/
/
/

تثيرني مظاهر انعدام الكتب (وحتى المجلات والجرائد) عند كل زيارة أقوم بها للجامعات العراقية. لا يعير أحد عن أسفه لاندثار الكتب مما يزيدني قلقاً وشكوكاً بوجود قوة تمنع الكتب المقررة (الورقية منها والالكترونية على حد سواء)، في الجامعات وتشجع بدلها اقتناء الموبايلات. ولعلّ المحيّر أن تجد طلاباً في قاعات الدراسة بدون كتب أو حتى دفاتر أو أوراق أو أقلام، بينما يستغرق المدرس في الكتابة على السبورة غير مبالٍ بما يفعله أو لا يفعله الطلاب أثناء الدرس.

يتحجّج كثير من التدريسيين بمبادرة الوزارة في تشجيع التعليم الالكتروني معتقدين أن ذلك النوع من التعليم يُلغي الكتاب الورقي، ويبدو أنهم لم يفهموا معنى التعليم الالكتروني، فاختلط هذا المصطلح بمفاهيم أو أساليب أخرى من التعليم منها طريقة العرض الالكترونية (الباوربوينت)، أو رفع المحاضرة على موقع الجامعة الالكتروني. الكتاب المقرر سواء كان ورقياً أو الكترونياً، هو عماد التدريس والتعليم لأنه يوفر منهجاً للمقرر، أو المادة، وما سيتعلمه الطالب وبأيّ ترتيب، ولأنه يوفر خارطة طريق للطلبة فيتعرفون من خلاله على ما هو متوقع منهم تعلّمه، ويوفر لهم أنشطة وقراءات خارجية ومصادر وصوراً توضيحية.. إلخ، مما يوفّر الوقت للتدريسي وللطالب في البحث عن كثير من المعلومات الضرورية، والأساسية لاكتساب المعرفة، ويمكن أن يكون أساساً للتقييم، ففي بعض الكتب تجد اختبارات وأدوات تقييم ومواد داعمة للتعلّم، ويوفر الاتساق داخل البرنامج الاكاديمي عبر مستوى معين. إنه مصدر مفيد لكلّ من التدريسي كمصمّم للدروس، والطالب كشخص مكتسب للمادة العلمية.

الملخصات أو ما يسمّى بالملزمات، والتي يُشاع استعمالها في الجامعات العراقية، بالرغم من منعها من قبل الوزارة لا يمكن أن تكون بديلاً عن الكتاب بأيّ حال من الأحوال. يبدو لي أن هناك أسباباً جوهرية لاستبدال الكتاب بالملزمة أهمها:
1 - اعتماد منهج الحفظ والتلقين.
2 - ضعف معارف ومعلومات التدريسي وتطيّره من القراءة الخارجية والاطلاع.
3 - عدم اهتمام الطالب بأهمية اكتساب المعرفة، وبما يقدّمه الكتاب والتدريسي من تعليم وعلم.
4 - اولويات الطلبة تكمن في تحقيق النجاح بأيّ صورة كانت، ومجرد الحصول على شهادة التخرج الاكاديمية.
5 - تدهور العلاقة بين الطالب والتدريسي من جهة، وبين التدريسي وقيادات الجامعة من جهة أخرى.
6- الاعتماد على اساليب التعليم القديمة وعدم الاهتمام بما توفّره طرق التدريس الحديثة من وسائل اخرى لاكتساب المعرفة كالتقارير ومراجعة البحوث والعمل الجماعي وحلّ المشكلات.
7-  تطيّر التدريسي من الاسئلة التي لا يعرف اجاباتها لانعدام الثقة بقوة معلوماته ولتخوفه من الظهور أمام طلابه ضعيفاً في المعرفة، وهي حالة شائعة في التعليم الأولي والعالي في العراق والدول العربية.
8- التعليمات الجامعية والوزارية التي تقف حجر عثرة أمام الابداع والتطوير والتوسع والتغيير في مفردات المنهج وتؤكد على الالتزام التام بالمفردات ومحتويات المقرر أو المادة والتي عادةً ما تكون مبتسرة ولا تشجّع على التفاعل بين التدريسي والطالب. 
9- التعليم المجاني يتطلب كتباً مجانية، وفي وقت تعاني منه الجامعات من أزمة مالية، فإن الكتاب يصبح عبئاً مالياً ثقيلاً على الجامعة.
10- فلسفة التعليم مبنية على أساس"قراءة كتاب خمسين مرة أفضل من قراءة خمسين كتاباً".

التعليم بالاعتماد على الملخصات هو تعليم سطحي لا يهتم بالكتب والبحوث وبمصادر التعلّم الأخرى. إنه تعليم يهتم بتغذية الطالب بأساسيات المادة وفهمها من دون التعمّق في المهارات التي عادةً ما تتطلبها الاهداف الدراسية ونتائج التعلم، بالإضافة للمعرفة والفهم كالتطبيق، والتحليل والتركيب والتقييم. والتعليم بالملخصات قد يهتم بطريقة عرض المادة مستخدماً الباوربوينت على سبيل المثال، إلاّ أنه لا يفرق بين مادة العرض، ومادة الملخص، ولا يعتبر العرض هو تحسين لفهم الطلاب واكثر ديناميكية من مجرد الكتابة على السبورة مما يمهّد للتعمق في المادة عند قراءة الكتاب (ورقياً أو الكترونياً)، ويمهد للاستخدام الأفضل للمصادر، هذا اذا ما أحسن استخدامه في عرض النقاط الأساسية للموضوع، وفي استخدام الصور والبيانات التوضيحية، وليس مجرد اعادة عرض ما هو موجود في الملخصات كما هو شائع في التدريس في الجامعات العراقية، وحتى في عرض البحوث في المؤتمرات.

الكتاب الورقي مهم ويجب أن لا يُستغنى عنه حتى في حالة توفر الحواسيب النقّالة عند جميع الطلاب اثناء الدراسة وبداخل الجامعة (وهو أمر مشكوك فيه). انه افضل وسيلة للقراءة والاطلاع وفي ظروف العراق بالخصوص، حيث يمنع الحاسوب النقّال في بعض الجامعات، وحيث أن معظم الطلبة لا يمتلكوه، بل يفضّلون التلفون النقّال عليه، وحيث أن كثيراً من التدريسيين لا يعرفون استخدامه. لذلك يجب اعادة الاعتبار الى الكتاب وتعويد التدريسيين على القراءة، فالكثير منهم تربّى على الملخصات وندرة الكتاب ولم يتعلم قراءة المصادر، ولكونه ضعيفاً في اللغات الاجنبية، بقي في خندق الحصار الذاتي.

علينا أن نرد الاعتبار للمكتبات، فمثلها في الجامعات العراقية مثل مدينة تزدهر بالألوان والأزهار لا يسكنها إلاّ العميان. انها في معظم الاحيان فارغة، ولم أعرف مع الأسف، إلاّ نادراً، طلبة يبحثون عن مصادر سواء كانت ورقية، أو الكترونية، فالمسألة ليست مالية، بل إنها نتيجة ضعف التوجيه من قبل التدريسي.

أخيراً، لابد من ذكر هذه الحادثة في جامعتي، فعندما افتقدت مخازن بيع الكتب في إحدى السنوات لكتاب مقرر، كاد ذلك أن يوقف التدريس في المادة والقسم المعني، ووجهت حينئذ للجامعة، انتقادات شديدة لأنها لم تتدخل لتوفير الكتاب. 

عملية محاربة الكتاب المقرر في الجامعات العراقية ليست في صالح أحد، إنها عملية خطيرة تسعى الى تقويض التعليم العالي.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل