/
/
/

بعد التغيير في 2003 تقلدت الحكم اقلية تمسك بالثروات الطائلة اغتنت من وراء السلطة يمكن ان نطلق عليها (الاوليغاركية) او الطغمة المالية الحاكمة المسؤولة عن ادارة شؤون البلاد, الى جانب  وجود اغلبية فقيرة تعاني الأزمات المعيشية والاقتصادية انتفضت للمطالبة بتوفير الخدمات وفرص العمل والحياة الحرة الكريمة, وتحاول تأمين الحد الأدنى من العيش في ظل غياب الشفافية والمساءلة مع تغييب كامل لدور السلطة التشريعية في الرقابة ومساءلة وزارات الدولة, مع قيام القوى المتنفذة الحاكمة بتعيين الموظفين في المواقع الادارية العليا والسفارات والملحقيات الثقافية والتجارية ومفاصل الدولة المختلفة على اساس المحسوبية والمنسوبية ودرجة القربى من الوزير او المسؤول الحزبي. وتم الاحتفاظ بالدرجات الوظيفية لصالحهم بينما ابناء شعبنا ممن هم خارج دائرة القوى المتنفذة يعانون البطالة وشظف العيش مما دعاهم الى الانتفاض مطالبين بحقوقهم والمساواة وتحقيق العدالة الاجتماعية ولكنهم تعرضوا للرصاص الحي والقنابل المسيلة للدموع والهراوات والاعتقال وحتى الاغتيال وتكميم الأفواه وفقا لديمقراطيتهم المقزمة.

اليوم نلاحظ اسماء كبيرة في العراق متهمة بالفساد وسرقة ثروات البلاد والتصرف بها او ايداعها في بنوك خارج البلاد او شراء العقارات والمشاريع. وعلى الرغم من ان العراق هو ثاني اكبر منتج للنفط في منظمة (اوبك) ويحصل على مليارات الدولارات سنويا من بيع نفطه الخام لكن الحكومات العراقية المتعاقبة منذ 2003 والى اليوم عاجزة عن توفير الخدمات الأساسية للسكان.

بموجب تقارير منظمة الشفافية الدولية, اعتبر العراق من اعلى دول العالم في معدلات الفساد الاداري والمالي المتفشي في معظم مفاصل الدولة المدنية والعسكرية, ففي العام 2017 حل العراق في المركز (169) من بين (180) دولة  على مؤشر الفساد, وبلغ العراق اعلى درجة له في الفساد عام 2007 عندما احتل المرتبة (178), بينما سجل ادنى مستوى له في الفساد عام 2003 حيث احتل المرتبة (113). ويعتبر ارتفاع معدلات الفساد في العراق هو احد (المنجزات) المهمة للقوى المتنفذة الحاكمة. والفساد في العراق ليس كغيره في الدول الاخرى فهو قد اصبح قاعدة ويقاس بالمليارات وليس بالمفرد كما انه من فعل كبار المسؤولين من السياسيين وبعض نواب الشعب, والفساد في العراق جاء من خلال توظيف السلطة لممارسة الفساد وتوظيف الفساد لبلوغ السلطة.

ان سبب احتلال العراق للمراتب المتقدمة في مؤشر الفساد يعود الى نظام المحاصصة الذي سبب ضعف الدور الرقابي لمجلس النواب بفعل المساومات المتبعة في العلاقات بين الكتل البرلمانية  التي تتفق على عدم محاسبة المفسدين من اي طرف اعتمادا على قاعدة (شيلني واشيلك). ان سبب الفساد في العراق هو فساد السياسيين, والفساد السياسي في العراق هو اختصاص حصري للطبقة السياسية المتنفذة فهي المحتكر الوحيد لهذا النوع من النشاط.

لقد وصفت صحيفة (لوفيغارو) الفرنسية الفساد المتفشي في العراق بداء السرطان. واشارت صحيفة (الغارديان) البريطانية  بشكل متشائم الى انه ((لا أمل بإصلاح  الفساد في العراق)) مشيرة في تقرير لها ((الى ان الطبقة السياسية في العراق قد قادت نهبا ماليا للمال العام لمدة 13 عاما بحثا عن النفوذ وعندما بدأت اسعار النفط تنخفض وتؤثر على موارد الدولة تلاشت كل الآمال في تحسن الحكم)). اما صحيفة (ديلي ميل) البريطانية فقد صنفت في تقرير لها مجلس النواب العراقي السابق كـ ((أفسد مؤسسة في التاريخ)) بسبب كثرة الأموال والامتيازات التي يحصل عليها عضو المجلس من دون تقديمه أي قانون يهم البلد, وتبين الصحيفة البريطانية في تقريرها ((ان البرلمانيين العراقيين يحصلون على اكثر من الف دولار في الدقيقة الواحدة برغم انهم لم ينتظموا في الحضور سوى عشرين دقيقة فقط كمعدل من دون ان يضعوا قانونا واحدا للبلد.)), وتضيف الصحيفة ((ان البرلمانيين العراقيين يحصلون على رسوم تقدر بـ 90  ألف دولار وراتب قدره 22  ألفا و500 دولار ما يعني تقاضيهم راتبا اكبر من عضو الكونجرس الأمريكي)) وتطرقت الصحيفة في تقريرها الى وجود استياء شعبي عارم ازاء النائب العراقي بسبب راتبه العالي وامتيازاته في الوقت الذي يكافح فيه الكثيرون من اجل تغطية نفقات حياتهم اليومية البائسة والتي زادها البرلمانيون بؤسا. وتشير الـ (ديلي ميل) الى ان ((الموظف الحكومي يحصل في المتوسط على 600 دولار في الشهر, وان البرلماني الذي يفشل في الحصول على مقعد في الدورة التالية تجري احالته الى التقاعد المفبرك ليتقاضى 80 في المائة من راتبه الشهري مدى الحياة ويسمح له بالاحتفاظ بجواز سفره الدبلوماسي هو وجميع افراد اسرته)), واكدت الصحيفة ان ((هذه الامتيازات الشاذة التي اخترعها  البرلمان العراقي تسرق من قوت الفقراء والأيتام والأرامل معلقة على ذلك بأنه حتى اعظم رؤساء اعظم دول العالم ما كانوا يحلمون بالحصول على هذا)). فأي ظلم هذا؟ والمطلوب من الحكومة المقبلة وضع حد لهذا الأمر والتعامل بعدالة مع جميع الموظفين سواء في الرئاسات الثلاث او في باقي الوزارات وكذلك تطبيق ضوابط قانون التقاعد الموحد على الجميع ومنح الراتب التقاعدي لمن يستحقه وفقا للضوابط الواردة في القانون. حسب تصريحات هيئة النزاهة العراقية فان ربع اعضاء الحكومة تلاحقهم تهم الفساد وقامت الهيئة بحظر سفر 400 شخص من بينهم وزراء ونواب ووزراء سابقون ومديرون عامون ومحافظون. لم تتم مكافحة الفساد في العراق بصورة جادة وكثيرا ما نسمع وعودا بمكافحة الفساد ولا يتحقق ذلك وكثيرا ما تبدأ المساومات بين المعنيين وعقد الصفقات السرية المشبوهة للتستر عليها وحماية الفاسدين بغطاء الدولة وقانونها المسيس, اضافة الى ذلك فان كثيرا من الوزراء وكبار المسؤولين المتهمين بقضايا الفساد يهربون من البلاد  ومعهم مليارات الدولارات محتمين بجنسيتهم الثانية التي يحملونها, ويشير تقرير لمركز انجاح للتنمية الاقتصادية بأنه خلال 13 عاما بعد الاطاحة بالنظام السابق بلغت عائدات النفط اكثر من 800 مليار دولار في حين كلف الفساد خزينة الدولة 312 مليار دولار. كما تشير التقارير الى ان هناك 400 مليار دولار قد دخلت الى الميزانيات العراقية في غضون خمس سنوات بسبب ارتفاع اسعار النفط عالميا. لكن اين ذهبت هذه الأموال؟ هل بني مستشفى واحد وفقا للمواصفات والتقنيات والخبرات العالمية؟ ولماذا يضطر المرضى العراقيون للمغادرة بهدف العلاج الى الهند او بيروت او اسطنبول وغيرها؟ وهل تم بناء مدرسة واحدة نموذجية؟ واين الجامعات الحديثة. واين الكهرباء والماء؟ وهل تم تطوير الصناعة والزراعة والسياحة والنقل وغيرها من القطاعات الاقتصادية؟  اذاً هناك خلل كبير في ادارة الأموال العراقية الوفيرة التي تدخل ميزانية العراق.

مكافحة الفساد في العراق:

هل يمكن مكافحة الفساد الكبير في العراق؟ ام مثلما قالت صحيفة (الغارديان) البريطانية ان ((لا أمل بإصلاح الفساد في العراق))؟

الفساد في العراق اصبح يهدد مسيرة التنمية ويدمر اقتصاد البلاد وقدرتها المالية والادارية وبالتالي عجز الدولة على مواجهة تحديات اعمار واعادة اعمار وبناء البنى التحتية اللازمة لنموها. وكان موضوع الفساد المحرك الأساس للحراك الشعبي الذي انطلق في بغداد ومحافظات العراق المختلفة احتجاجا على ما وصلت اليه حالات الفساد من مديات غير مسبوقة تاريخيا ودوليا. ولابد من مكافحته وبالإمكان ذلك مع الاستفادة من تجارب الدول في مكافحة الفساد من خلال:-

1)         اصدار قانون لمكافحة الفساد وانشاء مكتب للتحقيق في ممارسة الفساد.

2)         زيادة رواتب الموظفين الحكوميين بحيث تكفي لتوفير مستوى حياة كريمة .

3)         توعية الجمهور للإبلاغ عن حالات الفساد.

4)         تبسيط الاجراءات الادارية والحد من المستندات المطلوبة للحصول على الخدمة مع وضع مدونة اجراءات واضحة ووضع حد للروتين الاداري.

5)         دفع الرسوم والغرامات الكترونيا والحد من تعامل الموظف بالمال وتقديم الخدمات الكترونيا للتقليل من الاتصال المباشر بين الموظف وطالب الخدمة.

6)         مراجعة تاريخ الأفراد قبل توظيفهم لضمان عدم تولي اي شخص لمنصب قيادي او عمل سياسي بسبب شبهات سابقة بالفساد فـ (المجرب لا يجرب).

7)         حسم ملفات الفساد من قبل القضاء ضمن سقف زمني محدد  وعدم تأجيلها.

8)         تعدد المحققين في قضايا الفساد بحيث لا يجوز ان يتولى القضية محقق واحد.

9)         الكشف عن الذمم المالية للمسؤولين قبل تولي مناصبهم.

10)       تشكيل لجنة من الخبراء لمراجعة عمل مؤسسات مكافحة الفساد.

11)       تشريع قانون لحماية الشهود والمبلغين عن قضايا الفساد.

12)       اعطاء الدور الريادي لوزارة الثقافة والتعليم العالي والتربية لوضع منهج دراسي لكل المراحل لتلبية ثقافة الحرص على المال العام والنزاهة وتقليص روح الأنانية الفردية.

13)       العمل على تطبيق مبدأ استقلال القضاء بما يضمن سير الاجراءات القضائية ومحاسبة المفسدين وبشكل عادل ونزيه.

14)       تعزيز دور الاعلام ليأخذ مداه الكامل كسلطة رابعة في عملية الكشف ومتابعة الفساد والمفسدين في هياكل الدولة ونشر ثقافة النزاهة والشفافية والمساءلة وتعريف الأفراد بمخاطر الفساد وتأثيراته في المجتمع والاقتصاد الوطني.

15)       الحد من ظاهرة غسيل الأموال وتطبيق قانون مكافحة غسيل الأموال.

16)       انشاء دائرة  متخصصة بمكافحة تهريب الثروة النفطية الوطنية تتكون من عناصر كفوءة ونزيهة غايتها المصلحة العامة للبلد وعقد اتفاقات مع الدول المجاورة للتعاون في مكافحة عمليات التهريب.

17)       الاصلاح الاداري الشامل للحد من الفساد في مؤسسات الدولة.

18)       دعم انظمة الحكومة الالكترونية التي هي من الوسائل المتطورة في مكافحة الفساد.

19)       دعم الهيئات المتخصصة واستقلاليتها, وتفعيل وتطوير الآليات والقوانين التي تهدف الى حماية المال العام ووضع خطط واجراءات عملية لاستعادة الأموال المنهوبة.

20)       ان محاربة الفساد في العراق وبكافة أشكاله تبدأ من محاربة الفساد السياسي ووضع حد له وعدم السماح لتوظيف السلطة بممارسة الفساد وتوظيف الفساد لبلوغ السلطة.

21)       قيام منظمات المجتمع بدورها التوعوي..

22)       تفعيل دور السلطة التشريعية في الرقابة ومساءلة وزارات الدولة.

23)       التخلص النهائي من نظام المحاصصة سيئ الصيت  واعتماد مجلس الخدمة العامة في التعيينات وفق اسس الكفاءة والخبرة والشهادة العلمية بدلا من المحسوبية والمنسوبية.

24)       تشريع القوانين الرادعة والفاعلة والعادلة لمكافحة الفساد ومحاسبة الفاسدين.

وبذلك نتمكن من مكافحة الفساد في العراق ونحقق الاصلاح والتغيير في حالة توفر الارادة السياسية الجادة وليس كما قالت صحيفة الغارديان البريطانية بأنه ((لا أمل بإصلاح الفساد في العراق)).

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل