/
/

نشرت مؤخرا مقالات وتعليقات يشير محتواها إلى أن الواقع الإجتماعي لجماهير الكادحين سيدفع هذه الجماهير إلى اتخاذ مواقف نضالية وأساليب عمل مناسبة من أجل تحقيق مصالحها ، وجرى إطلاق مصطلح (قوى مجتمعية) على هذه الجماهير ، بما معناه إمكانية سير هذه الجماهير الكادحة تحت شعارات المطالبة بحقوقهم والسير نحو التحول المدني الديمقراطي ، وقبلها جرى إطلاق نفس التعبير على قوى التيار المدني (قوى مجتمعية) والنتيجة هو تشتت تحالف (تقدم) . وفي مقال آخر جرى الإستشهاد بنظرة الماركسية عن الدور الذي يلعبه الواقع الإجتماعي في وعي وتصرف الأشخاص والجمهور ، واستشهد المقال بمقولة ماركس (ليس الوعي هو الذي يحدد الوجود الإجتماعي ، وإنما الوجود الإجتماعي هو الذي يحدد الوعي) . وكانت الغاية من هذا الإستشهاد للتأكيد على أهمية جماهير مدينة الصدر وباقي تجمعات الكادحين خاصة في الإنتخابات القادمة ، في وقت أن ماركس في هذه المقولة لايتحدث عن ظروف إجتماعية محلية أو لفترات تاريخية محددة ، بل تحدث من الناحية الفلسفية عن الوجود الإجتماعي والفكر ، وجهود علماء الإجتماع وخاصة الماركسيين لتحديد من هو الأساس بذلك للوصول إلى قوانين المادية التاريخية . ولذا لاتوجد علاقة اوتوماتيكية بين حالة الناس الإجتماعية وخاصة الكادحين وبين نضالهم من أجل حقوقهم ومن أجل الحياة المدنية والديمقراطية ، فهناك ظروف كثيرة تؤثر بموقف الكادحين ، فمثلا الطبقة العاملة التي لها مميزاتها ، فهي تحتك بتطور الآلات وانضباط العمل والوقت وشروط العمل ويشعر العمال بأن مصيرهم وعلاقتهم بالرأسمالي واحدة ، ويشعرون بقوة تضامنهم عند النضال من أجل مصالحهم ولديهم إرث نضالي نقابي وسياسي كبير داخليا وأمميا ولديهم نظرية علمية تساعدهم على تفسير الواقع والنضال من أجل تغييره لصالحهم ، وبالرغم من هذه المميزات للطبقة العاملة إلا أن الظروف السائدة في المجتمع تترك آثارها السلبية على نضالها النقابي والسياسي . أما باقي الكادحين والمعدمين فإن مواقفهم تتحكم بها الظروف المحيطة سواء في مساهمتهم في فترة النضال الوطني سابقا والنضال المطلبي والفئوي أواستغلالهم من قبل الدكتاتوريات المختلفة لدعم حكم هذه الدكتاتوريات ، وهذه مسألة ليست محلية فقط بل هي مسألة عالمية ، ونشاهد اليوم تأثير الطائفية والمحاصصة والفساد على هذه الجماهير الكادحة وجماهير الريف ، بحيث إنها تعيد إنتخاب من تسبب في افتقارها أكثر وسرق قوتها علنا ورهن البلاد ، لذا فإن المبالغة بدور هذه الفئات في دعم تحول مدني ديمقراطي قريب سيترتب عليه مواقف وتقديرات خاطئة ، وكذلك فإن التقليل من دورها في الواقع سيسبب نفس النتيجة . فهذه الجماهير الكادحة على مختلف ألوانها كانت موجودة وهي موجودة الآن ولم يكن لها مواقف ومبادرات بحيث تسهم في تغيير واقعها المرير ، عدا نضالها الفئوي عندما تتعرض مصالحها الفئوية بشكل مباشر .
إن عقد تحالف سائرون وشعاراته سيؤثر في موقف هذه الجماهير الكادحة إيجابيا ، ولكن لاتوجد مبررات بتصور حدوث طفرة في موقفها ، وتبقى هذه الساحة أيضا مرهونة بسياسة ومواقف حزب الإستقامة والتيار الصدري وتأثيرهما في تطور نضال هذه الجماهير ، والتي لاتقتصر على الشعارات الإنتخابية والسياسية بل أيضا من أجل الحياة المدنية في البلاد ، في وقت لم يجب رئيس حزب الإستقامة ورئيس قائمة سائرون في مقابلة على الحرة مؤخرا على سؤال إذا ما كانوا ضد زواج القاصرات وقانون الأحوال المدنية الجعفري ، واكتفى بالقول إن البرلمان هو الذي يقرر ، وهذا ضمنيا يعني ان حزب الإستقامة مع زواج القاصرات وليس ضد قانون الأحوال المدنية الجعفري. من ألمؤكد ان كل تحالف واتفاق لا يلغي مواقف كل حزب في امور كثيرة ، ولكن مثل هذه المواقف تحدث تصدعات في هذه الإتفاقات وسنشاهد امورا كثيرة مثل ذلك .
إن الحديث عن القوى المجتمعية وامكانيات تحرك الكادحين بعد الإتفاق في سائرون مع بقاء أمراض العملية السياسية وتأثيراتها في المجتمع يعطي آمالا أكثر من حجمها ويجعل إمكانية النظر إلى نواقص العمل المشترك وانتقاد سلبياته ضعيفة ، لذا من الواجب أن تكون هناك حصانة من الأمل المبالغ فيه والذي يظهر في معظم الكتابات والأحاديث الحالية

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل