/
/
/

الفرد الذي يعيش طيلة حياته في بيئة مغلقة ، يظل خاضعاً للتنويم الإجتماعي في كِبَره الى مماته ( لمحات إجتماعية – د. علي الوردي )

التخلف الفكري

كما وضحنا في الحلقات السابقة أن الحقبة العثمانية هي نواة بداية التخلف والإنحطاط الإسلامي بعد إن كان رائداً خلال حكم الدولة العباسية . والسبب هنا يعود الى تغلغل الموروث الإسلامي الآسيوي الرعوي (الإسلامبدوي) بقيم التخلف الإقتصادي والفكري والقانوني ، الذي إعتمدت على خلط العلوم الطبيعية بالفكر الديني . فقد أصبح علماء الطبيعة في الطب والرياضيات والكيمياء والفيزياء وحتى علماء الإجتماع خاضعين بكل نتاجاتهم العلمية والفكرية والعقلية لرجال الدين وقضاتهم ووعاظ سلاطينهم . وظل المسلم أسير هذا الكهنوت وخاضع لسطوته وجبروته ، فأصبح عاجزاً عن تفكيك وإزالة بنية العقل المحافظ الذي أدى به الى التخلف الفكري .

 في القرن الخامس عشر الميلادي ، أخترع العالم الألماني غوتنبيرج أول آلة كاتبة ، وكان الإنجيل أول كتاب يتم طباعته عام 1455 م . وبعد حوالي ثلاثين عاماً من إنتشارها في أوروبا ، أصدر سلطان المسلمين وخليفتهم في اسطنبول فرماناً ( قراراً ) رسمياً يمنع إستخدام المسلمين للآلة الكاتبة ، خوفا على طلاب العلم من ترك النَسْخ بإيديهم الذي يستفيدون منه في الإستذكار والقراءة والحفظ ، وخوفاً على القرآن من التحريف ، وبعد هذا الفرمان ، قام مفتي الدولة العثمانية بإصدار فتوى بتحريم إستعمال الآلة الكاتبة الجديدة ، وتكفير من يقدم على الطباعة . فتأخرت الطباعة بسبب هذا القرار والفتوى التي لحقته عن العالم الإسلامي لمدة تزيد عن المئتين سنة ( أكثر من قرنين ) .

وفي بداية القرن العشرين عام 1914 كان مجلس ( المبعوثان ) العثماني يريد أن يناقش جباية الضرائب ، وكان جزء منها خصص للأئمة الذين يقرأون كتاب البخاري للأحاديث النبوية في البواخر ، فنهض الشاعر العراقي الفيلسوف جميل صدقي الزهاوي وكان حينها نائباً عن بغداد ، صارخاً : { إننا نعرف أن البواخر تسير بالبخار لا بالبخاري ، فلماذا لا تُنفق تلك الواردات على نشر التعليم ليتقن الناس إستعمال البخار ما دام هو الذي يسيّر البواخر ، بدل أن ننفقها على قراءة كتاب البخاري الذي ليس له في تسييرها منفعة }  وبعد ان إنتهى من كلامه " ضج المجلس وكال له المتدينون ألفاظ الكفر والإلحاد ، وهجم بعضهم عليه يريدون ضربه " (1) . أنا جئت بهذين المثالين كدليل على خوف المسلمين وخشيتهم من أي جديد ، سواء كان أختراعاً أو أكتشافاً أو نظرياً أو فكرياً .

فالجمود الفكري يتفشى في المجتمعات التي يهيمن عليها فكر المقدس النابع من تقاليد الميت والموروث الماضوي ذو العقلية البدوية الرعوية الذي سيطر على الفكر الديني ، هذا الفكر أصبح بمرور السنين أن يكون هو دين الإسلام ، وتتفرع منه شرائعه المختلفة ، وما على المسلمين إلاّ الطاعة والجهاد في سبيله والفوز بيوم الآخر ، وما الدنيا إلاّ " عفطة عنز " . وهنا على المسلم أن يلغي عقله الدنيوي المتنوّر للحياة ، ويبدله بعقل آخر ليس عقله بل أتى به غيره ليمارس الوصاية عليه، ويتحكم به كيفما يشاء ، ويوجهه حيثما يشاء نحو عالم الغيب والقضاء والقدر ، وعلوم القبور والجن والشياطين وما يحدث في الظلام والكهوف ، ليطير بمخيلته الى (السماء السابعة) تاركاً وراءه الحياة الدينا بكل ما فيها من علوم وملذات ومتعة وقلق  .

 فبقيت حياة المسلمين ثابتة لا تتغيّر من قديم الزمان الى الآن  " لأن العقل الفقهي الإسلامي لا يزال يرى ذاته مالكة للحقيقة المطلقة المتعلقة بالمقدّس ، وتصدر عنه في قضايا الشرح والتأويل " (2) لما يخص كل مفاصل الحياة ( الروحية ) التي تحدد مصير المسلم يوم الآخر ( القيامة ) ، والويل والثبور لكل من يحاول مخالفته أو نقده أو المساس به ، لأن الإختلاف في نظر هؤلاء الفقهاء هو جسم غريب في جسد المقدّس يستدعي التحريم والتجريم فالتكفير وينتهي بهدر الدم . ولا ثمة رأي هنا يحمي رجال الدين المتنورين والعقلانيين الذين يحاولون كسر الحواجز والأسوار والسدود الفولاذية التي طوقت العقل وكتبلته ، وألغته بالكامل ، فتحول الإنسان المسلم الى مقلِّد تابع مطيع ، يمشي كفرد من أفراد القطيع الى حيث لا يدري ، ولا يرى أمامه سوى عتمة القبور وأنواع التعذيب فيها ، وإفلام الرعب لقصص ( كتاب الكبائر ) لمخرجين ذوي عمائم متعددة الألوان ، كفوئين يجيدون الإخراج والسيناريوهات ، عجزت (هولي وود) عن إنتاج أفلام تضاهي ما أنتجته عمائم المسلمين من أفلام الرعب التي تم تصويرها داخل القبور ، كأفلام وثائقية يرعبون بها المشاهد المسلم ، وتصور له حالة الهلع بين الموتى من قسوة التعذيب والعذاب ، من دخول القبر الى يوم الحساب .

مما قدمناه ، ومن جراء الصور المرعبة التي أنتجتها مراكز الفقه الإسلامي بالتعاون مع السلطات الحاكمة التي على ضوئها كُبِّل العقل وألغي دوره ، نتج عنها التخلف الفكري والجمود العقائدي . وإلاّ ، ما تفسير أن هناك أمة إسلامية عظيمة في وزنها الرقمي العددي ، يزيد تعدادها عن المليار إنسان ، ولكن لا قيمة لهذا الوزن ولا يساوي شيئاً أمام الشعوب المتقدمة علمياً وتكنولوجياً وحضارياً . فالتخلف الفكري هو السبب الأرأس في التخلف الإجتماعي والإقتصادي والسياسي . ولا يمكن لأية أمة مهما كبر عددها أن ترى النور ، إذا لم تتخلص وتقضي على أسباب التخلف الفكري .

والقضاء على التخلف الفكري ، لابد أن يكون بالتنوير والرجوع الى العقل والتجربة والشك والإنفتاح الى العالم الأوسع والرحب ، ولكن كيف يتم ذلك ، والمسلمون يصطدمون بمشكلة في مفهوم النور والتنوير ، لأن المفكرين الإسلاميون وفقهاء الإسلام عندما يتكلمون عن مفهوم التنوير " يذهبون مباشرة الى أنوار الإيمان وهدايات الإسلام ، ولا يعترفون بالتنوير بمفهومه الحداثوي العصري ، ويرفضونه على الأغلب بحجة أنه مفهوم أوروبي ويشكل خطراً على الإسلام ، ولا يبعدون شبهة التآمر على الأمة الإسلامية ، وتسميم عقول المسلمين" (3) .

وكأن الله كتب على المسلمين أن يحافظوا على تخلفهم الى يوم الدين .. فلماذ كل هذا الخوف والتخوف من كل جديد يأتي من خارج الإطار الإسلامي ، وما الذي جعل المسلمين يعيشون في تردد وهلع وخشية من التقارب مع الشعوب الأخرى التي سبقتهم بمئات السنين من التطور العلمي والتكنولوجي ؟ فالجواب هنا ،لأنهم يخشون التجديد في الأفكار ، ويفضلون الطوباوية في التفكير ، ليحلّقوا بعيداً الى السماوات ، وينشئون في مخيلتهم مُثُلاً ، ويسعون لتحقيقها وهي بعيدة المنال أو بعيدة جداً عن الواقع الذي يعشون فيه.

فالانحطاط لا يزال قائماً، ثم جاءت له الموجة الجديدة بتعزيز التخلف عبر التدين الجاهل والتقليد ألأعمى ، أو بسبب الاستنزاف المميت، لثقافة سطحية وانقسامات مذهبية طائفية ذات صراعات همجية، يغذّيها الاستبداد أو جهل المسلمين ، ما أدى الى غياب صناعة الفكر الجديد نتيجة لحجم الفراغ والأزمة، التي يعيشها العقل المسلم . أي أن التنظيم الاجتماعي الإسلامي الرعوي الخاضع لمعايير التقاليد القبلية البدوية يكون في العادة أكثر تأخراً من الناحية العلمية والتكنولوجية ، وأكثر إنغلاقاً على العالم الخارجي، وأقل إنغماسا في قضايا التعليم ، وأقل واقعية في التفكير . وقد إختصرها الدكتور علي الوردي : الحياة البدائية المحافظة يسودها التقليد ، بينما نرى الإبداع يسود حياة المدنية .

فالدين الإسلامبدوي يؤسس مجتمع محافظ لا يستطيع أن ينتج المدنية ، وإنما ينتج مجتمعاً متخلفاً ، لأن هكذا مجتمع قد تعود على الكسل والبلادة والترهل ، والقَدَر يُسيّر شؤون حياته اليومية ، على مبدأ ألإمام الشافعي الذي يقول :

دع الأيـام تفعـل مـا تشــاءُ               وطـب نفسـاً إذا حَكـمَ القضــاءُ

الهوامش :

1 –  البواخر تسير بالبخار لا بالبخاري – مقال للباحث رشيد الخيون

2 - الإسلام كبديل ....   الدكتور مراد هوفمان ( الماني صار مسلماً )

3 -  سبب انحطاط المسلمين وتخلفهم .... المفكر الإسلامي د. شكيب أرسلان

ولكنني أنطلق دائماً من أن الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح، كفانا مديحاً لأنفسنا، كفانا أن نقول : نحن خير أمة، وكفانا أن نقول : نحن أطهر أمة (1)

من التنوير الى الظلامية

شهد العصر العباسي أو الخلافة العباسية ( 750 م – 1514 م ) نهضة حضارية عظيمة وحركة فكرية رائدة في شتى الميادين ، يعود سببه الى الإنفتاح الواسع للشعوب والمجتمعات الأخرى وإحتكاكها المباشر معها ، فتلاقحت الثقافات التي أتاحت للمسلمين التعرف على منهج علمى جديد يعتمد على الفكر ثم التجربة . فقد إنفتح  العرب والمسلمون على مدارس الفكر اليونانى والفلسفة الصينية والهندية والأمم الأخرى. وتم تعريب المصادر اليونانية ، وقامت عليها حركة علمية حقيقية احترفت التدوين وركزت على الفلسفة بمفهومها العام في ذلك الوقت ، اى الفلسفة العقلية والطب والعلوم الطبيعية وماوراء الطبيعة مع علوم الشرع. وانتجت هذه الحركة العلمية علماء تفخر بهم الحضارة الاسلامية، نذكر منهم : جابر بن حيان ، يعقوب بن إسحاق الكندي ، أبو نصر الفارابي ، حُنَين بن إسحاق العبادي ، البيروني ، أبن سينا ، الحسن أبن الهيثم ، الخوارزمي ، الرازي ، أبن رشد وأبن النفيس وغيرهم الكثير . وتُعتَبر الحقبة العباسية الطويلة هي عصر التنوير والعمل والإبداع ، والإعتماد على العقل والتجربة ، خصوصا فى مجالات الطب والعلوم الطبيعية . حتى فقهاء الدين وقت ذاك نجحوا بإزاحة الغشاوة التي خيمت عليهم أيام الخلافة الأموية ، وأتيحت لهم مساحة واسعة من التفكير والإبداع ، فظهرت الإجتهادات الفقهية المختلفة التي على إثرها ظهرت المذاهب في الإسلام .

والخلافة العباسية لا تعتبر أمتداداً للخلافة الأموية فقد أختلفت عنها في كثير من الأمور ، أهمها : أن الأمويين إعتمدوا في حكمهم على العصبية العربية والفكر القبلي ، في حين أن العباسيين قاموا على مبدأ المساواة بين العرب وغير العرب ، فنجد الموالي صاروا يتولون المناصب الكبيرة في الدولة على قدم المساواة مع العرب . كما أن الأمويين إنشغلوا بالفتوحات لتوسيع رقعة خلافتهم ، بينما إنشغل العباسيون وتفرغوا للدراسات والعلوم والمعارف بصورة كبيرة ،ولقي العلماء تشجيعاً كبيراً من الخلفاء ، وبنوا لهم المدارس ودور العلوم والترجمة منها ، دار الحكمة والمدرسة المستنصرية .   

إذا كيف ولماذا تأخر المسلمون الذين كانوا في المقدمة ، وتقدم عليهم من كان في المؤخرة ؟

بدأ المسلمون بالشعور بالتخلف أواخر الفترة العباسية ، هي نهاية الإستقرار وبداية الإنحطاط الذي إستفحل خلال حكم الأتراك العثماني . فالحقبة العثمانية طورت قيم التخلف الإقتصادي والفكري والقانوني والديني بالموروث البدوي الإسيوي ، لتمتد هذه العتمة الى يومنا هذا بسبب أنظمة الحكم الإستبدادية التي توالت بعد الخلافة العثمانية، ودخول بلدان العالم الإسلامي عصر الاستعمار, ثم الدولة ذات الطابع الشمولي ودكتاتورياتها التي إعتمدت على وعاظ الدين لقمع شعوبها وإذلالهم بالمقدّس. ولم يتوقف الإحساس بالتخلف عند هذا الحد ، بل شمل جميع مناحي الحياة، وعلى وجه الخصوص، الاقتصادية و السياسية و العسكرية، لكنه أخذ شكلاً غير عادي عندما أخذ فيه شعور مزمن بالنقص يتركز في الجانب التكنولوجي والعلمي ، ولقد كان لهذا التركز آثاراً جمة مازال المسلمون تحت وقعها حتى هذه الساعة.

وسيستشيط غضباً الإسلاميون والمتأسلمون الجدد عندما نواجههم بحقيقة حال المسلمين الذين طُوِقوا وأُسِروا بكماشة من التخلف الذي امتد لعدة مئات من السنين ، كانت أشدها ظلامية وعتمة هي فترة الخلافة العثمانية التي إعتمدت على خلط العلوم الطبيعية بالفكر الديني ، وهيأت لهذا الشأن فقهاء وقضاة وأئمة للإفتاء مهمتهم رصد الفلاسفة وعلماء الطبيعة والمبدعين ، ومحاصرتهم كي لا يبتعدوا بعقولهم أبعد من عقل الفقهاء  والمشرعين الذين كانوا " يحشون العقول بالروايات المنقولة من فلان عن فلان عن النبي محمد " (2) أو عن هذا الإمام أو ذاك ، ويغلفوها بغلاف المقدس الذي بدوره يلغى العقل . فالعلوم الطبيعية لا قيمة لها أمام العلوم الشرعية ، ولهذا تُعَد المجتمعات الإسلامية من أكثر المجتمعات تخلفاً و فقراً على صعيد التكنولوجيا، إنها الحقيقة التي يجب أن يعترف بها الجميع ، فما زالت الفجوة التكنولوجية والعلمية بيننا و بين الغرب والدول المتقدمة الأخرى في اتساع مرعب ومستمر. 

 فالمسلمون وخاصة العرب منهم ، عندما إستيقظوا على أصوات مدافع الغرب في بداية القرن العشرين ، وجدوا أنفسهم متأخرين عنهم اربعمائة عام . ولكن قبل أن يستعدوا للنهوض من جديد بعد إن تخلصوا من العتمة الثعمانية ، جاءتهم ضربة قوية على الرأس من الإستعمار البريطاني الجديد الذي أعتمد على تكريس الجهل ولو بشكله الأخف من الفترة العثمانية ، إلاّ إنه كان ومازال من أهم أسباب تخلف المسلمين اليوم ، لأن البريطانيين اعتمدوا على أنظمة تجيد إنتاج التخلف باعتمادها على الدين .

من المعروف أن العالم الإسلامي الذي يتكون من أربع وخمسين دولة ، من ضمنها أثنين وعشرين دولة عربية ، غالبيتها أنظمة دكتاتورية إستبدادية ، وبما أن الإستبداد ينتج التخلف ، فلابد لشعوب هذه الدول أن تعيش تحت وطأة الجهل واللاعقل - لا رغبة منها وإنما فُرِض عليها ، عن طريق برامج ومشاريع تقوم بها هذه الأنظمة لإعادة إنتاج التخلف وإستمراريته وحمايته . " أن المسلمين مازالوا فى تأخرهم بعد عدة «صحوات إسلامية» زعموا أنهم بدأوها فى نهاية الخمسينات من القرن العشرين، ومازالت مستمرة لأكثر من ستين سنة، عادوا بها إلى السلف الصالح، والتربية الدينية والنقاب والحجاب واللحية والجلباب والجهاد وهجرة المفاسد العصرية " (3) ويكاد الكلام فى الدين والفقه والشريعة يغلب كل ماعداه من كلام،، بل إن دعاة هذه الصحوة صاروا أصحاب سلطة شرعية، أو سطوة مفروضة بالسلاح على عدد من الدول الإسلامية ،وقد تميّزوا هؤلاء الدعاة الإسلامويين عن غيرهم بفساد السلطة ودمويتها . فـ ( الصحوات الإسلامية ) أصبحت هي العائق لنهضة وتقدم العالم الإسلامي ، لأنها فرضت على المجتمعات الإسلامية أن تعيش طيلة حياتها في بيئة منغلقة تظل خاضعة لقوانين ما يسمى بـ ( إجماع الأمة ) وهذه القوانين تضع تفكير الإنسان المسلم في قوالب معينة يصعب الخروج منها .

ففي العالم الإسلامي توجد جيوش من التتر سُمِح لها أن ترفع رايات الجهل لتجعل من العقل سلاحاً محرّمْ إستخدامه ، وهذه الجيوش تتكون من فقهاء الدين وتلامذتهم الذين تستخدمهم الإنظمة الإستبدادية كعصي غليظة تضرب بها شعوبها التي تحاول التحرر من إستبدادها ومن سطوت الدين الإسلامبدوي الذي " يريد أن يطفئ كل مصابيح الإستنارة ، أو الفكر ، أو ألتفكير ، أو إعمال العقل " (3)

الهوامش :

1 -  سبب انحطاط المسلمين وتخلفهم .... المفكر الإسلامي د. شكيب أرسلان

2 – سبب واحد لتخلف المسلمين  ... علي ابو جواد – منشورات العهد

3 – الإرهاب والفتنة الطائفية  ..... الدكتور رفعت السعيد

قال شاعر الحكمة جميل صدقي الزهاوي :

قال : أترك المعقول ، لا تعمل به        حتى يؤكد حكمه المنقولُ

قلت: أترك المنقول ، لا تعمل به        حتى يؤكد حكمه المعقولُ

إغلاق العلوم العقلية

" في الفكر الديني يكون العقل نسبي ، وبما إنه نسبـي فيجـب أن يكـن تابـع للنـص الدينـي المطلـق ، ولا يخرج عن هذا الإطار " (1). يعنى هذا أن العلوم الطبيعية تكون محدودة ولا قيمة لها إذا لم تدخل بإطار النص الديني المطلق المنزل من السماء المغلف بهالة المقدس . والنـص المقـدس إلاهيـاً لا يمكـن تحكيـم العقل به لأن العقل نسبي إذا ما قارناه بالنص الديني المطلق ، وحسب الفكر الديني ، أن يخضـع النسبـي للمطلق، يعنى ذلك إلغاء العقل أمام النص الديني المقدس . ولهذا أصبح المسلم مقلِّـد تابع مطيـع لما يأتي به مشايخ الدين من فتاوى تكون أحياناً خارج تغطية العقل ، أو مضادة للعلم ، كرفضهم دوران الأرض أو إختراق الفضاء وغيرها من الإكتشافات العلمية التي لا تتفق مع الفكر الديني . ففضّلوا أن يبقى الفكر الديني وخطابه ولغته وطريقته متكلّساً مترهلاً منغلقاً ألف مرة عن أن تناله يد التجديد أو تطالـه بواعـث التحديث والعقلنة .

بينما نرى العالم المتحضر يسرع نحو التقدم العلمي والتكنولوجي ويخصص له أموال طائلة في سبيل أن نبقى بشراً ، وبينما الكل يرهق نفسه وعقله سعياً لمزيد من التقدم والرقي .. نجد العالم الإسلامي يفرض غبارة سوداء كي تحجب عنه الأبصار والبصيرة ، وتدخله في ضلام وعتمة تقوده الى مزيد من التخلف واللاعقل ، ويُطلى العقل المسلم بمثل هذه الغشاوة والجهالة التي تحرمه حتى من التفكير  وحق الإنتقاء ، وحتى رفض ما هو مرفوض بطبعه ، ليتم تحصين العقل المسلم ضد العلم والإستنارة ، حيث غلـب طبـع المسلمين على قبول التطبع والتطبيع ليس من أجل التطور والرقي بل مـن أجـل صد كـل ريــاح التغييـر السياسي والإقتصـادي والإجتماعـي والثقافـي ، وتغليـب القدامة علـى الحداثـة ، وتغليـب التعليـم الدينـي المتحجر الظلامي على التعليم المتنور المتجدد دائماً . لقد غلب ( التأسلم البدوي ) ومنهج الرعوية على العقلانية .

 وعلى أصوات دوي مدافع تكنولوجيا الإنترنت وشبكات التواصل الإجتماعـي إهتـز المسلمـون وإنتبهـوا أثناء يقظتهم المفاجئة بأنهم متخلفون عن العالـم الآخـر بمئـات السنيـن . وإذا مـا حـاول البعـض منهـم أن ينهض من جديد ليلحق بركب المجتمع البشري المتقدم والمتحضر ، نرى البعض الآخر المتزمت بالنص المقدس يستميت لرد الإعتبار بإعادة المخزون التقليدي الماضوي ليعرقل طموح الجيل الجديـد للحداثـة ، لأن الحداثة في نظرهم هي إختراق غربي للإسلام وإبعـاد المسلميـن عـن دينهـم وتقالـيده التـي يجـب أن يحافظوا عليها ويجاهدوا من أجلها لنيل رضى الله والفوز باليوم الآخـر { والآخـرة خير لـك من ألأولى } سورة الضحـى.  

 ولهذا بقي وضع المسلمين على نفس الحال منذ 1400 سنة وليومنا هذا دون أن يتقدموا خطـوة واحــدة،  وإذا أتيحت لهم الفرصة أن يتقدموا ، تبدأ نيران الشتائم على الغـرب الكافـر ، ويلصقـون به شتـى أنـواع التهـم ، ويُرجعون الى تأثيراتها جميع المفاسد والقبائح والكبائر ، كما ينددون بالتأثيـرات (الهدامة) الآتيـة مـن ذاك الغرب الذي " أستبدل الروحانية الربانية بالمادة " (2) وهي العقل وإبداعاته .

إعادة إنتاج التخلف  

المحنة الكبرى تتمثل فيما ينتشر في مجتمعاتنا العربية والإسلامية عامة من مناخ ديني لا عقلاني متخلف شبه أسطوري لا صله له بالواقع الذي يعيشه المجتمع البشري اليوم ، ولا بدعوته للتعقل والتدبر والتفكير ، ولا بمراجعة الذات . فأصبح القيمون على الدين الإسلامي مصدراً من مصادر نشر اللامعقول " بتعبئة دينية مجردة إطلاقية يغلب عليها الطابـع الإنفعالـي " (3)  يشحنـون بهـا المجتمعـات الإسلامـي البسيطـه عاطفياً ، ويغيّبون عن أبنائها الحلول الموضوعية لمشاكلهـم الحقيقيـة ومعاناتهـم اليوميـة والعراقيـل التـي تقـف حائـلاً دون رؤيـة مستقبلهـم . فتراهـم يفرضـون آراءهـم الأصوليـة الجامـدة المتعصبـة الإقصائيـة بإستـخدام النـص الديني المقدس الذي لا يمكن المسـاس أو التحــرش بـه . وللتعويـض عـن ذلـك يلجـأون الى الجنوح للخرافة والشعوذة والقضاء والقدر ، لأن العلـوم العقلية فـي نظرهـم لا تنفـع ولا تفيد المسلـم أمام العلوم الشرعية ، لذلك نراهم يحاربـون المدارس المدنية وأساليـب التعليم الحضاري وكل ما له صله بالحداثة، فأصبحت المدارس والجامعات فـي البـلدان العربيـة والإسلاميـة مؤسسـات ذات منهـج الملالـي للتعليم التلقيني الببغاوي الذي يستخدم للذاكـرة القصيرة ، وحالمـا ينتهي فصل الدراسة يتبخر ما فوراً كل ما تعلموه خـلال الأثنـي عشـر سنـة أو أكـثر ، ويذهـب تعبهـم أدراج الريـاح . وهـذه الجامعـات يتخـرج بها سنويـاً آلاف الشبـاب ، ليجـدوا أنفسـهم أما بالشـوارع عاطلين عن العمل أو موظفين فـي الدوائر ذات الإدارة المتخلفـة والبدائيـة ، التي تعتمد على ذهنيـة التحريـم وتكبيـل العقـل المفكـر مـن ناحيـة ، وســوء إعـداد البرامـج التنموية العلمية لتطويرهؤلاء الدارسين فكرياً ومهنياً لما تتطلبه الحداثة والعصرنة ، من ناحية أخرى .

وأنا على يقين بأن هذا التخلف في مجتمعاتنا لم يأتي بشكل عفوي بل هو مخطط لـه ومبرمـج بمـا يتـلاءم ومصالح الدول المتقدمة التي من مصلحتها أن تكبر المسافـة بينها وبيـن الـدول ذات المجتمعـات الغارقـة بالتخلف والتي إذا أردنا أن نجمّل صورتها ممكن أن نطلق عليها مصطلح " البلدان النامية " .

 "لاحظوا ازدياد بناء المؤسسات الدينية من جوامع ومعاهـد ومدارس طائفيـة أكثر بكثير مـن المؤسسـات العلمية والتقنية والبحثية ، فهـذا لم يأتي عفوياً أو من فـراغ " (4).. وكذلـك فتح عشرات محطات التلفـزة الفضائية لبث الشعوذة والتخريف ذات البرامج الهابطة ، يقابلهـا صفـر مـن المحطـات العلميـة والتربويـة العصرية الحضارية ، وهـذا أيضاً ليـس عفوياً أو جاء من فراغ .. طباعة الكتب التافهة والمتدنية الملوثـة والمخربـة لعقـول الأطفال والشباب وتوزيعها مجاناً أو تباع بأقل من تكلفتها ، لم يأتي هذا عفوياً .

  وبما أن مفتاح التجديد والتغيير والتطور هو الوعي ، إذاً لا بد مـن عرقلـة سعـي الشعـوب الإسلاميـة المتخلفة لإكتشاف أسباب تخلفها عن طريق إعادة إنتاج التخلف بما يتناسب مع مصالح الـدول المتقدمـة التي نجحت بتوسيع الهوة بين الطرفين ، معتمدةً على الإسلام السياسي ، وتكوين أنظمـة حاكمـة مستبدة تابعـة لها وقادرة على تخدير شعوبها الى الحد الذي يجعلها تستميت للدفاع عن تخلفها بحجة أن الإسلام في خطر .

الهوامش :

1 – كيف نواجه التحديات – د. أحمد عصيد

2 – محاضرة للشيخ يوسف القرضاوي

3 – ذهنية التحريم – د. صادق جلال العظم

4 – الإرهاب والفتنة الطائفية –  اد. رفعت السعيد

يتبع الحلقة الثالثة

تهميش المرأة

يمكننا القول إن مرحلة التحديث والحداثة التي دخل فيها المسلمون تصادمت وبعض التيارات المحافظـة، والتي رفضت التنازل عن بعض الملامح التقليدية داخـل المجتمـع الإسلامـي، وخاصـة المطالبـة بحقـوق المرأة ومساواتها مع الرجل وأن تأخذ مكانتها في المجتمع. فهذه التيارات المحافظة والمتعصبة لم تستسغ أو تستوعب هذه التحولات، وطالبت بالحفاظ على أنماط السلـوك التقليديـة . لأن الحداثـة تتطلـب إصـلاح النظام التربوي على أساس مفهوم الحرية وليس على نظام التقليد البائد الذي همش المرأة في كل مجالات الحياة ماعدا شؤون البيت كآلة للتفريخ وخادمة للرجل . إن من يريد أن يفهم العنف الحاد والبربرية والتخلف عند الإسلامويين يكفي أن ينظر إلى نظراتهم المقززة واحتقارهم وتكريسهم لدونية المرأة والتشريع لذلك ، بل يكفي النظر إلى طريقة دفاعهم عن نقصان عقلها وتبعيتها المطلقة للرجل ، لتحليل طبيعة البنية الفكرية والإيديولوجية القروسطوية المتآكلة التي يسندون ظهورهم إليها " (1).

والمشكلة هنا أن الإسلاميين لا يعترفون بالمواثيق الدوليّة التي توافقت عليها الدول وخاصة قضية حقوق الإنسان . ومن المعروف أنّ هناك خمسة اختلافات بين الأمم المتحدة ممثلةً للمجتمع الدولي وبيـن الـدول الإسلامية المستندة على الموروثات الدينية، وهي :

 1 - حقوق المرأة ، 2 – الحريات الدينية ، 3 – أوضاع غير المسلمين في البلدان الإسلامية، 4 – العقوبات الشرعية المحضورة دولياً ( الحدود ) ، 5 – حرية الرأي والتعبير

ولكن غالبيـة الـدول الإسلامـية لا تقبـل هـذا ، ووعاظهـا ومجتهديهـا يَعتبـرون ذلـك ازدراء للديـن بإنكـار النصـوص المقدسة، ورفضْ علني للأوامر الإلهيـة. وهذا التفكير الأعمى للإسلام السياسي قـد ساهـم فـي تعميق تخلف المسلمين ، فهم أرادوا أن يوقفوا عجلة الزمن  بعصا الدين الإسلامبدوي .

وممكن القول أن تراكمات العادات البدوية القبليـة ، أصبحت عبر السنين تقاليـد دينيـة بـل هـي الآن تُعتبـر الجزء الأرأس والمهم في الدين الإسلامي الذي هيمن عليـه ( التأسلـم البـدوي الرعـوي ) لينتـج لنـا الفكـر الديني المتعصب السائد في وقتنا الراهين . هذا التأسلم البدوي مع مرور السنيـن جعـل المسلميـن يتقبـلون الإستعباد وهـم لا يعلمـون ، حتـى أصبحـت العبوديـة وعيـاً باطنيـاً ، لتدفـع الفـرد المسلـم أن يكـون سهـل الإستعباد ، وخاصة المـرأة التي هـي بالأسـاس ذات مستـوى أدنـى مـن الرجل فـي الفكـر الدينـي البـدوي الرعوي ، ولهذا " لم نقرأ أونسمع أن المرأة المسلمة قد تولت المناصب في إدارة الدولة منذ أكثر من الف عام ، بل تم إقصائها من الفضاء العام " (2).

فاقصاء وتهميش المـرأة فـي المجتمعـات الإسلاميـة هـو أحـد الأسبـاب الرئيسيـة لتخلـف المسلمـين ، لأن نصف هذا المجتمع جامد غير مفكر وغير منتـج ، مستبعـد كليـاً عـن حركـة الحيـاة وتطـورها . فالمـرأة خُضعـت للإجمـاع الذكـوري الإسـلامبـدوي الـذي تأسست على عقليتـه نظريـة ( إجمـاع الأمـة )، وهـي فكـرة إستبداديـة ليـس للمـرأة فقـط وإنمـا للرجـل أيضـاً ، هـي عبـارة عـن فكـر إستـبدادي الغـرض منـه تطويـق المجتمع الإسلامي وخاصة المرأة بكماشة من التقاليد الأبدية التي لا يُسمح المساس بها شرعاً . والمـرأة المسلمة هي التي دفعت الثمن الأكبر لهذا الفكر المستبد ( إجماع الأمة ) الذي إنعكس سلباً على المجتمع الإسلامي برمته .                                                                                                                     

المسلون يعيشون في عدة كهوف

عدم إندماج المسلمين مع الشعوب المتقدمة بسبب ذهنية الطهارة عند المسلم والنجاسة عند الآخر، وكذلك الخوف من كل ما هـو جديـد وحضـاري ، بإعتبـاره يشكل خطـراً على دينهـم ، جعلهـم منغلقيـن خائفيـن مأزومين مما ساعد على إتساع الهـوة بين الطرفين . وهذا الإنغلاق أو التقوقع جعلهم يكرهـون بعضهـم حتى كادت أن تعصف بهـم رياح الفتنـة العاتية التي شرذمتهم وفرّقتهم الى مِلل ونِحل ومذاهب وطوائـف متناحرة متحاربة ، أبعدتهـم كلياً عـن مسار الحياة الطبيعـية . وبدلاً من أن يحاولوا وضع الحـلول العلمية للتخلص من هذه الشرنقـة التي هـم مـن وضعـوا أنفسهـم داخلهـا ، وبـدلاً مـن أن يحاولـوا الإستفـادة مـن الشعـوب التـي سبقتهـم بالعلـوم والتكنولوجيـا والتحضر والتمدن ، وبدلاً من أن يغيروا ويجددوا خطابهم البائـد ، وأن يتخلصوا مـن الموروثـات الميتـة وتـراث الميـت ، نراهـم يهربـون الى الماضـي عسـى أن يجدوا الحلول فـي بعـض النصـوص المقدسـة التـي توهموا بأنها ستعطيهم مفاتيح المستقبل .

وبسبب سعيهم لإعادة المخزون التقليـدي الماضـوي ، أخـذ التناحـر والتنافـر بيـن فرقهـم ومذاهبهـم يشتـد ليتقوقع كل فريق منهم على نفسه ، وينزوي كل طرف في كهـف بعيـداً عـن ألآخـر ، خائفين من بعضهم البعض ، خشية من أن يفتك هذا بذاك ، فكل طرف يعتقد أنه يملك الحقيقة المطلقـة ورافـع رايـة الإسـلام الصحيح وحاميها ، وليس سواه ، والويل والثبور لكل من يحاول الإقتراب .

ولهذا لم يطرأ على بال المسلمين فكرة الإستدارة الى الأمام لرؤية مستقبلهم كبقية الشعـوب الأخرى التـي مازالت تخطو خطوات سريعة نحو أهــداف تشـع أمامـهم . وهـذه الإستـدارة تتطلـب منهـم الخـروج مـن كهوفهم المظلمة المعتمة ، وينفضوا الغبار والأوسـاخ المتراكمة عليهـم منذ عشرات القرون ، ويتخلصوا من الخرافات ويبدلوها بالعلم .

فلا يمكن لأي شعب من شعوب الأرض أن يتقدم ، إذا بقي يأكل ويجتر من الماضي كلّما واجهته أزمة أو إنحسار ، لأن هذا يدل على التعبير عن المكبوت وأزمة الفشل الحضارية التي تعـوض العلـم بالخرافـة ، وتعوض القدامة بالحداثـة. ولا يمكن لهـذا الشعـب أن يتقـدم إذا رضي أن يستفحل التقليـد الماضوي علـى كـل مناحـي حياته ، ويلغي العقل . أو يخشى الشعوب المتقدمـة الأخـرى ، ويعـزل نفسـه عنها خوفـاً مـن أن تصـل اليـه رياح التغيير والتجديد والحداثة .

وستبقى مجتمعاتنا الإسلامية على حالتها التي يرثـى لهـا مـن الإستبـداد والتخلـف ، بـل نراهـا فـي تحـول سريع من التخلف البسيط ، الذي تكـون الهـوة ليسـت بالكبيـرة بينهـا وبيـن شعـوب العالـم الأخـرى ، الـى التخلف المعقد الذي يزيد من هذه المسافة والهوة أكثر فأكثر . وبعدها لا يمكن لمجتمعاتنا اللّحاق بركـب المجتمع البشري ، وتبقى في آخر الدرك وأسفله .

الهوامش :

1 – إضطهاد المرأة عند الإسلامويين .. الدكتور محمد مقصيدي

2 – المصدر نفسه

قال الشاعر الفيلسوف قبل أكثر من مائة عام :

الشرق مازال يحبو وهو مغتمض             والغرب يركض وثباً وهو يقظان

والغرب أبناؤه بالعلم قد سعدوا                والشرق أهلوه في جهل كما كانوا

ولماذا لم يلحق المسلمون بالركب الذي يسير به المجتمع البشري ؟ ولماذا أصبحوا بالدرك السفلـي قياسـاً للشعوب الأخرى ؟ وهناك الكثير من الأسئلة والتساؤلات التي تُطرح يومياً على المسلم ، ولكن لن يتجرّأ هذا المسلم أن يعترف بأنه متخلف عن الآخر ، والسبب هو أن المسلميـن كلمـا واجهـوا أزمـة أو إنحسـار فبدلاً من أن يقفزوا عليها ويتجاوزوها نراهم يهربون الى الوراء لينبشـوا بالماضـي ويبحثـوا بالنصـوص الدينية عساهم أن يجدوا حلاّ أو سبيلاً ليقابل مـا توصـل اليـه الغـرب الكاـفر مـن إكتشافات وإختـراعـات وإنجازات علمية هائـلـة ، وإذا مـا وجـدوا هـذا النص بـدأوا بالتفسيـر والتأويـل ليبشّـروا أنفسهـم أن هـذه الإكتشافـات العلمية موجودة عندهم قبل 1400 عـام ، ويسترخوا بعدها متكئين فرحين بأنهم الأعلم ،وهذا  تعبير عن المكبوت وأزمة الفشل الحضارية التي تعوض العلم بالخرافة .

وبدل أن يستفيقوا وينتبهوا لماذا سبقهم غيرهـم بمئـات السنين وهـم مازالـوا يراوحـون بمكانهـم منـذ عـدة قرون ، وبدل أن يضعوا دراسات علمية للأسباب التي جعلتهم متخلفيـن ، وبـدل أن يبحثـوا عــن أمكانيـة توفير أسس النهضة العلمية ، تراهم يجاهدون لرد الإعتبار للدين ، ويستعملـون إبداعـات العصـر للدعاية الدينية ، كتعويض وهمي عن فشلهم باللحاق مع ركب الحضارة والحداثة .

فالمسلمون يحاولون أن يقلّلوا من أهمية التطورالسريع الذي أحدثته الإكتشافت العلمية الهائلة التي غيرت بنية العقل والتطور في التفكير ، وغيرت وجه الكون . " فكلمـا زاد الغرب مـن خطواتـه العلميـة كلمـا زاد المسلمون من خطواتهم السلفية والرجوع الى تراث الميت الذي ينتج الخرافة ولا ينتج العلم "( 1 )

ومن أسباب التخلف أيضاً هو فشلهم في وضع أسس صحيحة وعلمية للنظـام التعليمـي ومؤسساتـه بحيـث أصبح التقليد مستفحلاً في كل مناحي حياتهم ، فتخلّوا عن العقل والعلم ، ليعتكفـوا علـى دراسـة وتدريـس النصوص الدينية التي لم تتغير منذ عشرات القـرون . فهـم مازالـوا يعتمدون فـي نظمهـم التعليميـة علـى طريقـة الملالـي والكتاتيـب ذات النهـج التلقيني الببغـاوي ، وخصصــوا لذلـك أمـوالاً طائلــة ، وهــدرت مليـارات الدولارات ، لا لشيء وإنما فقط ليثبتوا أن هـذا النص الديني أو ذاك يؤكد ويثبـت أن ما أكتشفـه الغرب من علم جديد هو مكتشف من قبلهـم قبل 1400 سنة ، ويكتفـوا بهـذا الـقـدر مـن المعرفـة الزائفـة ويناموا فرحين ولا شيء يشغلهم بعد ذلك سوى الإنتظار لما قد يأتيهم من إكتشاف جديد .

فلوا خصصت هذه الأموال المهدورة الى البحث العلمية وإستخدام العقل بعد تحريره مـن الإطـار الدينـي لَتَغيّر وضع المسلمين عن ما هم عليه اليوم . ولو خصصت هذه الأموال الطائلة مـن أجـل إتبـاع النظـام التعليمي والتربوي العصري ، وإكتشاف هياكله الحضارية التي إعتمد عليها الغرب وطورها ، لأصبـح المسلمون على مسافة قريبة من الشعوب التي سبقتهم .

محاربتهم الحداثة  

المؤسسات الدينية وضعـت كـل ثقلهـا لمحاربـة الحداثـة والتجديد، بإعتبارها " بدعة غربية وغزو فكـري وأخلاقـي وثقافـي لتهديـم أسـوار المجتمـع الإسلاـي المحافـظ وتمزيـق نسيجه " (2 ) فإنعكـس ذلـك سلبـاً على عقلية المسلم البسيط المقلِد ليقف موقفاً خائفاً من الحداثة بإعتبـارها مؤامـرة غربيـة لأضعـاف دينه وضياع هويته الإسلامية. فهذه المؤسساـت الدينية فشلـت التحديـث مـن الداخـل وحاربـت التحديـث مـن الخارج ، إلاّ إنها لم تتردد من إستخدام وإقتناء كل مـا جـاء بـه الغـرب مـن تكنولوجيـا حديثـة وعلوم ، حتـى أصبح المسلمون يعتمـدون على الغـرب  بكل مناحي حياتهـم اليوميـة مـن ملبـس وطعـام ووسائـل النقـل وأنظمـة الإتصـالات والتواصل وغيرها ، لكنهم لـم يهـدأ لهـم بـال إلا بلعـن الغـرب وشتمـه مـن الفجـر الـى الفجر ، ويطلبون من ربهم أن يخسـف بهـم الأرض ويقطع نسلهم ولـم يبـق لهم أثـر . وكما قـال الباحـث  الدكتور علي الوردي " إذا خيرتهم ، سيختارون العيش في بلدان الغرب الكافر " .

في بدايات القرن العشرين قرر إمبراطور اليابان إرسال طلاب للدراسة في أوروبا ليدرسوا سبب تقددم هذه البلدان على اليابات . وكذلك أرسلت بعض الدول العربية والإسلامية بنفس الفترة الزمنية طلاباً لدول أوربا للدراسة نفسها . فماذا حصل وكيف إستفادت اليابان من طلابها الذين عادوا اليها من أوروبا لتجاوز مشكلة التخلف ؟ عندما إجتمع الإمبراطور والخبراء في إدارة الدولة مع الطلاب العائدين وسألهم ماذا إكتشفتهم إثناء دراستكم ، وبماذا ستفيدون بلدكم ؟ قالوا : لقد إكتشفنا أن أوروبا تستخدم النظام التعليمي والتربوي العصريين . فأسرع الإمبراطور بإعطاء أوامره لتغيير كل ماهو قديم وتقليدي في مجال النظام العليمي والتربوي وتحديثه بما يتلاءم مع متطلبات العصر ، والمضي نحو الحداثة .

وقد شن الإمبراطور حرباً شعواء بلا هواده على الساموراي الذين وقفوا ضد الحداثة بإعتبارها تمس روح التقاليد اليابانية ، وقد نجح بذلك وإنحسر دور الساموراي ، فتطورت اليابان بأسرع وتيرة من أوروبا ، وهاهي اليابان اليوم كيف أصبحت من أرقى بلدان العالم بفضل نجاحها بإنتاج المعرفة العلمية ، والتصدي لإعادة المخزون التقليدي الماضوي .

وجرى العكس تماماً في البلدان العربية والإسلامية ، فعندما عاد طلابها من أوروبا حاملين معهم نفس ما حمله الطلاب اليابانيون ، وحاولوا التجديد وترجمة ما إكتسبوه من علم ومعرفة ونظم تعليمية وإدارية حديثة ، تفاجأوا بهجمة شرسة من المؤسسات الدينية عليهم بمساعدة السلطات المستبدة المتخلفة وأفشلوا كل شيء ، وفضلوا إعادة المخزون التقليدي الماضوي على الحداثة والتطور والرقي . وهكذا تخلف المسلمون كثيراً ، وتحول التخلف من البسييط الى التخلف المعقد الذي وسع الهوة والمسافة بين المسلمين والعالم الآخر .  

وبما أنهم حاربوا الحداثة والعلوم التي جاء بها الغرب ، إنعكس ذلك سلباً على نمـط تفكيـرهـم بالحيـاة ، وأصابهم الجمود العقلي الذي إنعكس على النمو الذهني ، فتوقفت عندهـم عجلـة الزمـن وتوقفــت ماكنـة التطور ، ورضوا أن يكون كل شيء عندهم بدائي ، حتى أساليب العمل مازالت بدائية ، وتخلف واضـح في النظام الإداري ، وفوضى في التخطيط الإقتصادي والتنموي إن لم نقل إنهم يجهلون معنى التخطيـط ورسم آليات التنمية المستقبلية ، لأنهم مازالوا يعيشون في تراث الميت ويعتمدون على القضـاء والقـدر ، أي حتمية العيش بما هم كانوا عليه ، أما ( الغد ) فهذا من علم ربهم ، ولو سألتهم هل فكرتم بالغد ، بأتيك جوابهم سريعاً ( الله أعلم ) .

الهوامش :

1 – محاضرة للدكتور المغربي أحمد عصيد

2 – ذهنية التحريم – الدكتور صادق جلال العظم

يتبع الحلقة الثانية

 

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل