كيف كانت المطبعة السرية تعمل؟ لا سيما إذا عرفنا أن العمل الطباعي في العراق كان يعتبر بحد ذاته عملا صعبا ومتعبا وشاقا في الظروف الاعتيادية للعامل، فكيف إذا احتاج لمواصفات خاصة؟! وغير خاف أن العمل الطباعي الاعتيادي الصرف
كان ـ أيامئذ ـ يحتاج إلى عمال يرصفون الحروف ويوزعونها مرة ثانية، كانوا يعملون كمجموعة، ويحتاجون إلى مصحح، والى طباع يقف على الماكنة، والى عدد من العمال يقومون بأعمال عديدة أخرى. كل هذه العمليات المعقدة كان يقوم بها، في بيت المطبعة، مناضلون معدودون يعملون بصمت وهدوء ونكران ذات منقطع النظير كي يوفروا لرفاقهم وللجماهير الزاد المعرفي والكلمة الشريفة ويطلعونهم على الحقيقة، وكان للمرأة المناضلة دور كبير في العمل الطباعي، فعلاوة على مشاركتها في عمليات الطبع المختلفة كانت تهيئ الطعام للعاملين، وتغسل الملابس، وتحرق الورق الزائد، فضلا عن مهمة أخرى كبيرة جدا، وهي صيانة بيت المطبعة، وخلق الظروف الطبيعية بالنسبة للجيران وغيرهم، وكذلك الاهتمام بتربية أطفالها وانجاز واجباتها، وكثيرا ما كان الأطفال العاملون مع عوائلهم في الطباعة يشاركونهم في الحرمان والظروف غير الطبيعية.
إن الحزب الشيوعي كان يختار من بين صفوفه خيرة مناضليه للعمل في الطباعة من الذين يتميزون بالذكاء والجهادية ونكران ذات عال، صبورين ومجربين وممن يستطيعون مراعاة قواعد الصيانة بدقة ويعرفون كيف يتملصون من شباك البوليس السري، وهناك الكثير من الحوادث التي وقعت لكوادر المطبعة فتخلصوا منها بذكائهم.
لقد كان نظام العمل لوحده من المهمات الشاقة في عمل المطبعة، مع توفير الورق والحبر والحروف وسواها من مستلزمات العمل، والمهمة الاهم هي الصيانة أي وضع جهاز الطبع في مكان أمين، فكثيرا ما كانت تعترض العمل قلة الخبرة الفنية، إذ ان رفاق المطبعة ليسوا من فنيي الطباعة أو خبرائها، فمثلا يحدث أن يكون هناك حدث سياسي يحتاج لرأي عاجل من الحزب، فبعد كتابة البيان من قيادة الحزب يُرسل للمطبعة ويبدو الوقت هنا غير محدد مساء أم صباحا، وكثيرا ما يكون الرفاق منهمكين بعمل طويل، فيضطرون لترك عملهم والبدء بالعمل الجديد، وقد يستمر العمل الجديد لساعة متأخرة من الليل، وبهذا يكون العاملون السهارى قد أكملوا ترتيب وتنضيد الحروف وبعدها تجري عملية التصحيح، وفي الصباح يجري مسح أخير للبيان، وعندما يكون البيان جاهزا للطبع، يحدث أن لا تطبع الماكنة جيدا، فقد يظهر نصفها أبيض والنصف الآخر مطبوعا، وغالبا ما يعاد الطبع ولكن دون جدوى، إذ يكون الطبع رديئا أيضا، وهنا تفتح الماكنة وتصلح ميزانيتها، وبعد شدّ وفتح ومحاولات عديدة مضنية ومرهقة يكون الطبع قد عاد إلى وضعه الطبيعي، ولكن كثيرا ما يكون بشكل مشوش بهذا المقدار أو ذاك، ومن هنا تكون ـ أحيانا ـ الطباعة السرية غير جيدة.
وبشكل واسع كان الأطفال يساهمون في عملية الطبع، كان واحدهم مملوءا بالرجولة والعزيمة، فكان يجلس ـ مثلا الشهيد فاضل الصراف ـ خلف الماكنة في غرفة ضيقة خالية من وسائل التهوية وشروط الصحة ليدور عجلة المطبعة، وليساعد في الطبع، ولساعات بدون كلل، والبسمة لا تفارق شفتيه، ومن الصعوبات التي تواجه العمل في المطبعة، هي كيفية تلقين الأطفال سرية العمل، وتجنب الكشف، ولهذا كان يفرض عليهم نظام يفوق طاقتهم، ويتعارض بشكل حاد مع طبيعتهم كأطفال.
وكذلك من الصعوبات الكبيرة التي كانت تواجه كادر المطبعة والحزب هي عندما ينكشف مكان المطبعة أو يلقى القبض على أحد الرفاق العاملين فيها أو على من له علاقة بالجهاز ويعرف مكانه، وعندما تصادف مثل هذه الحالات تبرز صعوبة فك الجهاز والحروف وأدوات الطباعة والورق ونقلها بأسرع وقت ممكن إلى مكان مأمون.
ورغم كل الصعوبات التي واجهت الحزب في هذا المجال، فان صحافته السرية لم تتعطل عن الصدور في أحلك الظروف، فتحية إكبار وإجلال لعمال مطبعاتنا السرية ممن وهبوا حياتهم وسعادتهم من اجل إيصال أدبيات الحزب ومطبوعاته إلى الأيادي المنتظرة.
















