/
/
/

في الوقت الذي تشتد فيه الأزمة الاقتصادية والاجتماعية وتأخذ بخناقها مختلف جوانب المجتمع الإيراني، يجري البحث الآن عن السبل التي ستسلكه الحكومة لمواجهة الأزمة وعن مدى فهم النظام الحاكم لهذه الأزمة وهو الذي حكم البلاد منذ ثلاثة عقود بأسم "الأسلام". وفي هذا الإطار نشرت صحيفة "تجارة الغد" الأسبوعية التي يصدرها الرأسمال الخاص الريعي الفاسد في آخر عدد لها تحت عنوان " كيف ترسخت الاشتراكية في الثورة الإيرانية" بقلم ف. شيرازي الذي اعتبر أنه إضافة إلى علي شريعتي، فإن آيات الله من أمثال الطالقاني ومطهري وبهشتي كانوا متأثرين بالافكار الاشتراكية حسب رأي الكاتب، حيث أشار في المقال إلى أنه:" لم يجر الترويج للأفكار الاشتراكية فقط في السنوات التي سبقت الثورة على يد مثقفين من أمثال علي شريعتي بأساليب وقراءات متنوعة، بل أن أفكارها قد وجدت طريقها في أحاديث وآثار رجال دين تقدميين مثل محمود الطالقاني ومرتضى مطهري ومحمد بهشتي، وهي شخصيات اتخذت في مرحلة من مراحل حياتها قبل وبعد الثورة الاسلامية مواقف تؤكد بشكل علني على نفيهم للملكية الخاصة وتأييدهم للتسعير وقمع التسعيرة والمركزية وتشكيل حكومة موسعة وتدخل الدولة في الشؤون الاقتصادية، مما يشكل ذلك انحيازاً إلى  الاشتراكية وعداءاً للاقتصاد الحر ولاقتصاد السوق".

البحث هنا لا يدور حول نشرات موجهة وغير علمية للكاتب. فاستخدام مفاهيم مثل " قمع التسعيرة" بدلاً من استخدام السيطرة على سعر البضائع، أو الدولة الكبيرة والمتدخلة بدلاً من الدولة التي لا تسمح بأن تتغلب المنافع الخاصة على المنافع العامة، أو استخدام مفهوم "معارضة الاقتصاد الحر واقتصاد السوق"، بدلاً من الرقابة على الاقتصاد ومنع أن يصب نشاط السوق في صالح القطاع التجاري غير المنتج، كل هذه دلالات على وجهة نظر تنحاز إلى المنافع الطبقية التجارية التي يرتبط بأقتصاد لا يراقب الصادرات ولا الواردات ولا الريع ولا النهب. 

البحث هنا لا يدور حول فهم الاقتصاد الاسلامي والدوافع وراء البحث من جديد حول الاقتصاد الاسلامي. إن كاتب المقال يعتبر أفكار شريعتي والطالقاني وبهشتي ومطهري ضربا من " الانحياز إلى الاشتراكية". وكان بإمكان الكاتب أن يضع اسم الخميني أمام كل هذه الأسماء، فالخميني قال إن " إنني خلاصة لمطهري"، في حين أن الرأسماليين التجاريين الذي يصدرون صحيفة "تجارة الغد" يعلنون منذ شروع الثورة إن عمامة الخميني تحمل رمز المنجل والمطرقة.

وحسب ما ورد في صحيفة " تجارة الغد":" في آراء محمود الطالقاني وحتى في السنوات التي سبقت الثورة الاسلامية، نجد وجهات نظر مشابه للماركسية ومعارضة للاقتصاد الحر، وإن الاقتصاد الحر هو مرادف للرأسمالية المنفلتة...وإن مرتضى مطهري ورجال دين آخرون، بالرغم من سعيهم لبلورة وتعريف طريق لاقتصاد وسطي بين الرأسمالية والاقتصاد الماركسي، ولكنهم يهدفون إلى نفي الرأسمالية، وإن أحد الطرق الاقتصادية التي يطرحونها هي "ضرورة فرض الملكية الاشتراكية على صناعة المكائن في المجتمع لكونها حالة خاصة من "حالات الاختراع الإنساني". وتَعتبر "تجارة الغد" أن بهشتي هو الآخر "رجل دين ثوري" علاوة على دوره في "التنظير" لاقتصاد الدولة في السنوات التي سبقت الثورة الاسلامية، وكان له دوراً مؤثراً في "الصياغة الحقوقية" لاقتصاد الدولة في الجمهورية. إن هؤلاء الأربعة هم شخصيات متنفذة في تبني الافكار الاشتراكية في أفكارهم وآثارهم والتي تحولت تدريجياً إلى سياسات وقوانين للبلاد".

وبعد ذلك يتناول كاتب المقال دور كتاب "اقتصادنا" لمؤلفه محمد باقر الصدر، وهو من عائلة مقتدى الصدر الذي إئتلف أخيراً مع الحزب الشيوعي العراقي لخوض الانتخابات البرلمانية، كما يتناول المقال كتاب "الملكية والعمل والرأسمال" لمؤلفه المفكر الاسلامي حبيب الله پيمان وكتاب "الاقتصاد التوحيدي"، لمؤلفه أبو الحسن بني صدر، ويعتبرهم جميعاً من مروّجي "اقتصاد الدولة ومبلغين أشدّاء للاقتصاد الاشتراكي".

بالطبع، وكما هو متوقع فإن صاحب المقال يعتبر لجميع هؤلاء خلفية بحزب توده إيران، وحسب ما يدعي الكاتب " أن دور هذا الحزب واضح في تخريب علم الاقتصاد والترويج للأفكار اليسارية السابقة". وحسب صحيفة "تجارة الغد" ليس هناك إلا "علم اقتصاد واحد" وهو "علم" اقتصاد يدافع عن مصالح الرأسمال التجاري، الذي كما بينت تجارب العالم يؤدي إلى التخلف والفاقه وفقر الشعب، وغير ذلك وما هو إلاّ تخريب لعلم الاقتصاد.   

وكما تشير صحيفة "تجارة الغد"،فإن بزرگ علوي، عبد الحسين نوشين وجلال آل أحمد وإبراهيم گولستان هم من بين أكثر الكتاب تأثيراً، والذين كانوا في بعض الأحيان أعضاء في حزب توده ايران. كما كان نيما يوشيج وصادق هدايت وصادق چوبك وغلام حسين ساعدي أيضاً من أنصار الحزب في فترات متفاوتة، وانعكست ميولهم في آثارهم وطغت على الأجواء الفكرية في المجتمع الإيراني.

أثّرت هذه الأفكار في السنوات الأولى للثورة الإسلامية وفي ظل صياغة الدستور وتشكيل الهياكل الاقتصادية للجمهورية الإسلامية، وفي ظل استمرار قوة الاجواء الفكرية والشعارات الثورية والقرارات والاجراءات التي اتخذت كالمصادرة وتأميم الصناعة والبنوك مظاهر. ومن البقين أن لهذه الميول ذات تأثير كبير في السنوات الأولى من عمر الثورة، إي في مرحلة تدوين القانون الأساسي وتشكيل المؤسسات الاقتصادية لنظام الجمهورية الاسلامية، حيث كانت الأجواء الاجتماعية مشحونة بالافكارالثورية وشعاراتها وقراراتها، وجرت خطوات صوب مصادرة الأملاك وتأميم الصناعات والبنوك وهي أولى تأثيرات هذه الميول آنذاك.

بالطبع لا يشير الكاتب إلى أن تأميم البنوك كانت أكثرها ايجابية للحكومة بعد الثورة. واليوم يعتقد غالبية الاقتصاديين الوطنيين والتقدميين أنه لو لم يجر تأميم البنوك فلم يكن بإمكان الحكومة إدارة شؤون البلاد في ظروف الحرب. أما فيما يتعلق بتأميم المؤسسات الصناعية‘ فإن بعض أصحابها قد لاذوا بالفرار، ولذا أصبح من الضروري تدخل الدولة وتعيين مدراء لها. والقسم الآخر من هذه المؤسسات تعرضت إلى هجوم الرأسمال التجاري الذي سعى إلى إمتلاكها ثم تفكيكها وبيع أراضيها ومعداتها. في الواقع أن انتقاد الرأسمال التجاري للتأميم ينطلق هذا الواقع. فهم يقولون لماذا لم توكل هذه المؤسسات إلى الرأسمال التجاري بدل أن تسلم إلى الدولة. أساس هذه الفكرة كان يرددها المرحوم حبيب الله عسكرأولادي ( من التيار المتطرف الاسلامي الحاكم) الذي كان يردد المقولة التالية:" لإيران مزايا نسبية في التجارة، ويجب أن نسلك هذا الطريق ونحصل على الأرباح".

إن كل ما ورد أعلاه يثير السؤال التالي: لماذا يتذكر الرأسمال التجاري الإيراني اليوم أن كل من شريعتي والطالقاني وبهشتي ومدونوا القانون الأساسي هم اشتراكيون أو كانوا تحت تأثير الاشتراكية؟ نعتقد أن ذلك يعود إلى الأزمة العميقة التي خلقتها الرأسمالية الإسلامية في البلاد التي أحدثت نفوراً عاماً من النظام والذي أدى بدوره إلى "نفور من الاسلام"بقدر ما. ومن ناحية أخرى هو سعي الاقتصاديين والشخصيات الوطنية والتقدمية الاسلامية إلى التصدي لهذه الحالة و "انقاذ إيران والاسلام" حسب اعتقادهم، وكان آخرها نشر هو مؤلف من مجلدين بقلم آية الله بهشتي تحت عنوان "النظام الاقتصادي الاسلامي"، الذي يوجه النقد بشكل صريح إلى الرأسمالية الاسلامية. إن الرأسمالي التجاري أصيب بالذعر جراء نفور الشعب من الرأسمالية الاسلامية الحاكمة وحماتها في بيت المرشد وبين بعض مراجع التقليد والظلاميين الدينيين الذين يدعون أن ذلك النظام الاقتصادي الموجود في آثار الطالقاني والمطهري وبهشتي ليس "اسلامياً"، بل "اشتراكياً". إذن، إن سدى ولحمة مقالة "تجارة الغد" هو الدفاع عن استمرار هذا النظام الرأسمالي الاسلامي الحاكم اليوم.

*عن موقع "راه توده"

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل