/
/

حوار أجريته مع الذات !.. يدور حول ما يجري اليوم على الساحة العراقية ، والسيناريوهات التي يتم الإعداد لها وتسويقها !.. لتأخذ طريقها الى المشهد السياسي العراقي المرتبك والمتشابك ، نتيجة لعوامل داخلية وإقليمية ودولية ، والتي خرجت اليوم من عالم التكهنات والتوقعات والأحلام والأماني عند البعض ، ودخلت في عالم الإعداد والتنفيذ .

وهذا ناتج عن التدهور الفاضح والمرير والبائس ، الذي يمر به العراق ، والتراكمات الهائلة من الفشل والفساد بكل أشكاله ، والطائفية السياسية ، والمحاصصة والتمييز والعنصرية ، وغياب الأمن والعدالة والمساواة على حساب العراق وشعبه ، وغياب الخدمات والتنمية وتوقف عجلة الاقتصاد بشكل شبه كامل .

هذا وغيره ناتج عن غياب الدولة ومنظومتها الأساسية !.. 
في العراق لا يوجد لدينا دولة !!.. عندنا سلطة ابتلعت الدولة ومؤسساتها المختلفة !.. 
والسلطة تم تقاسمها بين أُمراء الطوائف والمناطق والأحزاب والميليشيات ، الذين تحولوا وخلال فترة تزيد قليلا عن عشر سنوات ، تحولوا الى أباطرة وحيتان وذئاب كواسر ضارية ، يبتلعون وينهشون كل من يعترض طريقهم ، أو يخالف رأيهم ، سرقوا كل شيء في هذا البلد ، وتركوا الناس يتضورون جوعا وبؤسا وشقاء وتشريد وحرمان ، والمنظمات الإرهابية وعصابات الجريمة المنظمة وعصابات المخدرات والسلاح والبشر جميعها تصول وتجول وبحماية ورعاية هؤلاء !..

هذه جميعها وغيرها تدار من قبل هؤلاء الأباطرة والحيتان ، والتي تدر عليهم المليارات من الدولارات ، وعلى حساب الدم العراقي ودموع العراقيين ، ومن دون أي وازع أخلاقي ولا ضمير !...

بالرغم من كل المناشدات والأصوات المرتفعة في محافظات العراق المختلفة ، وعلى امتداد سنوات ، تدعوهم الى معالجة التدهور الشامل والكامل ، والقيام بإصلاحات عاجلة وعملية ملموسة ، وفي مقدمتها الخدمات ( تعليم وصحة وكهرباء وماء وطرق وسكن ومعالجة البطالة التي تتسع سنة بعد أخرى ، والخروج من مستنقع اقتصاد ريعي وتحريك عجلة الاقتصاد بفروعه المختلفة ، وكذلك إجراء إصلاحات في بناء الدولة ومؤسساتها ، وعلى أساس دولة المواطنة والعدالة وترسيخ ثقافة القانون والفصل بين السلطات ، وإصلاح المؤسسة الأمنية والعسكرية ، وبنائها على أُسس وطنية ومهنية ، وحصر السلاح بيد الدولة ، وحل الميليشيات وسلاحها المنفلت ، الذي يهدد الأمن والتعايش بين مكونات شعبنا المختلفة ، والتعايش والسلام والأمن ، والعمل على تحقيق قفزة نوعية في عملية التنمية والرخاء والتقدم .

هذه وغيرها كانت تطرح على الطاولة ، من خلال الأنشطة الجماهيرية والثقافية والسياسية ، ومن قبل أطراف متعددة ، وجميع هذه المناشدات والنوايا صادقة ومخلصة ، وتبغي الإصلاح الشامل ومن أجل الرخاء والتعايش وقبول الأخر .

مع شديد الأسف وبالرغم من كل ما عصف بالعراق وشعبه من أهوال ونكبات ، وما دفع من تضحيات في الأنفس والأموال والبنى التحتية ، وعلى امتداد هذه السنوات التي عاشها العراق وعلى أيديهم ، وبسببهم ونتيجة لحماقاتهم وجهلهم وولائهم لغير العراق ، ولفسادهم الذي فاق كل تصور !.. 
فإنهم لم يكترثُ ولم يُقِرُ بمسؤوليتهم عن الذي لحق بالعراق ، ويكابروا ويتجبروا وبشكل غبي ووقح ومشين ، ويمتنعون عن المكاشفة والمحاسبة والشفافية في تناول كل هذه التراكمات المريعة والمقززة المخيفة ، وتأخذهم العزة بالنفس !!.. وبشكل يثير الشفقة والأسى على تصرفاتهم ونهجهم الأهوج .

حتى وصلوا الى نقطة الا عودة بينهم وبين الجماهير !.. وفقدوا ثقة هذه الملايين ، قبل أن يفقدوا ثقة الأخرين ، الذين كانوا أكثر صبرا من جماهيرهم ، ولاعتبارات سياسية وربما لحسابات أخلاقية عصبية !!.. 
الانتخابات التي جرت في 12/5/2018 م ، وبالرغم من تدني نسبة المشاركة بشكل كبير ، وربما لا تزيد نسبة المشاركة من 15-19% وهي نسبة متدنية ، وهذا ناتج عن فقدان ثقة الملايين بنظامهم السياسي وبالأحزاب الطائفية الحاكمة منذ 2006 م وعقوبة لهم ولفسادهم ، ناهيك عن المفوضية الغير مستقلة والمنحازة وباعترافهم !.. وقانون انتخابات فصل على مقاسهم ، وما شاب العملية الانتخابية من تزوير ، والذي أوقع البلد بأزمة وطنية ما زلنا نعيشها لليوم ، وليس من الواضح متى سنخرج من هذا الجب العميق !.. رغم كل هذا وذاك ، فلم تتمكن الكثير من رموزهم السياسية والدينية من الوصول الى القاسم الانتخابي ، وبالتالي أصبحوا خارج قبة البرلمان القادم .

اليوم هناك تغير كبير وجوهري ، على الساحة العراقية وكذلك في مزاج الجماهير ، ولفضهم لقوى وأحزاب ( الإسلام السياسي الطائفي ) بنسبة أفقدت هذه الأحزاب توازنها ومواقعها ومكانتها في الوسط السياسي والاجتماعي وحتى الديني .

وليس بمقدورهم بعد اليوم ، من العودة الى السلطة نتيجة لتلك التراكمات والهواة السحيقة التي أوقعوا أنفسهم وشعبنا فيه . 
واليوم تهتف الجماهير وبملء الفم ، برفضهم لهذه الأحزاب وتطالب بإحالتهم الى القضاء واسترجاع ما سرقوه من أموال وإعادتها الى خزينة الدولة .

وهناك أمر غاية بالأهمية !.. ألا وهو ..

التعويل على العامل الخارجي والاستعانة به !.. وجعله طوق نجاة ، وتبرعهم بخدمة هذه الدول ، مقابل ضمان مستقبلهم السياسي ، وبقائهم على رأس السلطة لفترة أطول !.. فهذا رهان خاسر .. ولن يجدي نفعا !..

ربما سيأجل بعض الوقت هزيمتهم ومحاسبتهم من قبل الشعب ، ولكن في أخر المطاف سيقفون أمام القضاء صاغرين ومرغمين لا محال .

وحول ما يشاع هنا وهناك !.. وتسريبات لا تخلوا من أهداف ومرامي سياسية ، لا تبتعد كثيرا عن الصراع على السلطة ومغانمها ، حتى وان كان ذلك في الوقت الضائع !..

قوة شعبنا وجماهيره أكبر وأقوى من العامل الخارجي ..

ولكن المشكلة هي !.. ربما إذا تيقن الغرب ، بأن الجماهير أصبحت بوسعها إسقاط النظام القائم !..

فربما يستبقون الأحداث ويقومون بالتدخل الغير مباشر ، وفرض إرادته.. وشكل النظام الذي يريدوه وما يعتقدون بأنه يمثل مصالحهم ، فلا أعتقد بأنهم سيتأخرون من فعل ذلك !..

الأمور تتسارع وتململ الجماهير وانضمام شرائح مهمة من نقابات وجمعيات ومنظمات مجتمع مدني تزداد حراكا ( كما ونوعا ) ، وهذه إشارات مفادها بأن النظام الحاكم وأحزاب الإسلام السياسي والميليشيات التابعة لهذه الأحزاب قد فقدت الكثير من مواقعها ، ولكنها ما زالت تمتلك مواقع مهمة وميليشيات وسند خارجي ، يجعلها تشعر بإمكانية المناورة والتكتيك لتأجيل المعركة الحاسمة ! ..

وكذلك الوضع الإيراني يسير نحو التدهور ، نتيجة للتهديدات الأمريكية وفرض حصارها على النفط الإيراني ، الذي يمثل عصب مهم في الاقتصاد الإيراني ، والضغط عبر روسيا بسحب قواتها والمستشارين الإيرانيين من سوريا ، ورداة الفعل الإيرانية على ذلك بتصريحات عنترية مرتبكة وبعيدة عن الرؤيا الموضوعية ، ناهيك عن وضع اقتصادي متدهور، وحراك جماهيري غير محسوس ولكنه يحمل بين طياته بذرات السعي نحو التغيير .

هذه وغيرها مؤشرات على ضعف في جسم النظام السياسي الحاكم في العراق ، الذي تقوده قوى الإسلام السياسي ، ويتداعى بشكل متسارع نتيجة للصراع المحتدم بين أطرافهم على السلطة والمغانم والمواقع .

ونتيجة للخريطة السياسية ، وصراع القوتين العظميين !.. الغرب وروسيا والصين على مراكز القوى في الشرق الأوسط على المصالح ومراكز النفوذ ، ربما سيدفع الولايات المتحدة والغرب ( حلف الناتو ) الى سبق الأحداث والتحرك لتأمين مصالحها والمصلحة الإسرائيلية ، من خلال التفاهم مع روسيا على تقاسم المواقع ، ولتشديد الضغط على إيران ، وقبل أن تتمكن الجماهير المنتفضة في الوسط والجنوب من اسقاطه . 
وربما سيتبلور خيار ثالث ! .. بالاتفاق بين بعض رموز النظام الحاكم ( الإسلام السياسي ) والقوى الإقليمية والغرب ، بالسعي لإفشال ثورة الشعب وإضعافها وتسويفها من خلال منحهم بعض المكاسب الأنية والترقيع لهذه الملايين ، والالتفاف على ثورة الشعب المتصاعدة ، بالدفع ببعض رموز النظام الحاكم وبعض من رجال الدين ، الأكثر ولاء للمشروع الأمريكي ، ليحدثوا تغيرات في شكل النظام وطبيعته السياسية والفكرية ، بما لا يؤثر في أخر المطاف على رموز النظام وعدم الكشف عن الفاسدين الذين هم حيتانه وضباعه ، وكما ذكرنا وبما يؤمن المصالح الغربية حتى وإن تقاطع ذلك مع مصالح الشعب والوطن ، وكل الخيارات مطروحة وضمن الحسابات الغربية .
وأعتقد حازما بأن ثورة الشعب ستتواصل وتتسع يوما بعد يوم ، وان تعثرت بعض الوقت ولكنها ستنتصر في أخر المطاف وسيقول الشعب كلمته بحق من سرق ثروته وسعادته ورخائه وأمنه .

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل