/
/

دخل استاذنا د. سامي عبد الحميد هذا العام التسعين من عمره المديد، وهو يلوح لنا بعرض مسرحي جديد من انتاج دائرة السينما والمسرح، عرض يتناول جريمة "سبايكر" المفجعة التي ما زال صداها يقطر دما في ذاكرة العراقيين وكافة الشرفاء في العالم. واحسب ان هذا الاستاذ وهو في هذا العمر وهو من القلة القليلة القابضة على الجمر في زمننا العصيب، التي تعي اهمية الحفاظ على كرامة الفنان وشرف الكلمة واستقلال الفنان وكسب المصداقية للفن الجاد الرفيع، منذ ان علا نجمه في مطلع النصف الثاني من القرن العشرين وحتى طبقت شهرته الآفاق كرجل مسرح شامل معروف في مهرجانات بغداد ودمشق والقاهرة وقرطاج وعمان، مع حضوره في اكثر من محفل دولي او اية ورشة مسرحية في العالم، كشيكاغو ولندن وباريس وروما والكويت والدوحة والشارقة. لذا لم يكن هذا الاستاذ الفنان محض نغم عابر في سماء مسرحنا المحلي العراقي، ان لم يكن سمفونية وطنية مكتملة غزيرة الارجاء، بعيدة الابعاد تحمل غار المجد واكاليل الظفر.

لو شئنا الحديث عن سامي عبد الحميد كانسان اولا لقلنا انه من مواليد صحراء "السماوة" عام 1928 من أب تكريتي المولد والنشأة، عمل كموظف في سكك الصحراء بصفة كاتب حسابات او ما يصطلح عليه في ذلك الوقت بـ الدفتردار حسب المصطلح العثماني المتداول او صندوق امين السماوة على وفق التعبير الملكي وقتذاك. وقد تزوج هذا الاب بعد سنين من هذه الاقامة فتاة "سماوتلية" من عائلة مشهورة تدعى بعائلة "الدهان" القريبة من شاطئ الفرات ونخل السماوة الشهير الذي غناه مطرب معروف قبل ان يتغزل فيه شاعر عراقي معاصر بقوله: "تخيلت ان نخل السماوة نخل السماوات".

هكذا ولد سامي ونشأ في البلدة الصحراوية المذكورة. وحينما اصبح طالبا في المرحلة الثانوية، اضطر الى ان يسافر ويكمل دراسته في لواء الديوانية وقتذاك، ثم ليعمل تحت اشراف معلم الفن الاستاذ حسين الرفيق او الرفيق الشهيد سلام عادل في مسرحية تاريخية نابضة بالعروبة والنضال، وكان في معيته زميل آخر بدور امرأة يدعى "عصمت كتانة" الذي هاج وماج في نهاية تلك المسرحية بفعل السخرية التي عاناها من الزملاء والمشاهدين الذين يعرفونه عن كثب، لتتوقف هذه المسرحية في ليلتها الاولى، ثم ليصبح عصمت كتانة في سبعينيات القرن الماضي الدبلوماسي العراقي المعروف، كممثل دائم للعراق في الامم المتحدة.

حقائق شخصية تحدث بها لنا الاستاذ سامي عبد الحميد عن تاريخه الطويل في الحياة والفن والسياسة بألفة محببة صريحة او مبطنة لا تخفى علينا نحن الطلبة في درسه الاكاديمي في سنوات قسم المسرح في كلية الفنون الجميلة ومنها اعترافه بان الريادة المسرحية في العراق، هي من المداميك او الاسس التمهيدية الاولى للأستاذ حقي الشبلي بل ان اساتذته الثلاث الآخرين جاسم العبودي وابراهيم جلال وجعفر السعدي هم من ساروا على خطى ريادة الاستاذ الاول كفنانين من ابناء هذا الشعب، وليسوا بالمرة كحقي الشبلي، حينما يكون ملكيا اكثر من الملك. اما ان يكون هو من المحسوبين على هذه الريادة، فانه لا يتوانى عن ذكر اصدقائه العاملين او المواكبين معه في مراحل متعددة من السنين امثال بدري حسون فريد وكاظم حيدر وعبد الواحد طه ويوسف العاني، خصوصا وان اقترانه مع الاخير في تشكيل جمعية "جبر الخواطر" المسرحية في كلية الحقوق في اواخر اربعينات القرن الماضي هو اشبه باقتران النجمين الانكليزيين المشهورين لورين وهاردي.

هذا التمهيد الاولي هو بلا شك يكشف عن مسار استاذنا سامي عبد الحميد في الحياة كانسان منهمك في قضية الايديولوجيا والمسرح، إذ هي المفتاح الحقيقي لدراسة منجزه المسرحي كممثل ومخرج ومُنظّر ومترجم و"ديرماتورك" واستاذ اكاديمي للعديد من الاجيال المسرحية، وهي ما تجعلنا نثق برؤيته الراقية في المسرح، وهي رؤية ملتزمة دون ان تكون متزمتة، هادفة وممتعة في الوقت نفسه، راقية دون تعال على الجمهور، وشديدة الحساسية بمشكلات الناس دون ان تتملقهم.

لقد ابحر سامي عبد الحميد في المدارس المسرحية كلها، محلية كانت ام طرازية ام كلاسيكية او اليزابيثية من خلال روائع شكسبير او طليعية عبر فرائد صاموئيل بيكيت ويوجين يونسكو وجورج شحادة، من دون ان يتخلى عن انهماكاته الرافيدينة في ملحمة كلكامش التي قدمها في عروض متعددة "مسرح الشعب، المسرح الروماني، المسرح القومي في كرادة مريم" كأنني بالأستاذ سامي عبد الحميد واحد من الذين ساروا على خطى المخرج النمساوي الشهير ماكس رينهارت في انتقائيته المعروفة بين الربع الاخير من القرن التاسع عشر والنصف الاول من القرن العشرين المنصرم. واعترف شخصياً ان حديثي مع الاستاذ سامي عبد الحميد حول هذه الانتقائية المعلنة التي تفرد بها رينهارت قد تضفي عليه شخصية المقلد او المطبوع على هذه البصمة الاخراجية التي لا يعرفها الا المقلدون التقليديون. وكان رده المقنع: ألم يكن اللا منهج هو المنهج ازاء كل التجارب الطليعية في العالم؟ وهذا سؤال على المسرح العراقي في الوقت الراهن ان يجيب عنه حتى تستطيع عروضنا المسرحية الراهنة تجديد دمها وحيويتها. وعلينا ان ندرك بقدرة سامي عبد الحميد على تجاوز معمار العروض المسرحية التي عرفناها في نصف القرن الماضي في عدد من اعماله المسرحية التي فتحت آفاق التجريب واسعاً، ومنها: "تموز يقرع الناقوس، الخرابة، كلكامش، هملت عربيا، الزنوج، الخان، بيت برنارد ألبا، عطيل في المطبخ، طقوس النوم والدم.." وغيرها الكثير.

ومع ذلك اعتقد ان مسرح سامي عبد الحميد صادر عن تجربة واقعية "ذاتية او سماعية" فليست ثمة قضايا ميتافيزيقية ولا تطلعات اشارقية وحدسية ولا انهماكات او نزوجات صوتية "الا في القليل" لان سامي رجل حسي دنيوي ملتصق بالأرض والواقع، لا يغامر عن الابتعاد عن العراق، حتى وان توافرت له فرص عديدة متنوعة، لأنه يفقد قواه او يظل جناحه مشدودا بألوان قوس قزح قد لا تستديم او تُفعّل هاجسه المسرحي المعتاد في الفن والحياة.

كانت عروضه تزخر بأنماط عديدة من الصور "الحسية والذهنية والرمزية" ولا يدعي البتة انه من انصار مسرح الصورة، كما فعل تلميذه صلاح القصب. وكان يلجأ هذا الاستاذ الى آليات ووسائل متعددة كالتجسيد والتشخيص والتجريد والتشبيه والترميز والمنولوجات وتبادل المدركات والتلوين والتراسل والتراكم والمفارقة والمعادل الموضوعي كما في "كلكامش" او يسعى الى اقتران الاضداد او الى تقنيات عديدة يحقق من خلالها ابتكار الصورة كما في "عطيل في المطبخ" حينما قلب صورة هذا الامير الافريقي الى عاشق معاصر لـ "دزدمونة" داخل كافيتريا دائرة السينما والمسرح وتقريب هذه الصورة من خلال الفنتازيا والدهشة والطرافة والحلم.

ولأننا من عايشنا هذا الاستاذ في درسه الاكاديمي ومنصات المسرح كممثلين ونقاد ومخرجين – احيانا – او مريدين وحواريين في احيان اخر، فإنني شخصيا لا اخفي سرا ان قلت ان استاذنا سامي يفتنه القول احيانا عن المقول، والشكل عن المضمون، او هدف الفن ان كان للحياة، ام للفن وحده، وقد عانيت شخصيا من هذا الامر لسنوات عديدة، قد يعرفها الآخرون من زملائي في سنوات مضت وانقضت، كما عشناها جميعا، بعد ان قلب لنا ظهر المجن في مناسبات كثيرة، حينما كان يعامل اي مؤلف او مخرج او ممثل كأي قزم صغير او تلميذ خارج عن الطاعة.

المصيبة اننا صبرنا على هيمنة هذا الاستاذ واحتداماته غير المبررة بحقنا، لا من خلال هيمنته على المشهد المسرحي خلال عقود سابقة منصرمة ولا من خلال الزاد والملح الذي جمع بيننا لمرات عديدة ولكننا في الحقيقة كنا نعتبره الاب والمعلم الاول لنا، نستذكر درسه الاكاديمي المخلص مرارا ونذرف الدمع ايضا بعد ان صيّر للمسرح العراقي فضاءات بهية متألقة، تفيد وتمتع وما زالت تغزو عقولنا وقلوبنا وتأخذ بألبابنا حتى اليوم.

ألم يكن سامي عبد الحميد حتى اليوم القابض على جمر المسرح في هذا الزمن العصيب؟ ام ترانا ما زلنا مقصرين معه؟!

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل