/
/

ماذا أستطيع أن أقول عن غيابك يا رفيقي فالح عبد الجبار، سوى أنه غياب شكل خسارة كبيرة للعراقيين والعرب ولكل المختصين الدوليين في علم الاجتماع. برج من الأفكار النيرة والطموحات الخيرة هوى في وقت، ما أحوجنا فيه لمن يعيننا على اكتشاف خارطة الطريق نحو عراق آمن مسالم متنوع وموحد!
كنت نموذجا، اذا، للمثقف " العضوي " الذي تحدث عنه غرامشي، حيث لم تغب عن ذهنك مصالح الطبقات الفقيرة والمعدمة. تربيت على هدى الفكر الماركسي الذي كنت تعتمده في قراءتك لتاريخ الشعوب وصراعات طبقاتها السياسية.
ترعرعت " هنا " في "طريق الشعب" التي شكلت بالنسبة لك المدرسة الحقيقية الأولى في العمل الصحفي بمختلف مساراته وتشعباته، فنلت عن استحقاق وجدارة، وانت في ريعان الشباب، في منتصف سبعينيات القرن الماضي، وسام اتحاد الصحفيين العالمي!
وحين اشتدت الهجمة الفاشية، في تلك السنوات، من قبل النظام البوليسي البعثي، على الحركة الشيوعية واليسارية اضطررت لترك العراق مثل مئات المثقفين من رفاقك وزملائك، ورحت متنقلا بين المنافي، حتى استقر بك المقام في عاصمة الضباب، ولكن دون أن يحجب عنك ذلك الضباب الرؤية لما يجب ان ترى مما يضطرم من صراع تحت سطح الصفيح الساخن في المنطقة!
ورغم قسوة الغربة وبرودتها إلا أنها لم تفل من حماستك في الدرس والمثابرة فنلت أعلى الشهادات، واهمها، التقدير الذي حظيت به من قبل حتى المختلفين مع فكرك، فأصبحت " ايقونة " عراقية مثل علي الوردي وجواد سليم ومصطفى جواد وشمران الياسري(ابو گاطع) وعزيز علي وعشرات آخرين..
لم ترفض يوما دعوة للحوار، ولم توفر جهدا في تقديم المشورة لطالبيها، دون أن تحيد عن فكرك وطموحاتك الى الإصلاح والتغيير، فبادرت الى العودة لوطنك حال سقوط نظام صدام، غير طامع بجاه او منصب او مال. فاثبت، مثل عشرات آخرين يعيشون في المنافي، بأننا لا نستطيع ان نضع الجميع في سلة واحدة! بمعنى أنه ليس كل منْ جاء منَ المنافي هو " خماط" او " نهاز" فرص.
المنفى يعج بعدد كبير من الشرفاء أمثالك يا فالح، والذين لم تسنح لهم الفرصة ان يتبوأوا منصبا مهما، ولن يُسمح لهم بالعمل في ظل نظام المحاصصة الحزبوية المقيتة، المسؤول الاول عن الازمات التي " يفرّخها"، وعن الفساد الذي نراه اليوم في العراق، وقد استشرى في كل مفاصل الدولة.
هذا الفساد لم يجلبه الشرفاء من أبناء المنافي كما يتصور البعض، بل هو تجسيد لسياسة الحكومات المتعاقبة على دفة الحكم منذ 2003 !
نم قرير العين رفيقنا فالح عبد الجبار. لم نقل لك وداعا، لأنك ستبقى حاضرا بيننا بافكارك النيرة. وستبقى كتاباتك تشكل بصيص ضوء في نفق إلعراق!

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل