/
/

يحتدم التسابق على تشكيل الكتلة الاكبر في سابقة لم تصاحب الانتخابات السابقة. فقد كانت العملية سابقا سهلة جدا، حيث تلتقي " البيوتات " وتقتسم الحصص والمناصب، بعد حساب قيمة كل منصب بعدد المقاعد البرلمانية، فيتحول الامر بقضّه وقضيضه الى حالة رقمية!
هذا حصل في السنوات السابقة، ولكن وكما هو واضح الآن، فان حجرا قد القي في المياه الراكدة، وحرك امواجا، بغض النظر عن شدتها وقوتها. لهذا لم تعد الامور قطعا، هذه المرة، في عشية تشكيل الحكومة الجديدة، مثلما كانت في السابق.
صراع مرير يجري اليوم على تشكيل الكتلة الاكبر، ولا احد يستطيع القول ما اذا كان موعد افتتاح جلسة الاثنين (3 ايلول) لمجلس النواب الجديد سوف يصمد، فهناك سيناريوهات عدة تطرح لتعطيل المضي في انجاز الاستحقاقات الدستورية، ومنها الحؤول دون اكتمال النصاب القانوني للجلسة.
وفي السباق الماراثوني نحو الكتلة الاكبر يكثر الضرب تحت الحزام، ويعلو صوت التهديدات، وقد صرح اكثر من سياسي ان الحكومة القادمة ان لم تأت وفقا للمواصفات التي حددها هو، فانه سيعمد الى اسقاطها خلال شهرين. وهناك من قال ان الشعب العراقي هو الذي سيسقطها. وهكذا تكثر التهديدات واشكالها والوانها ومصادرها، فيما يشتد عندنا سوق "الميركاتو" الخريفي، والاحاديث المتناقلة عن مليارات الدنانير العراقية التي تبذّر! وحتى تكتمل الصورة فلابد من الاشارة الى ان الضغوط ليست داخلية فقط، بل هي خارجية ايضا.
ولا شك ان هذه الاجواء المحتدمة تثير قلق المواطن العراقي لاسباب عدة، لعل في المقدمة منها كونه ينتظر بفارغ الصبر تشكيل الحكومة الجديدة، ووضع برنامج لها قابل للتنفيذ في مدد زمنية معروفة، لتخليصه او التخفيف من معاناته متعددة الاشكال الآن، والشروع وفقا لجدول الاولويات بمعالجة الملفات الساخنة الآنية، وتلك المتوسطة والبعيدة المدى، وان تضع الكتل المتنفذة وعودها الانتخابية بالاصلاح والتغيير ومكافحة الفساد، موضع التطبيق الفعلي.
ومن دواعي القلق ، ايضا ، هذا الخوف من ان لا يجري التقيد بآليات العمل وفقا للدستور، وان تتم عرقلة الانتقال السلمي للسلطة، وتنفذ التهديدات بفرض امر واقع. فيما قد تنزلق الامور الى اللجوء الى امتشاق السلاح، وهو المنتشر بعناوين مختلفة، ما يهدد بالرجوع الى نقطة البداية. وهذا ما لا يريده احد، بل ويمني النفس في ان لا يصل الوضع الى هذه الحالة من التعقيد، والخاسر فيها هو المواطن لا غيره.
وفي كل هذه الحالات يبرز التساؤل عن مصلحة الوطن والمواطن في كل ما يجري: اين هي؟ وهل يصح التلويح بالقوة، وهو ما يعد مخالفة دستورية واضحة؟ واين الوعود المعسولة التي اطلقت في الحملة الانتخابية عن النية الصادقة بفتح صفحة جديدة؟ وهل يصح القول "لو ألعب لو أخرّب الملعب"؟! وهل مثل هذه الاجواء تقنع احدا بامكانية ممارسة معارضة بناءة؟ وهل من الجائز ان يلدغ المرء مرتين او ثلاثا او ..؟ وما ذا عن دروس تجربة 15 عاما من الفشل الذريع والفساد المستشري وتدهور الخدمات واستفحال البطالة وارتفاع معدلات الفقر، والهزيمة السياسية والعسكرية الكبيرة في حزيران 2014 امام فلول الدواعش الارهابيين؟!
لا احد يرفض التنافس القانوني السلمي المشروع، الذي يضع مصلحة الوطن والشعب العليا فوق كل اعتبار؟ فهل ما يجري اليوم ينسجم مع هذا؟
يبقى ان نشير الى ان طريق التغيير الجدي والاصلاح لم يكن ولن يكون مفروشا بالورود، لكن مسيرة الالف ميل قد بدأت، وليس بمقدور احد ايقافها، ايّا كانت الضغوط ، داخلية ام خارجية.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل