/
/
/

صحيح أن الطلب على الطاقة يتنامى حول العالم، وصحيح القول بأن لا استغناء عن النفط خلال الأمد المنظور(على الأقل خلال الـ 25 سنة القادمة). وصحيح أن الاسواق العالمية التي تجد بدائل معقولة تغنيها عن النفط، تنفتح في قبالتها أسواق أشدّ نَهماً للطاقة السوداء(الصين مثلاً). وصحيح أن هذا كلّه يجعل من الإقتصاد العراقي مرتاحاً بعض الشيء ولا يحمل الكثير من هموم العوائد.
لكن مع الأسف، كانت السياسة النفطية قصيرة النظر هي ذاتها التي جعلتنا أسرى لعوائد النفط. العوائد التي يفترض أن تستخدم للتنمية لكنها بالحقيقة جرى توظيفها سياسياً من أجل تعميق النزعة الإستهلاكية في المجتمع العراقي.
ومع الأسف، مازال الناتج القومي العراقي بعيداً كل البعد عن تحقيق فيوضات القيمة، وبعيداً عن ملء الشواغر في الاستهلاك(حتى الاستهلاك الذي يتطلب تكنولوجيا بسيطة وغير مكلفة لم تتمكن السوق العراقية من سدّ الاحتياجات منه محلياً).
وايضاً، مع الأسف لم تكن المسؤولية الإقتصادية بحجم التحدي أبداً. واستمرّت الحكومات المتعاقبة تحت وطأة الرغبة بالترويج السياسي المحلي في خلق وظائف وهمية في القطاع الحكومي، لم تكن نتيجتها سوى جيوش عاطلة تنتظم في مقرّات حكومية مكلفة وبلا عمل.
في مقابل هذا كلّه، كانت هناك محاولات متواضعة جداً لإعادة تشغيل الصناعة الوطنية. معظمها انتهى الى فشل مُثقل بالديون المحلية التي صار من الصعب سدادها إلّا باللجوء الى رهن العوائد النفطية نفسها.
هذا يعني تصدير النفط ليس لأغراض الاستهلاك فقط، إنما يتعدّى ذلك الى سد تكاليف القرارات السيئة وغير المدروسة التي وسّعت مساحة التعيينات في الوظائف الحكومية في الصناعة تحديداً وتحت بند (شركات التمويل الذاتي).
بهذا، صار القرار العراقي الاقتصادي قريباً ومرهوناً لهيمنة البنك الدولي( الذي يحاول البعض تصويره بأنه مصدر الخيرات العالمي)، في وقت كانت القرارات السيئة الحكومية الارتجالية هي المصدر الحقيقي لانتكاسة الاقتصاد العراقي، بالرغم من توفر عوائد نفطية ضخمة وغير مسبوقة.
لهذا، فإن أي حكومةٍ قادمة لا تتدارس هذه المشاكل ضمن أولى أولياتها، فإنها لن تكون سوى نسخة مكرورة من الحكومات السابقة، ومعرّضة للوقوع في نفس أخطاء الماضي.. لهذا، كانت القوى المدنية والوطنية الحقيقية تركّز تكراراً على "البرنامج الإنتخابي-الحكومي" قبل أي تعيين لأسماء أو شخصيات بعينها.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل