/
/

الظاهرة الصحية الجديدة التي تتشكل في الواقع السياسي العراقي، على هامش التحضيرات الجارية للانتخابات البرلمانية في آيار القادم، المتمثلة ببروز توجهات ونوازع لكسر قيود الاطر الفرعية الفئوية التي قامت عليها المحاصصة الطائفية - العرقية والتي كبلت البلاد على مدى اربعة عشر عاماً عجاف، اربكت اصحاب مشاريع الطائفية السياسية والعصبوية القومية.

 واخذت هذه الظاهرة تحوز، يوماً بعد يوم على الترحيب الشعبي حيث بدأت تشق طريقها لتؤسس لثقافة جديدة قوامها تقبل الآخر ودفع القوى السياسية للبحث عن مشتركات برنامجية من اجل اعادة بناء دولة القانون والمجتمع المدني .

تحالف سائرون بين الشيوعيين وقوى ليبرالية ومدنية اخرى مع الصدريين ممثلين بحزب الاستقامة، شكّل اختراقاً جريئاً للتفكيرالتقليدي الذي لايتصور امكانية التقاء طرفين ايديولوجيين يُفترض بهما ان يكونا متناقضين على برنامج خدمة وطنية مشترك لعموم الشعب على اساس وطني ديمقراطي.

كما ان سعي قوى ومواطنين كرد للترشيح في قوائم مختلطة أثنياً غير قوائم الاحزاب القومية المتنفذة فتحت بدورها كوة في جدار الانعزال القومي الذي دأبت على اعلائه احزاب التعصب القومي ودعاة الانفصال المتنفذة في اقليم كردستان العراق.

ربما كان من ابرز تجليات هذا التحول هو ترشح النائبة الحالية عن الاتحاد الوطني الكردستاني " آلا الطالباني " مع كيان انتخابي عربي لخوض الانتخابات القادمة وكذلك اعلان النائبة عن حركة التغيير " سروة عبد الواحدة " عن ترشحها ضمن قائمة رئيس الوزراء " قائمة النصر " ثم انسحابها منها لأسباب بعيدة عن الاعتبارات القومية، يعبر عن توصل السيدتين الى قناعة بضيق الوعاء القديم وضرورة التحرر من ربقته في خضم بحثهما عن خدمة وتمثيل افضل لشعبهما وقوميتهما....

 وعلى نفس هذا المسار تتوجه قوى سياسية اخرى مثل " التحالف من اجل الديمقراطية والعدالة - برهم صالح " و " حزب الجيل الجديد - شاسوار عبد الواحد ".

لقد اثارت هذه الأختراقات على روّادها ردود افعال غاضبة حادة من قبل اعداء التغيير من الفاسدين، ليس اقلها التكفير للشيوعيين والخيانة للساعين للتغيير من الكرد.

 وبينما ووجهت دعوات امام قناة " آفاق " الشيخ عامر الكفيشي التكفيرية ضد الشيوعيين والعلمانيين، بردود فعل رافضة ومطالبات بمحاكمته، فأن اتهامات الخيانة القومية  ضد شخصيات ومنظمات كردية لم يمتثلوا لنزوات انعزاليي الاقليم، بقيت بدون ردع مناسب يتناسب مع عظم التهمة التي لا تقل خطورة عن تكفيريات الكفيشي.

 ولأن مثقفي الاقليم يعيشون هاجس الخوف من القمع والاتهام المجاني بالخيانة القومية، كان على المثقفين والشخصيات الوطنية ومنظمات مجتمع مدني من خارج الاقليم والتي هي في مأمن من اضطهاد سلطات الاقليم الامنية، ان تنهض بمهمة التضامن والدفاع عن كل من يتعرض للتهديد بسبب مواقفه المناهضة للانعزال والكره القومي.

يمكن ارجاع هذا التهاون، حسب اعتقادي الى ثلاثة اسباب:

 الاول : ان نواب البرلمان العراقي والبعض من الناشطين في المجال الثقافي خارج الاقليم يرون في تخوين زملائهم شأناً داخلياً يخص الاقليم. لاسيما وان مثقفي الاقليم واعلامييه آثروا، في فترة سابقة، الانعزال عن باقي المثقفين العراقيين بدعوى خصوصية السمات القومية او استقلالية الكيان الاداري عن اطراف العراق الاخرى.

 ثانياً : ان البعض الآخر من هؤلاء المثقفين، كما يُنقل، يستلمون اموالاً من احزاب الاقليم المتنفذة الغنية لتشتري سكوتهم وتضمن تأييدهم ( على شاكلة مثقفي كوبانات نفط النظام البائد ).

 وثالثاً : القسم الآخر، هم مثقفو احزاب الاسلام السياسي في المركز الذين لا يودون التدخل، لما لسلطات الاقليم عليهم وعلى قياداتهم من ملفات فساد تدينهم فيما لو احتجوا انتصاراً للكرد المنتفضين على سلطة القمع الفكري في الاقليم.

اما الآن وبعد فشل مساعي عزل الشعب الكردي وفعالياته السياسية عن محيطها الوطني، فأن التضامن المتبادل بين قوى التغيير في اقليم كردستان كما اطراف العراق الاخرى، اصبح واجباً وضرورة ملحة للجم كل دعوات التكفير والتخوين ومقاضاة مطلقيها بأعتبارها جرائم ضد حرية الرأي والمعتقد، وبث للكراهية والتعصب وخرق للدستور والقانون.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل