قد باءت بالفشل.
ونتيجة لهذه القناعة وللدروس المستخلصة من التجربة الماضية، وربما ايضاً لما يمكن ان تفتحه عودة الأمن والاستقرار في المنطقة من آفاق وفرص للشركات العالمية التي تسيل لعابها المقاولات المتوقعة لاعادة الإعمار الضخمة للمدن المدمرة، تحركت مواقف القوى الدولية، وبشكل خاص الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إزاء سوريا، في اتجاه الاقرار بأن لا حل عسكرياً ممكناً فيها، ومن ثم التخلي عن الاشتراطات السابقة بازاحة الأسد من الحكم في المرحلة الانتقالية. وتم الاتفاق على أن تصبح الأولوية لضرب داعش والقبول بمساهمة روسية أكبر في الحرب ضد الارهاب، حيث كثفت روسيا مساعداتها العسكرية إلى سوريا وشنت طائراتها غارات مركزة على أهداف لمراكز قيادية للمنظمات الارهابية في عدة مواقع.
ولم يأت هذا التغيير في المواقف الدولية بمعزل عن شعور العالم بالقلق مما يجري في المنطقة، ولا عن الهجرة الواسعة الى اوروبا وضغطها الكبير. ومن المحتمل ان تمتد الصفقة الدولية لتشمل الشرق الاوسط بأكمله، واليمن وليبيا. وقد شجع على هذا وعلى المضي فيه، ما تحقق من انفراج عكسه توقيع الاتفاق النووي بين الدول الكبرى وايران، وما فرضه كخيار للحوار على الحرب والعنف.
ونحن في الوقت الذي نساند فيه حق الشعب السوري في الاصلاح والديمقراطية، نرفض وندين الاعمال الارهابية واللجوء الى العنف والتدخل الخارجي، وندعو الى الاستجابة لمساعي الأمم المتحدة في مؤتمر جنيف من اجل حل سياسي وسلمي للأزمة، يقوم على حوار وطني شامل يجمع كل القوى المناهضة للتدخلات الاجنبية والمنظمات الاصولية الارهابية ولمشاريع تفتيت البلاد، والحريصة على الوحدة الوطنية، من اجل تحقيق السلام والحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية للشعب السوري. اما شكل الحكم اللاحق فان الشعب السوري هو من له الحق في تحديده بما ينسجم مع مصالحه وتطلعاته الى حياة آمنة، وتمتعه بحقوقه وبالحريات الديمقراطية.
وشهد السودان في 2013 تفجر تظاهرات شعبية جراء تردي الأوضاع المعيشية لجماهير الشعب المكتوية بنار الغلاء والفقر. وتحولت تلك التظاهرات الى هبّة جماهيرية ضد طغمة البشير الحاكمة، شاركت فيها كل التنظيمات السياسية الوطنية والقوى الحية في المجتمع. وفي منتصف نيسان الماضي انطلقت تظاهرات طلابية احتجاجاً على قرار الحكومة بيع وخصخصة جامعة الخرطوم، فجرى قمعها بوحشية. وقد أدان حزبنا حملات القمع في السودان، وطالب باطلاق سراح المعتقلين، وجدد تضامنه مع نضال الحزب الشيوعي الشقيق وقوى المعارضة الوطنية السودانية الاخرى المناضلة ضد الدكتاتورية ومن اجل بديل ديمقراطي مدني.
وتواصل الحراك الشعبي وضغط الجماهير والقوى المدنية والديمقراطية في العديد من البلدان العربية الاخرى، من اجل انتزاع الحقوق وفرض ارادة الشعوب وبناء الانظمة الديمقراطية الحقة.
وعبّر حزبنا عن تضامنه مع القوى الديمقراطية في دول الخليج في نضالها لتحقيق اصلاحات ديمقراطية، ودعا الى وقف الاعتقالات والملاحقات السياسية التي استهدفتها، خصوصاً في البحرين والكويت والسعودية. كما أعلن تضامنه مع الشعب اللبناني في تصديه للارهاب ونضاله من اجل التغيير الديمقراطي، واستقبل اخيرا بارتياح التوافق الوطني المحرز بين الكتل والاحزاب السياسية اللبنانية، والذي توج باختيار رئيس جديد للجمهورية في خطوة اولى كبيرة الاهمية على طريق البحث عن حل لأزمة الحكم في البلاد.
وقد استرعى الاهتمام ايضا فوز ممثل القوى الاصلاحية في انتخابات الرئاسة الايرانية وتراجع نفوذ القوى المحافظة، وانعكاسات ذلك على علاقات ايران على الصعيدين الاقليمي والدولي.
وفيما تحتدم المعركة على الخيارات يبقى العديد من قوى القديم يقاوم ويرفض الخروج من مسرح الاحداث، رغم ما اقترف رؤوسه الحاكمون من مآس ومظالم، وما تسببوا فيه من خسائر بشرية ومادية. وان ما يحصل في اليمن هو مثال على ذلك. فبعد استعصاء الحل سلمياً حاولت اطراف معينة حسم المعركة لمصلحتها عن طريق القتل والعنف، وهذا بدوره قاد الى تدخلات عسكرية خارجية. وطبيعي ان شعوب المنطقة، وشعب اليمن بالذات، هم من يدفعون الثمن، وغاليا.
ان الحرب المجنونة الدائرة في اليمن والتدخل الخارجي العسكري يجب ان يتوقفا فورا، وان تستجيب كل الاطراف لمساعي الأمم المتحدة الى الجلوس حول طاولة المفاوضات والحوار، وتقديم التنازلات المتقابلة، والتوصل الى حلول سياسية تحمي اليمن من الضياع والتفتيت وتجنّب المنطقة ما هو أخطر. خصوصا وان الحرب قد تفتح الشهية لتدخلات اوسع من طرف دول الاقليم ومن خارجه، وهي المتحفزة على الدوام للاقدام على ذلك دفاعاً عن مآربها ومصالحها، وما تدعيه من سعي للحفاظ على أمنها الوطني الذي لا حدود له عند بعضها.
ان على القوى الخيرة في المنطقة واصوات الاعتدال، من دول ومنظمات واحزاب، ان تدفع في اتجاه عودة الحياة الطبيعية الى اليمن والى ليبيا ايضا، ووقف التدخل الخارجي في شؤونهما، وتمكين شعبيهما من بناء مستقبلهما وفقا لارادتهما الحرة.

وعلى خلفية هذه الاحداث والتطورات، تواجه قوى اليسار والتقدم والديمقراطية في المنطقة مهمة تعزيز مساهمتها في معركة التغيير السياسي الديمقراطي في العالم العربي، وإعلاء شأن قيم الاستنارة والعقلانية والديمقراطية والحوار في المجتمع. ولمواجهة هذه التحديات والنهوض بالمهام التاريخية، يتوجب التوصل بصورة جماعية، وعبر حوارات جادة وصريحة ومنفتحة ومبدئية، ذات طابع فكري وسياسي، إلى رسم التوجهات الاستراتيجية والتكتيكية الكفيلة بالارتقاء بوحدة عمل القوى اليسارية والديمقراطية، وتوسيع دائرة ائتلافاتها، لخلق موازين قوى مؤاتية لنضالها ولتحقيق مشروعها.
ان البلدان التي حدث فيها الحراك والانتفاضات، تمر في مجملها بمرحلة ذات طبيعة وطنية وديمقراطية، وتتمثل مهماتها في بناء دولة مدنية ديمقراطية وأنظمة دستورية تضمن الحريات الأساسية، وفي مقدمتها حرية التعبير والمعتقد والتنظيم، وترسي تداول السلطة سلمياً، وفصل السلطات، واعتماد سياسات اقتصادية واجتماعية تحقق التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية، التي تضمن الحياة الكريمة لشعوبها. ويتيح هذا التحديد لطبيعة المرحلة والمهمات، تبعاً لخصوصية وظروف كل بلد، تشخيص التناقضات الناظمة لها وترتيبها، وعلى أساس ذلك يتم رسم الاستراتيجية المناسبة لبناء التحالفات الضرورية للقوى ذات المصلحة في تحقيق هذه المهام.
ان تنامي دور ونشاط الحركات السياسية القائمة على الهوية، وفي مقدمتها الأحزاب ذات النهج الطائفي، ووصول بعضها إلى السلطة، يدفع في اتجاه إضعاف وتفكيك النسيج الوطني في العديد من البلدان العربية. وهو ما يلتقي موضوعياً مع مشاريع تفتيت دول المنطقة إلى دويلات تقوم على أسس طائفية ومذهبية وإثنية. إلا أنه رغم تردى اوضاع المنطقة وازدياد تشظي مجتمعاتها، لا تزال شعوبها تمتلك من الطاقات والقدرات ما يمكّنها من احباط هذه المشاريع. وطبيعي ان هذا يعتمد إلى حدٍ كبير على تغيير موازين القوى داخل كل بلد لصالح القوى المدنية والوطنية الديمقراطية.
وارتباطًاً بهذه التحديات، يتعين على القوى الوطنية والديمقراطية واليسارية والشيوعية، العمل الدؤوب على مواصلة الحوار واللقاءات على مختلف المستويات، وتوحيد نضالاتها على أساس برنامج محفز للنضال الجماهيري المثابر، تتجسد مفرداته في:
بناء الديمقراطية بأبعادها السياسية والاجتماعية، وضمان حقوق الانسان واحترام المؤسسات وترسيخ دولة القانون المدنية،
مكافحة وباء الطائفية والتصدي للإرهاب والتطرف الديني المنفلت («القاعدة» و»داعش» ومثيلاتهما)، وحليفهما: الفساد والنهب المنظم لثروات الشعوب من قبل القوى المحلية المتسلطة، والقوى الامبريالية وتوابعها وحلفائها،
ان الأمن والاستقرار حاجة حياتية لتطور شعوب منطقتنا، التي تعيش اليوم هذه الفوضى المصطنعة. فالفوضى لا تخلّف الاّ الفوضى.. ويصعب الحديث عن ديمقراطية وتنمية من دون أمن واستقرار، فيما تؤكد التجربة عدم إمكان معالجة التدهور الأمني بالأدوات العسكرية والامنية وحدها. فالأمر يحتاج في كل بلد الى خطة متكاملة ومتوازنة، بأبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والاعلامية،
ضمان العدالة الاجتماعية في توزيع الثروة، والاستثمار الوطني- العقلاني للثروات الطبيعية لصالح شعوب المنطقة، وتطوير قدراتها الانتاجية والخدمية المحلية، وحماية البيئة والادارة السليمة لملف المياه وما يواجهه من تعقيدات،
تطوير القدرات الاقتصادية لبلداننا باعتماد استراتيجية علمية اقتصادية متوازنة، تنهض بالزراعة والصناعة والخدمات الانتاجية، وتكرّس لها نسبة متصاعدة من موارد الثروات الطبيعية، خصوصاً الناضبة،
بناء علاقات سياسية - اقتصادية دولية ما بين بلدان المنطقة، على أساس التكافؤ والتعاون والاحترام والمنفعة المتبادلة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية،
مساندة الشعب الفلسطيني في انتزاع حقوقه الوطنية المشروعة، وفي مقدمتها حقه في تقرير مصيره واقامة دولته الوطنية المستقلة على أرض وطنه، وعاصمتها القدس، ضمن حدود 1967، وايقاف الاستيطان، وضمان عودة اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم وفق القرار الدولي 194،
معالجة حقوق القوميات المتآخية في بلداننا الشرق اوسطية، بما ينسجم مع الشرائع الدولية وحقوق الانسان، وضمان حقها في تقرير مصائرها،
السعي الدؤوب الى تحقيق الوحدة الوطنية، الديمقراطية، ووحدة قوى اليسار - الممثلة لمصالح اغلبية جماهير الشعب والمدافعة عن حقوق الكادحين - لاستقطاب القوى الحية، واستثمار طاقات الشباب المهدورة وتوظيفها في الإتجاه السليم، وتفعيل قدرات الغالبية العظمى من النساء، المعطلة والمهمشة حالياً،
العمل المتواصل على إشراك أوسع الجماهير في تقرير مصائرها والدفاع عن مطالبها وضمان مصالحها وانتزاع حقوقها، عبر النضال الواعي والمثابر والمنظم، وعلى أساس برنامج واضح الاهداف، واستراتيجية علمية متوازنة ملموسة وواقعية.

لا يزال العالم يعاني تداعيات وآثار الأزمة الاقتصادية والمالية التي عصفت بنظام الرأسمالية المعولمة في 2008، وكانت الأعمق منذ الازمة الاقتصادية الكبرى في ثلاثينات القرن الماضي. فقد تعمّقت الفجوة والتفاوت في الثروات والمداخيل ومستويات المعيشة على الصعيد العالمي وفي داخل كل بلد، بفعل تراكم الثروة والسلطة في ايدي فئة قليلة مقابل انحدار فئات وشرائح تزداد اتساعا إلى مستويات دون حدود الفقر، وانحسار مكانة وحجم الفئات الوسطى. وقد فاقم ذلك عناصر التوتر والصراع، وساهم في اشعال النزاعات والحروب في العديد من بقاع العالم، ومنها منطقة الشرق الأوسط. كما ادى الى تزايد النزعات العدوانية للدول الامبريالية، وهيأ تربة خصبة لانبثاق التيارات المتطرفة وتنامي تأثيرها ودورها المخرب، واتساع الهجرات الدولية والتهجير الداخلي. وذكرت المنظمة الدولية للهجرة في نهاية عام 2015، ان العالم يشهد اكبر حركة هجرة في التاريخ، حيث وصل عدد المهاجرين واللاجئين في العالم الى 250 مليونا. وقالت المنظمة ان عدد اللاجئين والمهاجرين الذين وصلوا برا وبحرا الى ست دول في الاتحاد الاوربي تجاوز المليون في عام 2015.
لقد سعى النظام الرأسمالي الى الخروج من أزمته وإنقاذ مؤسساته المالية والمصرفية من الانهيار والافلاس، عبر إلقاء عبئها ونتائجها الكارثية على شعوب البلدان الرأسمالية وشغيلتها، وقضم المكتسبات التي كانت قد حققتها عبر نضالات مريرة على مدى عقود، وذلك باللجوء الى برامج التقشف القاسية، وتجاهل ارتفاع معدلات البطالة، وخصخصة مؤسسات قطاع الدولة، وتفكيك انظمة الرعاية والضمان الاجتماعية، والهجوم على الحقوق النقابية والحريات العامة، وتكثيف استغلال الشعوب الاخرى.
والى جانب ذلك، تزايد الانفاق العسكري العالمي ليصل أعلى معدلاته في التاريخ، حيث بلغ حوالي 1,8 تريليون دولار في 2014، وفي عام 2015 بلغ 1,07 تريليون دولار، فيما بلغ الانفاق العسكري للولايات المتحدة وحدها 596 مليار دولار في عام 2015، اي ما يعادل 35 في المائة من الاجمالي العالمي. وانفقت الدول الاعضاء في حلف الأطلسي مجتمعة 920 مليار دولار، أي 51 في المائة من المجموع العالمي عام 2014. وكانت هناك زيادات كبيرة في منطقة آسيا: المحيط الهادىء (الباسيفيك) والشرق الأوسط، التي كانت مسرحاً رئيساً للحروب والنزاعات وميداناً للتنافس المحتدم على النفوذ.
وتمثل مسألة الاسلحة النووية إحدى القضايا التي تثير قلقاً متزايداً. ورغم ان الاتفاق النووي بين ايران والدول الكبرى، ومع الولايات المتحدة الامريكية على وجه الخصوص، فتح الباب لاخماد بؤرة للتوتر في منطقة الشرق الأوسط، وصولاً الى تحقيق الاتفاق النهائي بما يساعد على رفع العقوبات عن شعب ايران، فان استمرار الولايات المتحدة وحلفائها في الناتو في تطوير ونشر الاسلحة يمثل خطراً حقيقياً، خاصة وانه يشمل تطوير اسلحة نووية «ذكية». وذلك ما يهدد بتجدد سباق التسلح النووي، حيث تضطر بلدان مثل روسيا والصين وغيرهما الى الاعتماد على السلاح النووي كرادع وحيد.
ويفاقم هذه المخاطر التحول الاستراتيجي في الاهتمام الامريكي نحو منطقة آسيا - المحيط الهادىء الذي ينطوي على جوانب عسكرية وسياسية ودبلوماسية. وتعتبر «الشراكة العابرة للمحيط الهادئ» الاساس الاقتصادي لهذه الاستراتيجية الجديدة، وهي تشمل 12 دولة تمثل 40 في المائة من اجمالي الناتج العالمي. وقد وصفت هذه «الشراكة» بانها أكبر اتفاق تجاري في التاريخ. وهو واحد من عدة اجراءات اقدمت عليها الولايات المتحدة الامريكية لمواجهة اختلال تناسب القوى على الصعيد الاقتصادي العالمي لغير مصلحتها. وبالاضافة الى ذلك هناك الجهود العسكرية والدبلوماسية لتطويق روسيا الاتحادية والصين. وتشير التقديرات الى ان الصين ستخسر 47 مليار دولار من دخلها و57 مليار دولار من عائدات التصدير سنوياً جراء استثنائها من «الشراكة العابرة للمحيط الهادئ». كما ان من شأن هذه الاجراءات ان تلحق أذى كبيراً ببقية بلدان مجموعة «بريكس» (البرازيل، روسيا، الصين، الهند، جنوب افريقيا) التي حققت نمواً قوياً في اجمالي ناتجها المحلي وفي حصتها من اجمالي الناتج العالمي خلال الفترة بين 2008 و2014.
ورغم ما روّجت له وسائل الاعلام الرأسمالي من مؤشرات مفرطة في التفاؤل حول انتهاء الأزمة والخروج من الركود الاقتصادي، فان الأرقام والمعطيات تؤكد ضآلة معدلات نمو اقتصادات البلدان الرأسمالية المتقدمة، وهشاشة ما حققته حتى الآن.
فقد بقي النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة والاتحاد الاوربي بطيئاً جداً منذ ذروة الأزمة الاقتصادية العالمية في 2008 حتى 2014. وبينما استعاد اجمالي الناتج المحلي لبعض بلدان الاتحاد الاوربي، وبالأخص المانيا، مستوياته لما قبل الأزمة، فانه بقي بالنسبة الى الاتحاد الاوربي ككل ومنطقة اليورو أقل مما كان في 2008. وتخطى اجمالي الناتج المحلي للولايات المتحدة مستواه في 2008، ولكن حصته من اجمالي الناتج العالمي تراجعت من 25,2 في المائة في 2007 الى 22,4 في المائة في 2014. وتراجعت حصة الاتحاد الاوربي من الناتج العالمي بدرجة أكبر، من 30,7 في المائة الى 23,8 في المائة في 2014.
وفيما تتنافس المراكز الامبريالية المهيمنة للحفاظ على مصالحها الخاصة وتعزيزها على حساب بعضها، فانها تسعى الى اقتسام وإعادة اقتسام العالم في سباق محموم ومحفوف بالمخاطر، لتحقيق الأرباح والهيمنة على الموارد والأسواق.
وتمثل الأزمة البيئية العالمية إحدى السمات الأساسية للوضع العالمي الراهن، اذ تتعاظم مخاطر الكوارث البيئية الناجمة عن تزايد انبعاثات الكربون والاحترار العالمي وتغيرات المناخ الاخرى وإجتثاث الغابات وتلوث المياه والتربة وتهديد التنوع الاحيائي، وذوبان جليد القطب وارتفاع منسوب مياه البحر، وشح الغذاء. وهو ما أدى الى هجرة ملايين البشر هرباً من الأزمات البيئية في بلدانهم الفقيرة، وما يهدد بانتشار اوبئة وحدوث مجاعات وتفجر نزاعات وحروب. وكانت نتائج مؤتمر الامم المتحدة في باريس في 2015 بشأن تغير المناخ مخيبة لأنه لم يخرج بالتزامات ملزمة قانونياً للحد من انبعاثات الكربون، ولا بأي التزامات من الدول المتقدمة بتمويل خفض الاحترار المناخي وتطوير الطاقة البديلة والمتجددة ووقف إجتثاث الغابات، وغير ذلك من مطالبات الحركات والتظاهرات الاحتجاجية في ارجاء العالم باتفاقات ملزمة وتحرك عاجل لوقف التغير المناخي وتأثيراته على البيئة والطبيعة والصحة والأمن الغذائي والتنمية المستدامة. وهو ما تسعى حكومات البلدان الرأسمالية الغنية وشركاتها الاحتكارية الى عرقلته، لأنه يحول دون تعظيم أرباحها وتعزيز نفوذها وهيمنتها.

رغم تصاعد نشاط ومواقع قوى واحزاب اليمين الليبرالي الجديد في امريكا واوربا وتنامي قوى العنصرية والفاشية والتطرف فيها، فإن حركات التحرر الاجتماعي والسياسي وقوى السلم وحقوق الانسان والديمقراطية تتنامى هي الاخرى ويتزايد دور احزابها ونقاباتها ومنظمات المجتمع المدني فيها، فيما تعجز وتفشل الوصفات والاجراءات الترقيعية والجزئية عن معالجة جذور الازمة سواء على الصعيد العالمي او الاقليمي او المحلي.
وردا على المعاناة والحرمان والجور والتهميش، انتعشت حركات الشعوب الاجتماعية والنزعات التحررية المعادية للاستبداد والدكتاتورية ولسياسات الليبرالية الجديدة والتبعية للامبريالية، ومن اجل الديمقراطية وحق الشعوب في تقرير مصائرها، ومن اجل التنمية الاقتصادية والتقدم الاجتماعي. وتجلى ذلك في معظم البلدان، وإن بصور متفاوتة وسمات متباينة، في المزيد من وحدة قوى اليسار والتعبئة الجماهيرية، بأشكال من النضال متنوعة، من التظاهرات الجماهيرية الى الاضرابات العامة، الى تنظيم الحملات عبر وسائل الاتصال الاجتماعي.
ففي اسبانيا والبرتغال واليونان وايطاليا تواصلت الاضرابات العمالية التي قادتها النقابات وقوى اليسار وشارك فيها طيف واسع من الحركات الاجتماعية، احتجاجاً على البطالة المتفشية وخضوع الحكومات لاملاءات صندوق النقد الدولي والمفوضية الاوروبية والبنك المركزي الاوروبي. وفي المقابل أدت سياسات التقشف وإفقار السكان الى انتعاش اليمين المتطرف وبروز تنظيمات فاشية جديدة وصعود ممثليها الى برلمانات بعض البلدان، مما دفع قوى اليسار الى التحذير من مخاطرها والتحرك لمواجهتها وتعبئة الرأي العام لدحرها.
وفي اليونان، التي كانت من اكثر البلدان تضرراً من الأزمة المالية والاقتصادية العالمية، حققت قوى اليسار انتصاراً انتخابياً غير مسبوق في مطلع 2015، حيث احتل حزب اليسار موقع الصدارة، فيما حصل حزب باسوك الاجتماعي الديمقراطي على أسوأ نتيجة انتخابية في تاريخه بعد ان حكم اليونان مدة تقارب 20 عاماً. وفي وقت لاحق استجاب 61 في المائة من المشاركين في استفتاء عام الى نداء حزب اليسار وصوتوا بـ «لا» لسياسة الابتزاز والإملاء التي تتبناها القوى المتنفذة في منطقة اليورو والمراكز المالية العالمية. وفي ايلول الماضي، حقق الحزب انتصاره الانتخابي الثالث خلال أقل من عام، ليؤكد فشل سياسة الإبتزاز والحرب الإيديولوجية التي اعتمدها انصار الليبرالية الجديدة، لإسقاط تجربة اليسار اليوناني.
وفي اسبانيا، استطاعت تحالفات اليسار ان تحقق المواقع الأولى في العاصمة مدريد وفي كبريات المدن الاخرى، وأن تحرز نجاحات كبيرة في انتخابات مجالس البلديات والأقاليم التي جرت في 2015، متقدمة على القوى التقليدية التي هيمنت على المشهد السياسي في اسبانيا منذ عودة الديمقراطية في البلاد عام 1975. وحقق حزب الشعب اليميني الحاكم في اسبانيا في هذه الانتخابات أسوأ نتائجه منذ عام 1991. الا انه افلح رغم ذلك في تشكيل الحكومة الاسبانية الجديدة، وهي حكومة اقلية برلمانية، مستثمرا عدم تمكن القوى اليسارية من توحيد مواقفها، ومعتمدا على دعم ضمني من يمين الحزب الاشتراكي، الذي نجح في غضون ذلك في الاطاحة بالقيادة اليسارية للحزب، والسيطرة عليه بدلا عنها.
وفي البرتغال خسر التحالف اليميني الحاكم اغلبيته البرلمانية في الانتخابات العامة التي جرت في تشرين الأول 2015. وجاء حزب «كتلة اليسار»، الذي يعد الفائز الحقيقي في هذه الانتخابات ثالثاً، فيما حل التحالف الديمقراطي المتحد، الذي يمثل الحزب الشيوعي البرتغالي قوته الرئيسة، ويضم الى جانبه حزب الخضر، رابعاً. وبذلك حققت قوى اليسار الجذري، كلاً على انفراد، تقدما لافتا في الانتخابات. وتمكنت هذه القوى في البرلمان البرتغالي من الاطاحة بحكومة اليمين التي تشكلت بعد الانتخابات، ودعمت حكومة بديلة بزعامة الحزب الاشتراكي من دون المشاركة فيها، وهي ذات برنامج يتضمن التراجع الجزئي عن سياسات التقشف الصارمة، وزيادة الحد الأدنى للرواتب، والغاء التخفيضات في رواتب العاملين في القطاع العام والمتقاعدين وبعض الزيادات الضريبية.
وفي اليابان نجح الحزب الشيوعي في تحقيق افضل نتيجة له منذ 20 عاماً تقريباً، وذلك في انتخابات مجالس البلديات التي جرت في نيسان 2015، حيث رفع عدد مقاعده من 80 الى 111 مقعداً. وفي انتخابات مجالس 17 مدينة كبيرة، استطاع الشيوعيون زيادة مقاعدهم من 107 الى 136 مقعداً. وبذلك احتل الحزب المرتبة الثالثة في خريطة القوى السياسية في اليابان التي تشكل القوة الاقتصادية الثالثة في العالم.
وفي المانيا، تمكن حزب اليسار للمرة الثانية من الاحتفاظ بالموقع الثالث في البرلمان الاتحادي في الانتخابات التي جرت في ايلول 2013.
وفي تشيكيا، حيث جرت في 2013 انتخابات برلمانية مبكرة في أعقاب فضيحة فساد كبرى، عاقب الناخبون تحالف اليمين الحاكم، فيما جاء الحزب الشيوعي التشيكي في الموقع الثالث بحصوله على 16 في المائة تقريباً (مقابل 11,27 في المائة في الانتخابات السابقة)، وهو ثاني اكبر نجاح انتخابي يحققه الحزب منذ انهيار التجربة الاشتراكية في 1990. وعكست هذه النتائج معاناة الشعب تحت حكم الأحزاب اليمينية، التي هيمنت على المسرح السياسي غداة قيام الجمهورية التشيكية (بعد تقسيم تشيكوسلوفاكيا السابقة) أوائل التسعينات.
وفي تركيا، تمكن حزب الشعوب الديمقراطي، وهو تحالف يضم الحركة التحررية الكردستانية وقوى يسارية تركية، من الحفاظ على تواجده في البرلمان في الانتخابات المبكرة التي شهدتها تركيا في مطلع 2016، واحتل المرتبة الثالثة في البرلمان بحصوله على 60 مقعداً رغم القمع الدموي والتضييقات التي تعرض لها. وحقق الحزب الشيوعي التركي نجاحات لافتة في الانتخابات رغم عدم دخوله البرلمان بسبب قانون الانتخابات. وكان الرئيس التركي اردوغان قد قرر اجراء انتخابات مبكرة بعد ان خسر في الانتخابات السابقة الأغلبية البرلمانية المطلقة التي كان يتمتع بها، وفشل في الحصول على أغلبية الثلثين التي تمكنه من تغيير الدستور وفرض نظام رئاسي يصبح من خلاله الحاكم المطلق لتركيا. وتمكن حزبه، حزب العدالة والتنمية الإسلامي المحافظ، من استعادة الأغلبية المطلقة بعدما لجأ اردوغان الى إلغاء عملية السلام مع حزب العمال الكردستاني لاجتذاب اصوات اليمين القومي الفاشي عبر سياسته العدوانية ضد الشعب الكردي وقوى اليسار واتسعت هذه الممارسات خاصة بعد الانقلاب الفاشل في تركيا واعتقال الالاف وابعاد آلاف اخرين عن الخدمة في مؤسسات الدولة ومنها الجيش والامن والقضاء، وكذلك من الصحفيين والمثقفين واساتذة الجامعات.
وفي اندونيسيا حققت الحملة التي نظمها الناجون من مذابح 1965 نجاحا متميزا في السعي الى رد الاعتبار الاخلاقي للضحايا حيث اعتبرت تلك المذابح جرائم ضد الانسانية.
وفي اوكرانيا حدث تطور معاكس، حيث تم حظر نشاط الحزب الشيوعي بموجب قرار من محكمة استئناف العاصمة كييف في كانون الأول 2015، وحرمانه من الترشيح والمشاركة في جميع السباقات الانتخابية في البلاد. وبذلك حققت وزارة العدل، في محاولتها الثانية، هدفها المتمثل في إخراج الحزب الشيوعي وجميع قوى اليسار من الحياة السياسية، بعد إقرار البرلمان الأوكراني قانون «اجتثاث الشيوعية» سيئ الصيت.
وفي امريكا اللاتينية، حيث كانت الامبريالية على مدى سنين طويلة في موقف دفاعي بفضل الانتصارات التي حققتها قوى اليسار، ولعبت فيها الثورة الفنزويلية دوراً حيوياً في تحفيز المبادرات الاجتماعية التقدمية والمعادية للرجعية، شكلت نتائج الانتخابات البرلمانية التي جرت في فنزويلا في كانون الأول 2015 هزيمة كبيرة للتحالف اليساري الحاكم. وبعد ستة عشر عاما من الانتصارات الانتخابية المتوالية، عاد اليمين المعارض الى الواجهة ليحصد ثلثي مقاعد البرلمان الوطني. وكان من العوامل الأبرز المؤثرة في نتائج الانتخابات، الانخفاض الشديد في اسعار النفط الذي يمثل المورد الأساسي للميزانية، بالاضافة الى اعمال العنف التي قامت بها أوساط يمينية معارضة، والتخريب الاقتصادي الذي مورس بشكل منظم بدعم من الولايات المتحدة وحلفائها في بلدان الجوار.
وبعد التطورات الاخيرة في البرازيل، اصبح واضحاً ان ما حدث في فنزويلا يأتي في إطار هجوم واسع يشنه اليمين في أمريكا اللاتينية بدعم واسع من الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها، لإسقاط حكومات اليسار في بلدان القارة.
فقد تم عزل رئيسة البرازيل اليسارية ديلما روسيف بعدما صوت مجلس الشيوخ على احالتها الى القضاء. علما ان التهمة الموجهة اليها لا علاقة لها بملفات الفساد، وتتلخص في القيام بمناقلات في أبواب الموازنة من دون علم البرلمان، لغرض سد بعض الثغرات وتقليص العجز. وكانت الحكومات السابقة قد لجأت إلى نفس الأسلوب من دون ان تتعرض الى مساءلة قانونية. وجاءت الهجمة التي تعرض اليها التحالف اليساري الحاكم، الذي تبنى برامج اجتماعية استفاد منها الملايين وقلصت الفقر بنسب عالية، على خلفية حالة الركود الاقتصادي التي دخلتها البرازيل. وقد فضحت قوى اليسار تواطؤ اليمين الفاسد، الذي حقق عبر «انقلاب برلماني» اهدافه التي لم يتمكن من تحقيقها عبر صناديق الاقتراع. وتتواصل حركة احتجاج جماهيرية تساهم فيها النقابات العمالية وحركات اجتماعية ضد هذا الانقلاب.
وفي الارجنتين عاد اليمين المحافظ الى السلطة في تشرين الثاني 2015، بعدما استطاع مرشحه الفوز في الجولة الثانية لانتخابات رئاسة الجمهورية بفارق ضئيل على مرشح تحالف اليسار الحاكم. ومنذ تسلم الرئيس الجديد مهام منصبه بدأ هجوما واسعا في سياق ما يسمى «سياسة المراسيم» على المكتسبات الاجتماعية والقوانين التقدمية النافذة، التي شرعتها حكومة اليسار السابقة. ولمواجهة هذا الهجوم شهدت الأرجنتين حركة احتجاج واسعة شاركت فيها النقابات العمالية والحركة الطلابية والحركات الاجتماعية وقوى اليسار السياسية.
ورغم الانتكاسة في فنزويلا، فان الحركات المعادية للامبريالية لا تزال قوية في امريكا اللاتينية. وقد قوبل بالترحيب الاتفاق التاريخي الذي تم التوصل اليه بين كوبا والولايات المتحدة في كانون الأول 2014 ومهّد لتطبيع العلاقات، لينهي بذلك خمسين عاماً من سياسة الحرب الباردة، الفاشلة واللاإنسانية. وكانت الاوساط الاكثر رجعية في الدوائر الحاكمة في الولايات المتحدة قد عارضت بقوة هذا التغيير، وتعهد جميع المرشحين الرئاسيين للحزب الجمهوري بالغاء خطوات التطبيع مع كوبا في حال فوزهم في الانتخابات الرئاسية.
وفي كولومبيا اسفرت المفاوضات التي استمرت عدة سنوات بين الحكومة والقوات الثورية المسلحة (فارك) بوساطة كوبية، عن انتصار كبير تمثل في توقيع اتفاقية سلام بين الجانبين. وعلى رغم الرفض الذي لاقته الاتفاقية في الاستفتاء الشعبي الذي اجري بعد ذلك، بسبب صراع الارادات والمصالح في البلاد، تتواصل الجهود لوضع صيغة معدلة للاتفاقية تقبلها الاطراف المعنية، وتفتح الطريق اخيرا لتحقيق السلام والاستقرار.
يحدث هذا كله في امريكا اللاتينية وارجاء العالم الاخرى، فيما حقق المرشح الجمهوري دونالد ترامب، على نقيض كل التوقعات، الفوز في انتخابات الرئاسة الامريكية. وقد اثار ذلك مخاوف مشروعة لدى اوساط واسعة داخل الولايات المتحدة وعلى صعيد العالم، وبات الجميع يترقبون بقلق عرض الرئيس الامريكي الجديد برنامجه السياسي ومباشرته خطواته الملموسة.

لقد أثبتت التجربة التاريخية، والحديثة منها على وجه التحديد، ان القوى الامبريالية رغم امتلاكها وتحكمها بمصادر وأدوات قوة سياسية وعسكرية واقتصادية هائلة على الصعيد العالمي، ليست كلية القدرة في فرض ارادتها وتمرير مشاريعها ومخططاتها المعادية لمصالح الشعوب وتطلعها الى السلام والحياة الحرة الكريمة، اذا ما استطاعت قوى التقدم توحيد وتعبئة قواها وحشد طاقاتها على أسس وأهداف ومشاريع سياسية تستجيب لمتطلبات المرحلة، واعتماد قواعد واطر وأساليب عمل مناسبة.
وتقف قوى اليسار في منطقتنا اليوم امام تحديات النهوض بدورها وفاعليتها في التأثير على عملية بناء التحالفات المجتمعية والسياسية، الضرورية لتعديل موازين القوى لمصلحة المشاريع الوطنية الديمقراطية المدنية، وإقامة انظمة حكم وطنية ديمقراطية ذات أفق اشتراكي، تمثل بديلاً عن الأنظمة التابعة.
ان ما تم تأشيره من تطورات على صعيد المنطقة والعالم، ومن انعطافات كبيرة وتغيرات جيو- سياسية واعادة اصطفاف في العلاقات السياسية، يضعنا امام مهمة ملحة عاجلة لإعادة ترتيب اوضاعنا الداخلية، وتعزيز الوحدة الوطنية، وتفعيل المؤسسات الدستورية، وحل الأزمات القائمة، ومعالجة المشاكل المزمنة. فبذلك نضع البلد على الطريق السليم الذي يجنبه النتائج السلبية وكل ما يؤذي شعبنا ووطننا، والذي يؤهلهما الى مواجهة المستحقات والتحديات الناجمة عن هذه التطورات، واستثمار زخمها لتعزيز البناء الوطني، وضمان إسهام العراق الايجابي في بناء علاقات اقليمية ودولية سليمة، متكافئة ومتوازنة لمصلحة الجميع، وتهيئة الظروف المناسبة لتقدم بلادنا وتحقيق الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

في الظروف الراهنة التي يمر بها وطننا وشعبنا تنهض امام حزبنا ومنظماته ورفاقه جملة من المهام الملحة، ومنها:
- تعزيز امكانيات الحزب وقدراته، والاهتمام بمنظماته وترقية دورها على مختلف الصعد، وتحسين الاداء، وتوسيع صفوف الحزب وتوطيدها، واقامة شبكة واسعة من العلاقات مع جماهير الشعب، على اختلاف منحدراتهم الاجتماعية والقومية والدينية، وتعزيز الصلة بالتحشدات الجماهيرية في المدينة والريف، وفي مواقع العمل والسكن والدراسة.
- العمل على ادامة زخم الحراك المدني والشعبي، وتوسيع صفوف المشاركين فيه والانفتاح على مختلف القوى والاحزاب والتجمعات والتنسيقيات، والسعي الى ايجاد المشتركات معها وفي ما بينها، وبلورة الشعارات وترتيب الاولويات، وتقديم الدعم والاسناد والمشاركة الفاعلة في حشد طيف واسع مساند للاصلاح، يسعى الى اصلاح النظام السياسي والقضائي، والخلاص من المحاصصة، ومكافحة الفساد والفاسدين، وتوفير الخدمات والحياة الكريمة الآمنة اللائقة للمواطنين جميعا.
- المشاركة الفاعلة في جهود محاربة الارهاب وداعش، وتقديم مختلف اشكال الدعم لمعركة شعبنا الوطنية هذه، من اجل تحرير اراضينا ومدننا من شرور الارهاب.
- الانحياز الى الناس وتبني مطالبهم والدفاع عنهم، وتوسيع الانشطة والفعاليات الجماهيرية، ومساعدة منظمات المجتمع المدني والاتحادات والمنظمات المهنية والنقابية على القيام بدورها في الدفاع عن حقوق منتسبيها، وتحقيق المطالب العادلة للعمال والفلاحين والكادحين وعموم شغيلة اليد والفكر.
- المساهمة الفاعلة في تقوية التيار الديمقراطي وتعزيز العلاقات التحالفية في اطاره، وتنشيط تنسيقياته والعمل المشترك مع الاطراف الاخرى، وابراز دوره من خلال الفعاليات الجماهيرية والندوات، والمشاركة في النشاطات المطلبية والحراك الجماهيري، والمساهمة الفاعلة في توسيع الصلات مع القوى والشخصيات المدنية والديمقراطية.
- الانفتاح على الفضاء الوطني واقامة الصلات والعلاقات والتنسيق والتعاون مع مختلف القوى والشخصيات، التي يجمعنا معها ادراك ضرورة الاصلاح الشامل ومكافحة الفساد والخلاص من المحاصصة والتصدي للارهاب ومنظماته الشريرة.
- العمل على التحضير للانتخابات القادمة لمجالس المحافظات ومجلس النواب، وتصعيد حملة المطالبة بقانون انتخابي جديد لمجلس النواب وباعادة تشكيل المفوضية العليا للانتخابات على اسس الكفاءة والمهنية والحيادية، ومراجعة نظام التصويت الخاص، والاستعانة باشراف دولي فاعل، والتعجيل في تطبيق قانون الاحزاب.
- المساهمة في رعاية ومعالجة قضايا النازحين والمهجرين، وحث الحكومة ومختلف المنظمات ذات العلاقة على تقديم المساعدة وتوفير ظروف العيش اللائقة لهم حتى عودتهم الى ديارهم، وايلاء الاهتمام الكافي لاعادة الاعمار في المناطق المحررة من قبضة داعش الارهابي.
- تكريس الاهتمام والعناية الفائقين لدور الشباب والنساء، وتنميته، وتطوير اسهامهم في النضالات المطلبية والحراك الشعبي.
- العمل على تطوير النشاط في اوساط المثقفين، وفي المجال الثقافي عموما، وتوسيع وادامة العلاقات التقليدية مع هذا الوسط المهم والحيوي، وتنشيط دوره في ترقية الوعي الاجتماعي وتنميته في الاوساط الاجتماعية والشعبية، وفي عملية بناء دولة المواطنة والعدالة الاجتماعية.
- اعتماد الوسائل السلمية والدستورية في التصدي لمحاولات التضييق على الممارسات الديمقراطية وتقزيمها، ولمصادرة وانتهاك حقوق الانسان والحريات العامة والخاصة وحرية التعبير عن الرأي، ولمنع الناس من التمتع بحقوقهم المكفولة دستوريا، وممارسة الارهاب الفكري تحت حجج وذرائع مختلفة.
- دعم وتشجيع تبني سياسة خارجية مستقلة وفاعلة للدولة، تسعى الى اقامة افضل العلاقات مع دول الجوار والعالم على اساس التكافؤ والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
- توسيع دعم الخارج ودائرة التضامن مع شعبنا والقوى والاحزاب المدنية والديمقراطية، في نضالهم المتواصل لدحر الارهاب والفساد، وبناء دولة المواطنة والديمقراطية والمؤسسات والقانون والعدالة الاجتماعية.

من الحزب