/
/
/

غالبا ما كان المصور الشمسي يجهز فيلما جديدا، ويطلب مني الثبات والتركيز وإغلاق فمي وعدم تحريك رموش عيني، لكنه يفاجأ بميل رقبتي السريع وإغماض عيني وفتح فمي، ومن ثم خسارة صورة جديدة وضياع وقت ثمين، فيلعن المصوّر حظه العاثر في ذلك النهار، ويبدأ بتجهيز فيلم آخر، عسى أن يتخلص من هذا النحس!
كنت أسخر من المصور الشمسي ومهنته، من إشاراته وتوجيهاته وأصابعه الملوثة بالأحماض، ومن الكرسي الخردة، والصندوق الخشبي ذي الأرجل الثلاث، وقطعة القماش السوداء، والدلو الصدئ، و"الكرك"، وقطعة القماش السوداء الخلفية، و"الشاصي" الذي يشبه خرطوم الفيل. كنت ألوي شفتي ساخرا من الصورة السالبة "المسْوَدة"، التي يتحول فيها وجهي إلى وجه جني. وجه أسود، شعر أبيض، عينان بيضاوان، لا تمت إلى "التصوير الكهربائي"، ولا إلى صوره الواضحة التي كنت أعشقها، وأتمنى أن أعمل في إحدى ستوديوهاته.
ذات مرة، طلبتُ من أبي أن يجد لي فرصة عمل في العطلة الصيفية، وفضَّلتُ أن يفاتح صديقه مصور "ستوديو ستراك الفني" بذلك، وافق الحاج، وذهب إلى صديقه المصور، لكنه وجد مَنْ سبقه وعيَّن ابنه عاملا في الأستوديو، فعاد منزعجا، ثم جرَّب حظه في جولة شملت عدة ستوديوهات تصوير وفشل أيضا، لم يجد غير صديقه القديم، المصور الشمسي "مهودر"، الذي كان يعاني من آلام شديدة في المفاصل، فوافق بسرعة، واقترح على الحاج أن أتولى التصوير بكاميرته الشمسية فورا، مقابل أن يحصل العجوز على ثلثي المردود المالي يوميا.
فاجأت أبي بموافقتي السريعة على العرض! استلمت الكاميرا، واخترت مكانا جديدا، قريبا من موقف سيارات نقل الركاب في شارع "بشار"، ثم باشرتُ عملي منذ ساعات الصباح الأولى.
اهتممت بضبط نسب المحلول، لالتقاط صور شديدة الوضوح، خلافا لتحايل أستاذي العجوز "مهودر"، فجهَّزتُ محلولاً كافياً للتصوير يزن أكثر من لتر، مؤلف من ملعقة "كاربونات"، وملعقة "سلفات"، وملعقة "هيدرويكول"، وملعقة "ميتول"، ثم اخترتُ أفضل مواد التصوير المستوردة المتوفرة في السوق، من ماركتي "الهايبو" و"دفلوبر"، إضافة إلى الحبر الأحمر نمرة "1"، كما اعتمدتُ على مهارة غير تقليدية في التقاط الصور سريعا، وفق آلية وضع الأفلام مجتمعة في "بوسكارت" واحد، ورحت أصور أكثر من سبعة أشخاص في غضون دقائق، وسط دهشة الزبائن جميعا!
في المساء، سلّمتُ "مهودر" ثلثي محصولي المالي، فاندهش الرجل من الأوراق المالية التي ملأت كفه. كانت أكثر مما كان يحصل عليه في غضون أسبوع، لذلك قال لـي بنبرة "أسطواتي" مفخمة:
-
أنت مصور بارع!
ردَّتُ عليه باعتداد يخلو من اللياقة:
-
بارعٌ، ولكن ليس في تصوير شمسي خردة آيل إلى المتحف.. باي باي.
في اليوم الثاني تركتُ العمل!

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل