/
/
/

ها نحن مرغمين تحت وطأة الموت، الذي ما برح  ذئبهُ اللئيم يطاردنا اينما حططنا وارتحلنا، نودع أمرأة من العراق، ومن اسمها نبتدئ، وفيه ما فيه لوحده، من معانٍ بيّنات، والكتاب يعرف من عنوانه، والاسم هو  : نضال وصفي طاهر...

     تعارفنا منذ نحو خمسة عقود. كانت تدرس في معهد الطب الفني ببغداد التي ولدت فيها، عام 1944 فعشقتها لتهبها ما استطاعت: وفاء ونضالاً وعبقا .. وكنت أسمع عنها قبل ذلك وهي تدرس في احدى جامعات المدن التشيكية، وعادت بعد انقلاب الفاشست من أوباش البعث في شباط المشؤوم عام 1963، قاطعة دراستها لتقف الى جانب والدتها المكلومة، وتشاركها في رعاية شقيقاتها نسرين ومي وهند، بعد بطولة استشهاد والدهم، الزعيم وصفي طاهر، ابرز مؤسسي الجمهورية الاولى، والمهيئين لها، في الرابع عشر من تموز 1958 .. وحسبكمْ ان  مردود بيع بعض ما احتوته مكتبة الوالد الشهيد، كان مَعيناً مالياً لتوفير لقمة العيش، لأفراد العائلة التي ستواصل العطاء والتضحيات .

   تنشط "نضال" في بغداد مع جموع الطلبة الديمقراطيين واتحادهم العام، وفي تنظيمات حزبها الشيوعي، من اجل وطن حر وشعب سعيد .. ثم لتتخصص بعد ذلك، ومع نهاية الستينات وعقد السبعينات في عمل الشباب الديمقراطي العراقي، واتحاده، وفي هيئاته المختلفة، ولتبرز في سكرتاريته، معنيّة بتشكيلاته النسوية، ومن ثم عن طلائعه فتياناً وصبايا بشكل رئيس.. ثم لتتراكم الشهادات عن تميزها هنا ايضا: جهدا وحرصاً وعطاء وشخصية مؤثرة .. وكنا في تلكم السنوات قريبين من بعض لبعض، فلقد شيئ لي ان اكون في معمعان تلكم الشؤون : الطلابية والشابية والسياسية والوطنية ..

    ولتميّزها، تشارك "نضال" في مهرجان الشبيبة والطلبة العالمي ببرلين عام 1973 وفي مهمات العلاقات الخارجية والوطنية ايضا. وتعود لبغداد لمواصلة الركب.. ثم نغادر العراق سوية- هي ومجموعة رفيقات ورفاق، وأنا- صيف عام 1978 ليجمعنا شهر كامل في المدرسة السياسية، في العاصمة البلغارية – صوفيا .. اي قبل اربعين عاما بالتمام والكمال . ثم قفلنا عائدين الى بغداد التي راحت تشهد تعمق الغدر البعثي الجديد، وحملته الارهابية الضروس ضد المعارضين الوطنيين، شيوعيين وغيرهم، وغيرهم.. وتعود "نضال" للنضال في قيادات التنظيمات المحلية للحزب، وسواها، وحتى أواخر عام 1978.

   وتبدأ الهجرة الاضطرارية وعلى أمل ألاّ تطول .. وها نحن بعد اربعة عقود وما نزال ننتظر وننتظر، ولا يبدو للعيان متى سيستقر الوطن ليستقبل الطموحين – حقاً-  في العودة اليه: احياء أو موتى . ونستقر منذ عام 1979 في براغ، بتكليف من الحزب، سوية في بيت واحد ولأكثر من خمسة عشر عاما، ومرة اخرى نعمل معاً في مجالات العمل الجماهيري والسياسي. وتبرز "نضال" من جديد حيويةً وجهودة دون كلل. وفي مختلف الهيئات والمهام: قيادة منظمة براغ، وتفرعاتها. لجنة التنسيق الطلابية العراقية لعموم الخارج. وكذلك في شؤون العلاقات الشبابية الدولية. واخيرا عضوا في لجنة تنظيم الخارج للحزب الشيوعي، آواخر الثمانينات الماضية..  ولقد كانت قد تطوعت في تلك الفترة للالتحاق مع تشكيلات الانصار الشيوعيين في كردستان العراق للاسهام في مقارعة النظام الفاشي، لطغمة صدام حسين. ويؤجل طلبها، بسبب احتياجات الحزب التنظيمية لها للبقاء في الخارج .

   وفي براغ ايضا تتجلى سمات "نضال" في مسؤولياتها الانسانية والسياسية والبيتية... منظمة قديرة، وصديقة وأختاً وأماً للجميع، كما ندري ويدري الاخرون. وكل ذلك تطوعاَ بعد ان رفضت اية مساعدة مالية من المخصصات المالية – ولو البسيطة – للكوادر المتفرغة للعمل الحزبي والسياسي. وتكتفي- لتغطية الاحتياجات الضرورية- بساعات عمل محدودة في القسم العربي بإذاعة براغ. وتالياً في المدرسة الليبية، معاونة لمديرتها، بعد ان برزت شخصيتها وسما دأبها وألق عطائها أمام الجميع.

   تضطر "نضال" لأن تترك براغ - بعد ضياع الحلم الاشتراكي مع مطلع التسعينات – وتغادر مع زوجها للالتحاق بولديهما: بشار ووصفي في السويد، اواسط العقد التسعيني. ولتعاني ما تعانيه من ملاحقة وظروف قاسية، ولحين حصولها على حق اللجوء، بعد قساوة انتظار . ومثلما كانت في كل مراحل حياتها عادت " نضال" رائدة انسانية – وطنية – سياسية، بشهادة الجميع ولا أبالغ، وذلك في مدينة "يوتوبوري" السويدية، منذ عام 1994 وحتى رحيلها بهدوء وتواضع الكبار في 2018.7.12.

  تزوجت "نضال" من قريبها وصديقها وحبيبها: نزار جلال البياتي، عام 1969، ثم اثمرا عن الولدين عام 1970 وعام 1975.. وكانت اسرتها الصغيرة كلها ترى فيها: زوجة واماً وصديقة وحبيبة ... اما عن اسرتها الاكبر: الشقيقات الثلاث، والاقارب، القريبين والبعيدين، وكذلك الاحباء والاصدقاء والمعارف، فقد بقيت "نضال" معهم وامامهم مثلاً يحتذي به الجميع، مستشارة للجميع، مساعدة للجميع، من رغبَ منهم  أم لم يرغب. وقد كتبتُ قبل بضعة ايام ونشرتُ ما نصه: " بحثت جاهداً عن احد لا يحب او يحترم او يقدر "نضال وصفي طاهر" فعجزت عن ذلك . بأستثناء جاحدين".

    يقول الجواهري "لا يولدُ المرءُ لا هـراً ولا سبعاً، لكن عصارةَ تجريب وتمرينِ" وهكذا كانت "نضال" وريثة والدها: وصفي طاهر، ووالدتها بلقيس عبد الرحمن، وخلاصة تجاريب وتمارين  الحياة الحلوة والمرة: واثقة الخطى. أنوفاً. رقيقة. مثابرة. حنوناً، وبقيت انموذجاً لامرأة من العراق!!. وداعا نضال وصفي طاهر !!.

-------------------------------------------

    * مساهمة في مجلس الاستذكار،

بعد مواراة الفقيدة الثرى، يوم الخميس : 2018.7.19

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل