/
/

الانتخابات القادمة لن تكون مثل غيرها. فالكثير بات واضحا امام المواطن ، الذي أخذ وعيه يرتقي بفضل العوامل والاسباب التي تدفع بلادنا من سيّء الى اسوأ ، حتى بات على قناعة بان لا أمل يرتجى من نهج وسلوك ونمط تفكير المتنفذين، الذين أداروا البلد على مدى أربعة عشر عاما، فيما يزداد إدراك انه لم يعد كافيا ان تعضّ الناس على " إصبعها البنفسجي" بعد كل انتخابات نيابية ولمجالس المحافظات، تعبيرا عن الندم .
المتنفذون الفاسدون يدركون هذا جيدا، ويعون انهم يقفون على رمال متحركة ، وان الثقة بهم قد تدهورت كثيرا بعد ان انثلمت صدقيتهم. لذا تراهم يلجأون مبكرا الى كل ما يديم سلطتهم ونفوذهم. وكانت البداية صياغة منظومة انتخابية على مقاساتهم، لتأمين استمرار هيمنتهم. يضاف الى ذلك انهم لا يتورعون عن اللجوء الى شتى أساليب شراء الذمم وتوظيف المال السياسي، والى كل عناصر القوة التي حصلوا عليها عبر وجودهم في مواقع مسؤولة في مؤسسات الدولة. كذلك اللجوء الى " البلطجة" و تزييف الوعي وتشويهه وتسطيحه، وإلهاء المواطن بمفردات سمعها خلال كل الانتخابات الماضية، حين أغدقوا الوعود التي سرعان ما تبخرت قبل ان تنزاح بقايا الحبر البنفسجي. ولقد كانت جماهير الحراك الشعبي في ساحة التحرير وغيرها محقة تماما عندما هتفت " برلماني برلماني - كعد عالكرسي ونساني " ، مع وجود الاستثناء طبعا .
وهروبا الى الامام من الاستحقاقات المطلوبة للتغيير،الذي لم يعد خيارا بل صار يفرضه الواقع ومسار تطور الأحداث ومآلاته، وفشل المتنفذين وحالة الاستعصاء ودورية الأزمات ، جاءت العودة من جديد الى نغمة " الأغلبية السياسية" التي يُمنّي دعاتها النفس بأنها ستكون الحل للازمات. لكن ما يدعون اليه لا يعدو كونه اعادة تقاسم للسلطة، ومسعى لتقديم " محاصصة محسنة" مع بقاء ذات الوجوه التي عرفها الناس وجربوها جيدا في الصيف والشتاء ، ولا يفيد هنا " التطعيم " بعناصر ووجوه .. هي الاخرى مجربة .
والمقلق حقا في هذه الطروحات القديمة الجديدة، ليس استخدام مفهوم سياسي معروف وشائع ومتداول، ولا خلل في استخدامه في سياقاته المعروفة في البلدان الديمقراطية حقا ، بل في طبيعة القوى والعناصر التي تدعو له في بلدنا. فهل المقصود هنا ان تكون أغلبية سياسية وطنية، ام سياسية طائفية مطعمة؟!
من الواضح ان المأزق الرئيس لدعاة الأغلبية السياسية راهنا هو ان كتلهم تمثل طيفا محددا وليس كل الطيف المعني، الذي جرى اختزاله الى احزاب، وهذه بدورها حولته الى أفراد وأشخاص يدعون تمثيل هذا المكون او ذاك. فهل ان من له تركيبة كهذه يستطيع تقديم مشروع وطني شامل، وهو على استعداد لتنفيذه حقا ؟ وهل باستطاعتهم تقديم ضمانات الى الأقلية السياسية المعارضة؟ ان الكثير من الشك يدور حول هذا، خصوصا ان من كان منهم في موقع المسؤولية قد جُرب وعُرف كيف تعامل مع المتظاهرين والمحتجين بعد ٢٥ شباط ٢٠١١.
لكل هذه الاعتبارات، وللخروج من هذا المأزق وحالة الاستعصاء ، لابد من هزيمة منطق المحاصصة ومسك ومنهج المتشبثين بها ، وولوج فضاءات اخرى تفتح الافاق على بعد وطني عراقي، تكون فيه للمواطنة الكلمة العليا ويجري التعامل مع العراقيين جميعا من دون تمييز بسبب القومية او الدين او الطائفة او اي اعتبار اخر .
ان الحاق الهزيمة بالمحاصصة والفاسدين ومخططات الداعمين لهم من خارج الحدود، هو المهمة الارأس الان ، وهو ما يتوجب ان تتوحد بشأنه كافة الجهود، وعلى الأخص هنا جهود الشيوعيين والديمقراطيين والمعتدلين وكل دعاة الإصلاح والتغيير، والعاملين على إقامة دولة المواطنة والعدالة الاجتماعية والمؤسسات والقانون والديمقراطية الحقة.
ومن هنا جاءت الحاجة الى تكوين كتلة وطنية كبيرة عابرة للطوائف، تتمسك بالبعد الوطني في معالجة القضايا العراقية ، كتلة واضحة الأهداف في انتصارها لحقوق الانسان ولاسيما الكادحون والفقراء والمعدمون . ولعل تحالف " سائرون "، بتركيبته وبرنامجه ، هو خطوة في هذا الاتجاه. وكلما توسعت دائرة هذا الاصطفاف الوطني المطلوب، وتبنى مشروع الإصلاح والتغيير واستنهاض العامل الجماهيري والشعبي ليقوم بدوره المؤثر والمرتجى ، كلما اقتربت ساعة هدم جدار المحاصصة، والخلاص من مآسيها وكوارثها .
هذا ما نرى انه يتوجب التركيز عليه ، وليس الاستغراق في التفصيلات والتشعبات والقضايا الإدارية الصرفة ، على أهميتها ، والتي قد تُضيع أصل الهدف والفكرة من بناء تحالف وطني عابر للطوائف تمس الحاجة اليه ، ويدرك المتحاصصون الفاسدون قبل غيرهم، خطره على سلطتهم ومصالحهم ونفوذهم.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل